الفنان الكبير الحسين السطاتي لجسر التواصل: العيطة بالنسبة إلي هي تلك الحسناء الفاتنة التي أحببتها فأعطتني كل شيء،

جسر التواصل21 يوليو 2020آخر تحديث :
الفنان الكبير الحسين السطاتي لجسر التواصل: العيطة بالنسبة إلي هي تلك الحسناء الفاتنة التي أحببتها فأعطتني كل شيء،

جريدة ” جسر التواصل” في حوار مع الفنان الكبير الحسين السطاتي

 

جسر التواصل : كيف كانت بدايتك الفنية ؟

الحسين السطاتي : بسم الله الرحمن الرحيم، شكرا لمنبركم الإعلامي “جسر التواصل” على هذا التواصل عن بعد، وعلى هذا الجسر الفني الثقافي الذي يربط الفنان بالجمهور، أما بالنسبة لبدايتي الفنية فقد كانت بداية تقليدية كجل الفنانين الشعبيين بالمغرب، وبحكم أنني بدوي من ريف منطقة “أولاد عبو” قبيلة أولاد سعيد جهة سطات الدار البيضاء الكبرى، نشأت وسط أسرة تعتمد في عيشها على الفلاحة، وخلال طفولتي كنت أرافق الكبار إلى الحقول سواء خلال الرعي أو في مواسم الحرث والحصاد والدرس، وكانت أهازيج المرددات النسائية وأغاني العيطة هي الموسيقى السائدة بالمنطقة، وفِرق “الشيخات والثنائيات بآلة الوتار والبندير، واللعابات ” هي الفِرق الموسيقية التي كانت تُنشط مناسبات الأفراح، فتشبعت بهذه الموسيقى.. وفيما يخص تعلمي العزف على آلة الكمنجة، فقد كان ذلك تقليديا في البداية، حيث كنت آخذ آلة الكمنجة من الأشخاص الكبار أثناء الرعي بالخلاء وأتمرن عليها في الطبيعة، وكانت كماني الأولى عبارة عن آلة موسيقية وترية تقليدية مصنوعة من إناء قصديري “إناء مبيد للحشرات، علبة مربى، علبة زيت المحرك، …”، حيث يتم شد هذا الإناء إلى قطعة خشبية منشورة، أما الأوتار فكنا نستعملها من الخيوط السلكية لفرامل الدراجة، أو الخيوط المطاطية.. وقوس الكمنجة كنا نصنعه من شعر ذيل الحصان ليُربط إلى قضيب خشبي غالبا يُؤخذُ من غصن الشجر، ويتم حك الشعر بقطعة “الصلبان” لكي يصدر الصوت باحتكاكه بالأوتار.. وهناك من كان يتفنن في صنع آلته ليجعلها شبيهة في شكلها وصوتها بالكمان الحقيقي. وبمواصلة العزف اليومي المستمر بالاجترار والتكرار والتعلم من الكبار، تعلمت عزف بعض الأغاني الشعبية وبعض “العيوط” المرساوية والسواكن، وذلك بالموازاة بين شغفي الفني والدراسة، إضافة إلى الأعمال الفلاحية والواجبات المنوطة بي، بصفتي فردا داخل أسرة بدوية ريفية تعتمد في عيشها على الزراعة والرعي، وكنت أحفظ الأغاني الشعبية والقصائد العيطية مباشرة من الأعراس أو بالاستماع إلى الأشرطة السمعية “الكاسيت” أو الأسطوانات، وأحيانا من أمام بائع أشرطة الكاسيت بالسوق الأسبوعي، ولما لانت في يدي الكمنجة وبتشجيع وطلب وإلحاح من الجمهور المحلي بالدوار، صرت أشارك وأنا شاب مجموعات “الشيخات” في العزف والغناء لوصلات غنائية بالأعراس، وذلك بعد أخذ موافقة شيخ الفرقة “الكومنجي”..ومنذ صيف سنة 1988 بدأت أشارك الفرق الغنائية الشعبية في إحياء الحفلات كعازف كمان ومغني، في القرى وفي المدن، حيث شحذت موهبتي واستفدت من تجارب زملائي الموسيقيين الدارسين للموسيقى..وخلال سنة 1992 أسست مجموعتي الغنائية تحت اسم “أوركسترا الحسين السطاتي” لتتوقف بعد ذلك مسيرتي الفنية الموسيقية خلال ربيع 1994، بعدما التحقت بالوظيفة العمومية سلك الدرك الملكي، وبقيت كمتتبع وهاو لموسيقى العيطة إلى حدود صيف سنة 2016، إذ مباشرة بعد حصولي على التقاعد النسبي، عدت من جديد إلى عشقي الموسيقي، واستأنفت مسيرتي الفنية بنفس الاسم “الحسين السطاتي” وبنَفَس جديد..

جسر التواصل : لماذا ارتبطت بالعيطة وليس أي شكل من أشكال الفنون الموسيقية الأخرى؟

الحسين السطاتي : يقال أن الإنسان ابن بيئته، وفن العيطة هو نشيدي الأول، والمراعي والحقول هي بمثابة المعهد الموسيقي الذي تلقيت فيه أولى أبجديات هذا الفن، وبحكم أنني بدوي من منطقة سهل الشاوية، فهذا النوع الموسيقى هو الفن الذي كان سائدا أنذاك خلال سنوات السبعينات، ومازال يلقى إقبالا وإشعاعا إلى حد الآن، وخاصة “العيطة المرساوية”، بمنطقة سطات..لم يكن هناك نوع موسيقى آخر متداولا بالمنطقة مثلا ك”الراي، أوالهيب هوب، أو الملحون، أو الأندلسي…” فجميع الحفلات ومناسبات الأفراح بالمنطقة كانت تُنشِطها فِرق “الشيخات والثنائيات واللعابات”، بما في ذلك حفلات الزفاف والعقيقة، والختان، والنجاح الدراسي، واستقبال وفود مخزنية، أو شخصيات سامية، وحتى العائدون من أداء فريضة الحج كان يتم استقبالهم بفن العيطة وبالشيخات، لهذا تشبعت وارتويت من نبع هذا الفن، هذا الموروث الثقافي اللامادي الأصيل الذي يُشكل جزءا من هويتنا المغربية..

جسر التواصل : ماذا تشكل العيطة لك؟

الحسين السطاتي : كما يقول أشياخ هذا الفن: “العيطة حنينة وكريمة”، وهي هوايتي ومصدر مُدِر للمال، فموسيقى العيطة بالنسبة إلي هي تلك الحسناء الفاتنة التي أحببتها فأعطتني كل شيء، أعطتني الثقة في النفس، منحتني المال، ساعدتني في دراستي، وحتى في أبحاثي الجنائية وأنا دركي ضابط للشرطة القضائية محقق في جرائم مختلفة، عرفتني على أشخاص رجالا ونساء من مختلف الطبقات، وأدخلتني أماكن لولاها ما دخلتها.. خيرها علي كثير، لهذا لن أتخلى عنها، هي حبيبتي الأولى قبل أن أعشق أي أنثى.

جسر التواصل : على من تتلمذت من شيوخ العيطة؟؟

الحسين السطاتي : دروسي الأولى في فن العيطة كانت على يد فنانين موسيقيين تقليدين رعاة بريف أولاد سعيد، ثم بعد ذلك بدأت أتعلم بالتدرج عن طريق السماع من عدد كثير من أشياخ العيطة، وأذكر منهم : “بوشعيب البيضاوي، الماريشال قيبو، حمو البوفي، الستاتي عبد العزيز، أولاد البوعزاوي، عبد الله البيضاوي، بوشعيب لبصير، الداودي عبد الله، امحمد ولد الهراس، علال الكرامش الشرقاوي، والموتشومحمد…” ومن الفنانين الأمازيغ الذين غنوا فن العيطة والأغنية الشعبية تعلمت سماعيا من الفنانين: “المغاري ميلود، عاشور حمي، حمو أوليزيد، بناصر بلغازي ومصطفى نعينيعة..” وحاليا أدرس وأتعلم الكمان على يد الأستاذ الشيخ “يوسف بوفلجة”. وكل واحد تعلمت منه ما يُفيدني بما في ذلك الحضور على الخشبة، والأناقة في الزي التقليدي المغربي، وطريقة الأداء، واحترام الجمهور..

جسر التواصل : كيف أثرت جائحة كورونا على الفن والموسيقى في المغرب؟

الحسين السطاتي : الله يبعد عنا كل داء ووباء وبلاء، لقد أثر وباء كورونا المستجد “كوفيد 19″، على العالم كله، والحمد لله أن بلدنا المغرب كان به المصاب أقل وأخف، رحم الله الأموات والله يشفي جميع المرضى، فجميع القطاعات تضررت من تأثيرات هذه الجائحة، ومنها القطاع الفني بصفة عامة ومنه القطاع الموسيقي، حيث كان التأثير ماديا ومعنويا، فقد انعدمت الأنشطة الفنية الموسيقية والأدبية، وأُجِلت الحفلات والأعراس، وأُلغِيت المهرجانات والسهرات، وأُغلِقت قاعات الحفلات.. وهذه الأنشطة هي المورد المادي الرئيسي للفنان الموسيقي، إضافة إلى أن ممارسة الفنان الموسيقى لفنه لها تأثير نفسي ايجابي على صحته فهو بعمله يغذي غروره الفني وعشقه الموسيقى ويقوي ثقته بنفسه، زيادة على دخله المالي.. ومازلنا إلى حد الآن معطلين فنيا وفي حداد موسيقي.

جسر التواصل : ما هي معاناة ناس العيطة في زمن كورونا ؟

الحسين السطاتي : لما توقف العمل بقطاع الحفلات والأعراس توقفت الأنشطة الفنية الموسيقية، يعني لم يبق هناك دخل مادي بالنسبة للفنان الموسيقي ومن بينهم ناس العيطة، وأغلب الممارسين لفن العيطة لا يتوفرون على الوثائق الرسمية التي تثبت هويتهم الفنية بما في ذلك: “بطاقة الفنان، بطاقة الانخراط في إحدى النقابات الموسيقية، بطاقة الانخراط في نادي فني..”، ولا يقومون بتسجيل إبداعاتهم لدى “المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة”، لهذا لم يستفيدوا من الدعم الذي خصصته وزارة الثقافة مؤخرا للفنان، ومازالت المعاناة مستمرة بعد عدم الترخيص الرسمي للعمل في قطاع الحفلات والأعراس، فكل شيخ أو شيخة يجر وراءه عائلة متكونة من عدة أفراد، لهذا فالمعاناة مضاعفة بالنسبة إليهم.

جسر التواصل : ماهو جديدك الفني والأدبي خلال هذا الصيف؟

الحسين السطاتي : أطلب من الله العلي القدير أن يحد البأس ويحفظنا من الأمراض ويقينا شر هذا الوباء، لتعود الحياة الفنية إلى طبيعتها، وفيما يتعلق بجديدي الفني، فبالنسبة لجديدي الموسيقي الغنائي سأطرح عيطة تراثية فيلالية جرفية بعنوان “البيضا” وتسمى أيضا “الحريمية”، وهي من التراث العيطي البلدي المغربي بمنطقة درعة تافيلالت، حيت تحكي هذه العيطة قصة شاب أسمر اللون وهو يعاتب حبيبته تلك الحسناء البيضاء البشرة، ويسائلها ويلومها عن جفائها له وفتور حبها اتجاهه، فور عودته إلى مسقط رأسه بعد غيابه الطويل من أجل العمل بمنطقة الشاوية. وأغنية شعبية عاطفية بعنوان “العديان ما يهمونا يا المحبوب”، إضافة إلى أغنية اجتماعية بعنوان “الكاس ما لقيت دواه”، وهي تعالج موضوع من المواضيع المسكوت عنها والتي تعد في فلك الممنوع “الطابو”، حيت تحكي قصة شخص مدمن على شرب الخمر وقد صار عبدا لهذه اللذة المؤقتة التي حولته من شخص كانت له قيمة ومكانة اجتماعية إلى شخص حقير ذليل، وهو يصف ما وصل إليه من جراء تعاطيه شرب المسكرات، والتي يقول مطلعها:
لا تبكيش يا عيني الغالب الله…..كَاع مرضي داويتو والكاس ما لقيت دواه
نحلف ما نشرب والكاس ما نتشهاه….من الواقع باغي نهرب والماضي باغي ننساه.
هذه الأغنية من كلماتي وألحان الأستاذ الملحن يوسف بوفلجة.

هذا من ناحية الجديد الموسيقي أما فيما يتعلق بجديدي الأدبي السردي، فأنا أواصل كتابة الفصول الأخيرة من روايتي “عيطة بيضاوية”.. وستكون لي بحول الله تجربة في ميدان التمثيل، هناك مشروع فيلم قصير مؤجل، للفنان والمخرج السينمائي الأستاذ عبد الله الغازي، الذي عرض علي أداء دور رئيسي في الفيلم، وتدور قصة الفيلم حول موضوع العيطة.

جسر التواصل : كلمة أخيرة لجمهورك ؟

الحسين السطاتي : شكرا للجمهور الكريم على التشجيع المادي والمعنوي، فبفضل الله وبفضله تكون لي دافعية للاجتهاد وللعطاء، وأعده أنني سأعطي كل ما في وسعي لفن العيطة من موقعي كفنان ممارس، وشيخ للعيطة، وسأظل وفيا لهذا التوجه الموسيقي، للحفاظ على هذا الفن الأصيل، وشكرا لجميع المنابر الإعلامية التي تساهم بجد في إعطاء إشعاع للفن والفنانين المغاربة وتنوير الحقل الفني المغربي، وشكرا جزيلا لمنبركم الإعلامي جريدة “جسر التواصل” الذي شيد لي هذا الجسر لأقف عليه وأطل منه على الجمهور الكريم.

 

Views: 13

الاخبار العاجلة