الحلقة الثالثة من السلسلة الحوارية من السيرة الذاتية “عيطة ركوب الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي.

جريدة جسر التواصل: يود قراء الجريدة أن يعرفوا كيف كانت المرحلة الانتقالية من “الأجودان الحسين” الدركي ضابط الشرطة القضائية والعسكرية، إلى “الشيخ الحسين” ضابط الإيقاع، المغني و”الكومنجي” للعيطة المرساوية؟
الحسين السطاتي: الحمد والشكر لله على نعمه التي لا تحصى، أنا أريد وأنت تريد والآخر يريد والله يفعل ما يريد..المرحلة الانتقالية كانت عن دراسة وتخطيط، فقبل أن أكون دركيا “أجودان” ضابطا للشرطة القضائية والعسكرية وضابط الشرطة التقنية العلمية، وضابط مكلف بالأحداث، وأستاذا مدرسا ومدربا عسكريا لضباط الصف للدرك الملكي..كنت في نهاية ثمانينيات وبداية تسعينات القرن الماضي فنانا شعبيا يعني “شيخ للعيطة”، مغني وعازف كمان “كومنجي” لمجموعة غنائية “رباعة الشيخات”، أحمل اسم “الشيخ الحسين السطاتي”، ولا أنكر خير مهنة الدرك الملكي علي، فأنا مدين لهذه الإدارة بالكثير، وجميلها علي لا يحصى، فقد كونتني وأعادت تربيتي وقوت شخصيتي، أعطتني الكثير ماديا وثقافيا ومعنويا.. وبعد قضائي لمدة اثنان وعشرون سنة في سلك الدرك الملكي بما في ذلك حقل الضابطة القضائية بميدان الجريمة ومدرسا ومدربا بميدان التدريس والتكوين العسكري الدركي، ولما تعديت سن الخامسة والأربعين قررت التفرغ لأعمالي الخاصة الحرة، ولممارسة هواياتي بما فيها القراءة والكتابة والموسيقى.. شعرت أن سني لم تعد تسمح لي بالحرب في ميدان الجريمة، ولا الأعمال المكتبية الوظيفية، فقررت أن أعمل عملا أحبه وأرتاح إليه، ويُفيدني جسديا ونفسيا، وبالفعل الحمد لله تحقق لي ذلك، وكان نعم الاختيار ونعم القرار،فأنا الآن لا أعد نفسي أعمل فحسب بقدر ما استمتع بهواياتي وأتقاضى عن ذلك أجرا..وأتمنى أن تخرج “العيطة” بخير كما خرج “السربيس” على خير..
جريدة جسر التواصل: مهنتك السابقة كدركي ضابط للشرطة القضائية مهنة محترمة اجتماعيا، هل كان من السهل عليك تغييرها نحو الفن والبحث عن فرصة أخرى؟
الحسين السطاتي: فعلا مهنتي السابقة كدركي مهنة شريفة ولها قيمة اجتماعية، ومهامها إنسانية، لكنها صعبة ومتعبة، وقد بلغت من العمر الخامسة والأربعين، وشعرت أنني في حاجة إلى مزاولة هواياتي بدون شرط أو قيد ومن بين هواياتي القراءة والكتابة وموسيقى العيطة والصيد والقنص. لذلك قررت أن أعود إلى العيطة، لقد سبق لي وأن فكرت في مغادرت وظيفتي الدركية لما قضيت بها مدة عشرة سنوات، لكن أبي “المحبوب محمد” رحمه الله وأسكنه فسيح جناته رفض ذلك، كما أن أخي الأكبر مني “المحبوب علي” هو الآخر لم تعجبه فكرتي، ورفض أن أعود إلى الفن قبل حصولي على التقاعد، لذلك صبرت وضحيت إلى أن حصلت على التقاعد النسبي، وعدت إلى العمل الفني الذي أحبه، وأجد فيه لذة ومتعة.
جريدة جسر التواصل: بعض الفنانين يسيرون من شبابهم في الفن الشعبي إلى الوظيفة العمومية وأنت عدت من الوظيفة العمومية إلى الفن الشعبي يعني إلى السهرات والأعراس، فلماذا سرت عكس الاتجاه؟
الحسين السطاتي: حبي وشغفي بالفن وهوسي بفن العيطة جعلوني أغامر وأعود من جديد إلى الساحة الفنية، رغم العراقيل والمشاكل ولكنني عازم ومصمم على التحدي، لأحقق أحلامي في الفن وفي الكتابة الأدبية. وأنا مدين بالفضل الكبير لمهنة الدرك الملكي.
جريدة جسر التواصل: ماذا حقق الفنان الحسين السطاتي من تجربة الدرك الملكي؟
الحسين السطاتي: حققت الكثير من هذه التجربة الغنية التي كونت شخصيتي وأعادت تربيتي، كونتني ماديا ومعنويا، تعرفت على ناس من مختلف الطبقات الاجتماعية، زرت أماكن مختلفة من وطني أكلت في أفخم المطاعم وأقمت في أفخر الفنادق أتناء قيامي بمهام دركية، كل هذا بفضل مهنة الدرك الملكي. والحمد لله أن خرجت العواقب سليمة، “خرج السربيس على خير والله يخرج العيطة على خير”.
جريدة جسر التواصل: هل واجهت في بداياتك أي نوع من الاعتراض من قبل أهلك بولوجك عالم الفن؟
الحسين السطاتي:: طبعا كان رفضا قاطعا من طرف والداي رحمهما الله وأسكنهما فسيح جناته، نحن بدو من ريف “أولاد عبو” منطقة “أولاد سعيد ” ضواحي مدينة “سطات”، والبدو يعتبرون الموسيقى والغناء مهن حقيرة ودونية، بل هناك من يذهب إلى التحريم، وخاصة فن العيطة “حرفة تشياخيت”، لكنني كنت أتدرب على الكمنجة في الخلاء وأنا أرعى الغنم، وكان يصل بهما الأمر إلى ضربي وكسر الكمان التقليدي على رأسي، كي أبتعد عنها، لكني أصررت على التشبث هوايتي، ومن بين العقوبات التي أتذكرها ربطني أبي إلى شجرة بعدما ضربني وكان الوقت ليلا وأنا طفل والكلاب تطوف من حولي وتتشممني، لكني رغم العقاب والتعذيب كنت أعود إلى صنع كمان من جديد، ولما بلغت سن الثانية عشر تمردت على والداي، وهددتهم بأنني سأقاطع الرعي والدراسة وأهرب من المنزل، لذلك تركوني وشأني.
جريدة جسر التواصل: ما هي اهتمامات شيخ العيطة الحسين السطاتي الأخرى غير الموسيقى، وكيف تنجح في الجمع بين الكتابة والموسيقى..؟
الحسين السطاتي: بعد تقاعدي برتبة “أجودان” من مهنة الدرك الملكي، استثمرت في مجال الحلاقة العصرية للرجال وللنساء بمدينة “تمارة”، بصفتي حلاق ومدرب حلاقة، بعدما تلقيت تكوينا وتدريبا في هذا الميدان، إلى جانب هذا فأنا مهتم بالقراءة والكتابة، أكتب المقالة والقصة القصيرة والقصة والرواية والسيرة الذاتية والمسرح.. وبين الفينة والأخرى أنشر وأغرد على صفحاتي وحساباتي على مواقع التواصل الاجتماعي، لقد نشرت بعض الفصول من روايتي الطويلة التي كتبتها في أربعة أجزاء تحت عنوان “عيطة بيضاوية”، ونشرت سلسلة ندوات كنت قد ألقيتها في ملتقيات ثقافية وفي احتفاليات خاصة بالتراث الشعبي وفن العيطة، وجمعتها في كتاب تحت عنوان “فن العيطة بين نظرة الاحتقار ورد الاعتبار”، ونشرت مجموعة من القصص القصيرة من مجموعتي القصصية بعنوان “العيطة والغيطة”، وكتبت نص مسرحي فردي بعنوان “عيطة الكرسي”، وألفت مسرحية بعنوان “الرقص مع الذئاب في عيطة الغاب”، كما نشرت لي جريدتكم “جسر التواصل” الجزء الأول من سيرتي الروائية بعنوان “عيطة دموع الخيل”، نشرت عبر سلسلة حلقات يومية خلال شهر رمضان ما قبل الماضي، ونشرت لي جريدة الصباح المغربية”، جزء من سيرتي الذاتية من كتابي بعنوان “عيطة دموع الخيل”، على شكل سلسلة حلقات يومية، وأكتب حاليا في الجزء الثالث من عملي الروائي تحت عنوان “العين الزرقاء”، الذي اقتبسته من “عيطة العين” وهي أغنية شعبية من تراث فن “العيطة البلدية الفيلالية”، كما أكتب حاليا في ديوان زجل أعطيته مؤقتا عنوان “عيطة الساكن”، .. وقد صارت العيطة حاضرة معي في الحفلات والأعراس وفي الخرجات الإعلامية وفي الصالونات الأدبية.. فالعيطة هي موسوعة أدبية تجمع فيها ما تفرق في غيرها؛ فيها القصيدة، والقصة القصيرة جدا، والقصة القصيرة، والرواية، والمسرح، وتجمع فيها حتى الحكاية والخرافة ..إضافة إلى الموسيقى والغناء والرقص، كل هذا قد نجده في عيطة واحدة، فالموسيقى العيطية هي حقل خصب للكتابة السردية، حقل غني بالأحداث الجريئة المثيرة التي تشد القارئ في الواقع كما في المواقع، وفي الكتاب وعلى الشاشة الصغرى والكبرى.
جريدة جسر التواصل: بعض المنتقدين لفن “العيطة” يعتبرون هذا اللون الغنائي لونا غنائيا اباحيا ويفسد الشباب، ما ردك عن هذا؟
الحسين السطاتي: لكل نظرته الخاصة ورأيه يُحترم، أنا فنان شعبي “شيخ للعيطة” مغني و موسيقي عازف كمان “كومنجي ” لفرقة موسيقية شعبية “رباعة الشيخات”، مقتنع أنني أمارس موسيقى الأجداد، موسيقى جميلة، صعبة ومركبة، موسيقى الأسلاف عمرت لمدة قرون ومازالت تكتسح الساحة الفنية المغربية وتعدت الحدود إلى دول أوربية وخليجية.. موسيقى تراثية أصيلة كانت ومازالت وستظل في القمة، وهي موسيقى العيطة، فن تراثي مغربي أصيل، موسيقى الفقير والوزير والأمير، موسيقى الحرفيين والرعاة والصناع.. موسيقى السلاطين والملوك والقياد والبشوات..تجد العيطة في البر والبحر، كما تجدها في المدشر والقصر، طبعا فن العيطة في شقه العاطفي هو فن رومانسي ايروتيكي وليس بورنوغرافي اباحي، وكلام العيطة هو زجل بلغة عربية “عروبية” مغربية “دارجة عامية” ضاربة في عمق الريف المغربي، يتغنى في شقه العاطفي بالحب، بالغزل والعشق والهيام والصبابة والعتاب..ذلك الحب الأيروسي، كما نجد هذا كذلك في الشعر الإغريقي والشعر الروسي وشعر أمريكا اللاتينية والشعر الجاهلي والشعر العباسي والأموي..إضافة إلى الموسيقى والغناء والرقص، وما يشاهده المتلقي أتناء العرض الفني وأركز على عبارة “العرض الفني”، من حركات وإيحاءات جنسية فهي محاكاة لما تقوم به الحيوانات داخل الغابة بحكم أن فن العيطة هو فن بدوي رعوي، فمثلا “عيطة الغابة” من التراث “العيطي الغرباوي” هي وحدها تحتوى على أزيد من عشرين رقصة أو أكثر، هناك رقصة الحمامة، ورقصة الحجلة، ورقصة الحدأة، ورقصة النحلة، ورقصة النعامة، ورقصة الغزالة، ورقصة التمساح، ورقصة الأفعى، ورقصة الخيل، والرقص مع القردة، والرقص مع الذئاب، والرقص مع الخنازير، والرقص مع الثعالب، في عرض ممسرح موسيقي غنائي فكاهي.. وغيرها من الرقصات الجميلة المثيرة، فأنا بصفتي فنان شعبي مغني وعازف كمان “كومانجي” لمجموعة غنائية عيطية “رباعة الشيخات”، لست مسؤولا عن التربية الجنسية للمتلقي وعن تلك النظرة الغريزية الشهوانية الغريزية الشبقية، لست مسؤولا عما يعيشه وما يعانيه المتفرج من كبت وحرمان عاطفي وعطش جنسي..أنا ومجموعتي رجالا ونساء نكون في لحظة تجلي بمعنى لحظة أداء فني، وحينما نكون في ساعة العرض الفني نترك الأخلاق جانبا، ونجد فن “العيطة” يؤثث سهرات وأفراح عدد كثير من المغاربة بمختلف طبقاتهم الاجتماعية، من القصر إلى المدشر.. وموسيقى العيطة هي غداء الروح بالنسبة إلي، ومصدر من مصادر الجمال وراحة النفس، وبينت دراسات علمية حديثة، أن الموسيقى بصفة عامة تعالج بعض الأمراض.. فكيف تفسد الشباب، وأعتقد أن الشباب المغربي تفسده التربية الرديئة الفاسدة والتعليم الرديء الفاسد، وتفسده البطالة وقلة الشغل، وتفسده انعدام وسائل الترفيه وغياب التأطير الثقافي، الشباب تفسده الجهات المتطرفة والمتشددة، ويفسده المسؤولين الفاسدين الذين ينهبون خيرات البلاد بلا حسيب ولا رقيب، الشباب تفسده منظومة صحية رديئة وفاسدة، تفسده الأم المقهورة المستعبدة المهددة بالطلاق وتشريدها هي وأبنائها، أما الفن فهو يبني ولا يفسد، يُقوم الشباب ولا يعوجهم.
جريدة جسر التواصل: يقال عنكم أنتم معشر الفنانين “أشياخ العيطة” تشغلون معكم نساء دورهن الإغراء وتحريك غرائز الرجال، ما ردك عن هذا؟ ؟
الحسين السطاتي: بطرحك لهذا السؤال، تريد إرجاعنا إلى قرون خلت، لما كانت النساء قابعات في البيوت بعيدات عن ميدان الشغل، ومع ذلك لقد قرآنا عبر العصور من فضائح وجرائم ارتكبتها النساء سواء السلطانات في القصور أو المختبئات في الكهوف، أما عن عملنا كمجموعة غنائية “رباعة الشيخات” فنحن نقوم بعمل فني جمالي، نقوم بعرض ومنه الغناء والموسيقى والرقص، وعلى المتلقي أن يدرك حجم رمزية الرقص ودلالاته وأبعاده.
جريدة جسر التواصل: ألا تغار عليك زوجتك من الشيخات؟
الحسين السطاتي: زوجتي لها أحاسيس ومشاعر كباقي البشر، وذلك من شأنها، تغار أو لا تغار لا فرق عندي، المهم أنا تربطني مع الشيخات علاقة العمل الفني، وأنا أحب هذا الفن وأرتاح له. أنا وهي بدويان وتربطنا قرابة العائلة، أبناء العمومة، أحترمها وتحترمني، وأنا أعرف حدود مسؤوليتي، وحتى في عملي كموظف دركي ضمن عناصر الضابطة القضائية، كنت أعمل وسط مستنقع الجنس والفساد الأخلاقي ضمن القرى والمدن التي اشتغلت بها كضابط للشرطة القضائية والعسكرية..الشيخات زميلاتي في العمل، تربطني بهن علاقة العمل فحسب، وتجمعني بهن صداقة أخوية خالية من كل الشبهات.
جريدة جسر التواصل: لكن فضولنا يدفعنا أن نسأله، أنت تدافع عن الشيخة في حواراتك وفي كتاباتك الأدبية من قصة ورواية، هذا شيء جميل، ونريدك أن تكون صريحا في جوابك، لو كانت تعمل معك زوجتك “كريمة نرجس” فنانة “شيخة” ضمن مجموعتك الغنائية “رباعة الشيخات”، هل ستتعامل معها كما تتعامل مع باقي الشيخات ؟
الحسين السطاتي: أولا أنا بدوي ريفي كما سبق وأن قلت لك، من ريف “أولاد عبو”، والتزاما مني بوعد أعطيته لأمي منذ بداية عملي مع الشيخات بأن لا أتزوج “شيخة” وقد حلفت وأقسم على ثديها، ولن أحنت ولا أخون العهد وأنكد بالوعد، والقسم، هذا من جهة من جهة أخرى، زوجتي فنانة في الطرز والخياطة والحلاقة العصرية للنساء والتنكَيف، ليس لها هواية ولا موهبة الفن الغنائي كيفما كان، ومن ناحية أخرى لنفرض أنني تزوجت من زميلتي في العمل “شيخة” فلابد لي أن أرضى بالأمر الواقع وأتنازل عن أشياء كثيرة، منها أقبل تنمر بعض الجمهور الطائش على الشيخات، وتصرفات بعض سكارى آخر السهرة، فعمل الفنان “الشيخ” مع زوجته “الشيخة” تبدو لي مهمة صعبة لكن هناك من يتعايش مع هذه الظروف، ويعمل هو وزوجته في مجموعة غنائية واحدة.
جريدة جسر التواصل: بين زوجتك وبناتك ألا يضايقهن أن تشتغل مع نساء متحررات “شيخات” يقال عنهن جريئات ومتحررات؟
الحسين السطاتي: زوجتي هي الأخرى ريفية وتربطني معها قرابة العائلة “أبناء العمومة”، وعلاقتي بها أزيد من ثلاثة عقود، يعني عاشرتني لمدة تزيد على ثلاثين سنة وهي تعرف شخصيتي، وبناتي راشدات كبيرات، ولهن ثقافة فنية، دارسات للصولفيج وللموسيقى، ومتعلمات ومثقفات لهن مستوى جامعي، ويعرفن الحياة الفنية، لهذا أعتقد أن عملي مع الشيخات لا يضايقهن، وحتى لو ضايقهن ذلك شأنهن، فالشيخات مثل أخواتي أساعدهن ويساعدنني.
جريدة جسر التواصل: ماذا يضيف وجود المرأة في المجموعة الغنائية العيطية ؟
الحسين السطاتي: بصفتي فنان شعبي موسيقي عازف “كمنجة” ومغني لمجموعة غنائية لفن العيطة “رباعة الشيخات”، أعتبر أن المرأة “الشيخة” هي المولد الكهربائي الذي يحرك وينير سماء الفرقة الموسيقية، وهي الركيزة الأساسية في خيمة العيطة، سواء كمادة شعرية في الأغاني العاطفية، أو حضورها كفاعلة فنية مغنية وراقصة. وهناك بعض العيوط لا تكتمل إلا بوجود المرأة “الشيخة”، مثلا “عيطة الغابة”، وعيطة “الحساب الزعري”، وعيطة “بنداود الشيباني”، وقد أشبه “الشيخة” بالملح في الطعام المغربي هناك من يستلذها ويستطيبها، وهناك من تسبب له أمراضا، وللناس فيما يعشقون مذاهب.
جريدة جسر التواصل: يقال أن الفنان عموما ما يبحث عن المرأة المثال، ومن الصعب على أية زوجة في الدنيا أن تكون في مستوى الفكرة المثالية الحالمة، التي يكونها الفنان للمرأة قبل زواجه منها، فما مدى صحة هذا القول في حياة “شيخ العيطة” والكاتب.. الفنان الحسين السطاتي؟
الحسين السطاتي: أنا لا أتفق مع هذا القول بتاتا، وأؤمن أن الكمال لله وحده، ولا يوجد شخص مثالي، كلنا ناقصون، لكننا نكمل بعضنا البعض، كما أؤمن بأن الزواج قسمة ونصيب وليست هناك وصفة سحرية لزواج ناجح، علينا أن نقنع ونرضى بما أعطانا الله سبحانه وتعالى، ونتحمل مسؤولية اختياراتنا، فزوجتي هي المرأة التي وهبني الله وأنا الذي اخترتها، إذن فهي أمانة في عنقي هي وأبنائي، وعلي أن أتحمل مسؤوليتي وأن أحافظ عليها وأشجعها وأعلمها وأساعدها وأحبها، هذا لأني مسلم، وبحكم تجربتي الزوجية التي تعدت ثلاثين سنة، الزواج أمانة ومسؤولية، محبة ومودة وتساكن وتغاضي وتسامح، وتنازل..وهكذا تسير عجلة الحياة الزوجية إلى الأمام. أعتبر زواجي ناجحا إلى حد كتابة هذه الكلمات، والغد علمه عند الله.
جريدة جسر التواصل: لماذا في نظرك زواج الفنان بفنانة من نفس المجال الفني غالبا ما يفشل ؟
الحسين السطاتي: طبعا كل الظروف تجعل زواج الفنان بصفة عامة صعبا ولا أقول فاشلا، لأن الفنان غالبا ما يكون حساسا، ولا يقبل من يتحكم فيه أو يأمره، له تركيبة نفسية معقدة، وأنا لا أعمم هناك بعض الحالات الاستثنائية التي نجحت على قلتها، وخاصة فنان “فن العيطة” العامل في فضاء “حرفة “تشياخيت”، بالنسبة للرجل “الشيخ” له اكراهات فنية، كأن يكون شبه دائم الغياب عن البيت وخاصة بالليل، ونشاطه في جو موبوء ومتهم بالفسق وتعاطي الخمور والمخدرات والفسق، كالفنانين الذين يشتغلون في الملاهي الليلية والحانات.. أما عن الفنانة “الشيخة” فالوضع أصعب ومعقد، جد صعب على زوجها أن يتقبل حضورها وسط هذا الجو اللاهي وأن تبقى على تواصل دائم مع الرجال سواء من أفراد مجموعتها أو مع الجمهور، أنا أتكلم معك بوضوح وبحكم التجربة، صعب أن يستمر زواج الفنان “الشيخ” بزوجته الفنانة “الشيخة”، إلا إذا اعتزلت فنها.
جريدة جسر التواصل: يقال أن وراء عذاب كل امرأة رجل، وكذلك وراء كل امرأة متخلفة رجل، ما هو تعليقك على ذلك؟
الحسين السطاتي: ليس بالضبط قد يكون وراء عذاب امرأة، امرأة أخرى ووراء عذاب رجل رجل، خلق الله الانسان وجعلنا من ذكر وأنثى لنتعارف، ونتعايش، ونتعاون وليكمل بعضنا البعض، ومهما هناك حياة فهناك معاناة وعذاب، وهناك حلول، إذن لابد أن نتعايش مع الوضع الذي نحن فيه ونتفاءل بغد أفضل وهكذا تستمر الحياة.
جريدة جسر التواصل: هل استطاعت المرأة الفنانة الشعبية “الشيخة” أن تفرض نفسها في الساحة الفنية كالرجال؟
الحسين السطاتي: طبعا مند زمان والمرأة المغربية الفنانة الشعبية “الشيخة” تفرض وجودها في الساحة الفنية، فالعيطة تساوي بين المرأة والرجل سواء في الغناء أو العزف أو الرقص، وحتى في قيادة المجموعة الموسيقية، وفرضت وجودها على الرجل الموسيقي رفيقها في المجموعة وعلى الرجل وعلى الجمهور.هناك أسماء كثيرة لشيخات خلدن أسماءهن في مجال العيطة، ولا عيطة مكتملة بدون شيخة.
جريدة جسر التواصل: إلى أي مدى مهنة “تشياخيت” صعبة ؟
الحسين السطاتي: طبعا هي مهنة جد صعبة، ومحفوفة بالمخاطر، والفن بصفة عامة ليس بالهين، وبالنسبة إلي حرفة “تشياخيت” هي غابة الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود، أكيد أن فيها الفواكه والثمار والأشجار ونصطاد فيها ما نحتاجه لتغذى به، وفيها نقيم النزهة ونغني ونرقص ونمرح.. في المقابل هذه الغابة مملوء بالمخاطر ومنها القاتلة، فيها الوحوش الضارية والكواسر الجارحة، فيها الذئاب والثعالب والأفاعي والعقارب، فيها الأشواك والكمائن..وهذا كله وضحه لنا جدنا شيخ “العيطة الغرباوية” في “عيطة الغابة”، لهذا فالذي يرغب في الدخول إليها عليه أن يكون حذرا و مسلحا بالصبر والفطنة والذكاء، والفن العيطي.
جريدة جسر التواصل: متى برأيك يتحول الفنان إلى نجم يتتبع الناس أخباره ؟
الحسين السطاتي: لنتفق أولا على مفهوم النجومية..النجم برأي هو كل إنسان يتكرر ظهوره على الشاشة في القنوات العمومية وعلى منصات المهرجانات بصفة متواصلة ومتكررة، ويحضى بتغطية إعلامية كبيرة، حيث يلقى انتشارا واسعا، ويتعود عليه الناس، ويصبح اسمه يتردد على الألسن، أو يحتذى به ويضرب به المثل، حينها يمكن أن نصفه بأنه نجم، فمثلا لو ظهر حارس العمارة أو البائع الفراش أو رياضيا، أو مؤثرا على مواقع التواصل الاجتماعي، وحتى مجرما ..وحضي بتغطية إعلامية كبيرة لأصبح نجما، وبالتالي فالنجم قد يكون رئيس دولة أو فنان أو طباخ، المهم شخص قدم شيئا غير مألوف ولفت انتباه الناس لمدة من الوقت. لكن لكل نجومية ثمن.
جريدة جسر التواصل: في ظل الأجواء المسلطة عليك من حب جمهورك لك، هل تجد نفسك قد أتبت جدارتك وتأثرت بها من ناحية الخبرة والطباع وعلاقتك مع الآخرين؟ ؟
الحسين السطاتي: أولا شكرا لك على هذه المجاملة المتمثلة في عبارة تسليط الضوء علي، فأنا عائد من جديد إلى حقل الساحة الفنية الشعبية العيطية، ولا زلت في البداية وحتى الآن مازلت لم أكسب تلك الشهرة التي تجعل الأضواء مسلطة علي، أو تجعلني مؤثرا، رغم مشاركتي في العديد من المهرجانات والتظاهرات الفنية، الحمد لله بحكم محطات حياتي عشت تجارب والتي صقلتني وصقلت موهبتي الفنية، وأشكر إدارة الدرك الملكي التي كونتني عسكريا وقضائيا وإداريا، كما كونتني ثقافيا وماديا، وأنا أسير بتمهل وحسب المستطاع، سواء كفنان شعبي “شيخ للعيطة” أو ككاتب قاص وروائي وزجال، ومن سار على الدرب وصل، والألف ميل يبدأ بالخطوة، وأنا لن أستعجل الشهرة بل أستمتع بالطريق إليها وأنا والحمد لله دركي متقاعد، أجعل من سن التقاعد سن إبداع فني وأدبي سردي.
جريدة جسر التواصل: من ينظر إلى صورك في السابق وينظر إليك الآن، ماذا سيلاحظ؟
الحسين السطاتي: طبعا نحن نتغير والحسين الذي يتكلم معك الآن ليس هو الحسين في بداية اللقاء، سبحان الله لهذا لا يمكن أن تعوض الآلة الإنسان، قد تسقط شعرة من رأسي أو من حاجبي وقد تموت خلية من جلدي، ونحن لا ندري، أما عن الشكل فنحن نكبر وللعمر سلطان، كل حي يرزق ينمو ويكبر ويشيخ ثم يموت، وستجد صوري مختلفة لكنها أعتقد صور مشرفة لأنني أداوم على مزاولة الرياضة والتغذية الصحية وأنا في الخمسينات من عمري. أما من ناحية تغيير الملامح فيسري علي كل ما يسري على الكائن الحي، لا شيء يدوم وسبحان من له الدوام.
جريدة جسر التواصل: ما رأيك في خصام بعض الفنانين “أشياخ العيطة” ونشر غسيلهم في تسجيلات فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي ؟
الحسين السطاتي: هذه عادة دأب عليها الفنانين من القديم، ومنهم فنانو العيطة “أشياخ وشيخات”، وذلك يعبر عن ثقافة كل واحد منهم، وحين يغيب العمالقة يتعملق الأقزام. فهي ظاهرة قديمة جدا، دائما هناك حسد وغيرة وغل في النفس البشرية، وخاصة ذوي النفوس الضعيفة، كنا نقرأ هذا في الصحف والمجلات..لكن اليوم بفضل التطور التكنولوجي وتوفر الهواتف المحمولة وسهولة تسجيل الفيديوهات ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، كل هذا أدى إلى انتشار هذه الظاهرة، وهناك من الأشخاص من خبا بريق تألقه ويريد أن يعود للظهور بافتعال التنابز والتنمر والتخاصم مع الفنانين، وهناك من يبحث عن الشهرة بأية طريقة كانت..لكن كما يقال لا يصح إلا الصحيح.
جريدة جسر التواصل: الحسين السطاتي فنان شعبي قائد فرقة موسيقية غنائية “رباعة الشيخات” هل تعتمد على الصوت أم الصورة ؟
الحسين السطاتي: طبعا في المباشر أعتمد على الصوت والصورة والأخلاق وحسن العمل الفني، وفي التسجيل أحيانا أكتفي بتسجيل الصوت فقط، وأحيانا أقوم بتسجيل الأغنية بالصورة والصوت مباشرة من الحفل أو السهرة، فالصوت حاليا غالبا مقترن بالصورة، وصار لزاما على كل فنان أن ينظم نفسه ويحرص على أخلاقه وحسن عمله، أثناء الحفل أو السهرة، لأن كل الجمهور يحمل هواتف محمولة تختلف جودتها ونوعها، مدججة بآلة تصوير وكاميرات ذات جودة عالية، لهذا على الفنان أن يظهر في أحسن صورة ليحافظ على مكانته، ويكسب مزيد من الشهرة الايجابية، وأحب أن أظهر بالصوت والصورة بالتسجيل الاحترافي، لكن ما باليد حيلة المشكل مادي محض، وتسجيل شريط فيديو عيطي” فيديو كليب” يتطلب ميزانية مالية، كما أنني كتبت “عيطة العين” قصيدة طويلة، وصرت أغنيها مع مجموعتي في المناسبات والأعراس..ولقيت اقبالا كبيرا واستحسنها الجمهور، حيث مزجت فيها بين لحن العيطة المرساوية ولحن العيطة الفيلالية البلدية، وكتبتها رواية طويلة في أربعة أجزاء وأتمنى إن شاء الله أن تترجم إلى فيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني.
جريدة جسر التواصل: ماهي العيطة التي تعجبك وتغنيها كثيرا وتتمنى أن تصورها بالفيديو كليب ؟
الحسين السطاتي: تعجبني صراحة “عيطة العين” لقد جددتها وأبدعت فيها، كانت تتكون من عشرة أبيات متفرقة وغير مفهوم مضمون القصيدة بالنسبة للمتلقي، أوشكت أن تقبر وتختفي، وقمت بتجديدها في قالب جديد، حيث كتبت القصيدة من جديد بناء على الرواية الشفوية لهذه العيطة، وغيرت لحنها حيث مزجت بين اللحن العيطي المرساوي واللحن العيطي الفيلالي البلدي، كتبتها في مائة وأربعين بيتا شعريا زجليا، وكتبتها عملا روائيا في أربعة أجزاء أعطيتها عنوان “العين الزرقاء”. سأعمل إن شاء الله على نشرها ورقيا.
جريدة جسر التواصل: كيف جاءت فكرة كتابة قصيدة “عيطة العين” وتلحينها وغنائها وكتابتها في شكل عمل روائي ؟
الحسين السطاتي: فكرت في إبداع عيطة ذات موضوع عاطفي، وبحكم أنه سبق لي وأن اشتغلت كدركي بالجنوب الشرقي المغربي، بمنطقة درعة سجلماسة تافيلالت، وحضرت لأعراس وحفلات وخاصة بمنطقة الراشيدية وأرفود وألنيف وتزارين وزاكَورة، أعجبت كثيرا بالفن البلدي، وهو قريب جدا من العيط المرساوي الذي نشأت عليه بمدينة سطات، ووجدت أن هناك تقارب كبير بين العيطة المرساوية والعيطة البلدية الفيلالية، لهذا قررت المزج بين هذين النوعين من الغناء العيطي، فاقتبست موضوع “عيطة العين” من الفن البلدي بصوت الفنان الراحل “الشيخ محمد باعوت” وكانت قد أقبرت وجدت منها عشرة أبيات متفرقة، فكتبتها في مائة وأربعين بيتا زجليا، حيث يجد القارئ القصيدة الزجلية قصة واضحة المعالم والصور الشعرية ظاهرة، قد يفهم أحداث الرواية انطلاقا من القصيدة المغناة.
جريدة جسر التواصل: لنفترض أن روايتك “العين الزرقاء” قد حولت إلى فيلم سينمائي، كيف تتوقع رد فعل الجمهور عند مشاهدته فيلم “العين الزرقاء”، من روايتك “عيطة العين” ؟
الحسين السطاتي: حلم جميل ، وافتراض من الممكن أن يتحقق على أرض الواقع، ولكن من الصعب التكهن برد فعل الجمهور، لكن كل كاتب ينتظر تفاعلا ايجابيا من طرف الجمهور سواء القارئ لكتابته أو المتفرج على الأفلام المقتبسة من رواياته.، المهم أنا شخصيا معجب كثيرا بهذه الرواية التي تخلد “عيطة العين” ولي الشرف أن أكون أنا الفنان الشعبي الموسيقي “الكومنجي” والمغني، وكاتب القصيدة وكاتب الرواية، وإن شاء الله قد أكون ممثلا ومساعد في كتابة سيناريو هذا الفيلم أو المسلسل، وإن لم يتحقق لي هذا يكفيني أنني تخيلتك وكتبته وتفرجت عليه في خيالي واستمتعت به، أعدكم أنني سأفعل كل ما في وسعي حتى يتحقق هذا الهدف، وإن تعذر علي الأمر، سأجعل منها فيلم قصير، وفيديو كليب ولو من مالي الخاص.
جريدة جسر التواصل: هل توجد خطوط حمراء بين الفنان العيطي وجمهوره ؟
الحسين السطاتي: بالنسبة لي كفنان مغربي موسيقي “شيخ للعيطة” وكاتب قاص وروائي، وشاعر زجال، فعلا هناك خطوط حمراء بيني وبين جمهوري، هناك أمور شخصية أكثر سرية، وهناك أمور عسكرية أتحفظ على ذكرها والإجابة عنها، هناك قضايا جنائية بحثت فيها وجرائم مختلفة ومن واجبي أن أكتم السر المهني وأحافظ على أسرار الناس، لو أردت ذلك لتطرقت إليه في قناتي على اليوتوب، والمهم يجب علي أن أقدم أعمالا أدبية وموسيقية في المستوى.
جريدة جسر التواصل: هل تعتقد أن الفن الشعبي يشكل مصدر رزق مريح للفنان المغربي ؟
الحسين السطاتي: هناك أبيات في عيطة “دامي” المرساوية، تقول ( يا ويل من تاق في خوتو…و يا ويح من كان قوتو في صوتو)، لذلك يجب على الفنان الشعبي أن يترك الفن كهواية فقط، فإذا ما جني منه دخلا ماديا كان ذلك خيرا، وعليه أن يتعلم حرفا أخرى أو صنعة أو يشتغل شغلا موازيا لفنه، تفاديا للسقوط في البطالة، وتجنبا لعوائد الدهر، وخير دليل ما عاناه الفنانون الموسيقيين المغاربة من فاقة وحاجة خلال فترة الحجر الصحي أتناء انتشار وباء كورونا، أما إذا كان الفنان متفرغ للفن وخاصة الفن الشعبي بعيدا عن الموبقات والمفسدات من تخدير وفساد أخلاقي وشرب الخمر ونحوه.. واستغل الفرص التي تتاح له، فأظن أنه يكفيه ويتعدى ذلك، وهناك كثيرون اغتنوا من هذا الفن الشعبي التراثي الأصيل.
Views: 65
























