التعليم والذكاء: حين تتساقط الألقاب في فخ الغرور

جسر التواصل6 يناير 2026آخر تحديث :
التعليم والذكاء: حين تتساقط الألقاب في فخ الغرور

عبد العزيز الخطابي

·حينما يطلق ريتشارد فاينمان عبارته الشهيرة: “لا تخلط أبدًا بين التعليم والذكاء. يمكنك الحصول على درجة الدكتوراه وتظل أحمق.”، يتبادر إلى الأذهان سؤال جاد: هل التعليم وحده يكفي لحصول الفرد على لقب “ذكي”، أم أن هناك شيئًا أعمق من ذلك؟
دعونا نتعرض للواقع. في عالمنا المعاصر، يبدو أن الشهادات الأكاديمية تتحول إلى زينة تُعلّق على الجدران، تزين المكاتب وتخفي وراءها عقولاً فارغة. من السهل أن نتخيل شخصًا يحمل دكتوراه في الفلسفة، لكنه حين يفتح فمه، تُصدم الجماهير بمدى ضحالة تفكيره. وكأن التعليم قد تحول إلى شهادة مرور إلى عالم مختار، بينما العقل لا يزال يركض خلف قافلة المعرفة، متخبطًا.
لكن، ماذا عن الذكاء؟ ما الذي يجعله أكثر قيمة من مجرد ألقاب؟ تابعوني في هذه المغامرة الفكرية. الذكاء، ببساطة، هو القدرة على النظر إلى المعلومات من زوايا مختلفة، تحليل الأمور، وربطها بطريقة تُفضي إلى فهم أعمق. ليس كل من حفظ نصوصًا وأعادها في الامتحان يُعتبر “عبقريًا”. بل إن الحكمة الحقيقية تكمن في كيفية استخدام تلك المعرفة، وقدرتها على تجاوز السطح إلى الأعماق.
لك أن تتخيل بلادًا تتباهى بنظام تعليمي متشابك يُخرج لنا أجيالًا من الديناصورات الأكاديمية، بينما يصعب عليهم حل أبسط المشاكل الحياتية. كيف لأمة تعتمد على التعليم بصيغته التقليدية أن ترتقي، إن كان القوم غير قادرين على ربط الحروف بنحو متماسك؟ لكن الأسوأ هو تلك الفكرة المتفشية، التي تقول إن الناس مُجبرون على التقدير بناءً على ألقابهم بدلاً من فكرهم.
لنأخذ زاوية أخرى: دولة القانون. هل يُعقل أن نعيش في مجتمع يُنتظر فيه من الألقاب أن تُخفي عيوب الأفعال؟ في ظل هذا النظام، قد تجد أفرادًا يحملون شهادات رفيعة لكنهم يُخالفون القوانين أو الآداب العامة متخذين من مسمياتهم درعًا واقيًا. إن تجرؤهم على الإقدام على مثل هذه الانتهاكات يكشف عن تناقض صارخ: الجهل متعالي! ولذلك، يتطلب الأمر إعادة النظر في مفهوم القانون نفسه، إذ يجب أن يكون الجميع متساويًا أمامه، بغض النظر عن ألقابهم.
أما بالنسبة لأولئك الذين يظنون أن التعليم يُعطيهم حصانة من الأفعال السيئة، فإنه من المؤسف أن نقول لهم: لا، هذه ليست ورقة نعمة بل ورقة نفاق. يجب علينا كمجتمع أن نشارك في تشجيع التفكير النقدي بدلًا من التقديس الأعمى للشهادات. فالشخص الذي يفكر بعمق هو من يستحق الاحترام، وليس من يُظلل نفسه بالشهادات.
في نهاية المطاف، تظهر لنا قولة فاينمان كجرس إنذار يدق في آذاننا: التعليم يمكن أن يمنحك الأدوات، لكن الذكاء هو ما يجعل منك إنسانًا فاعلاً. لذا، لنفتش في أعماقنا، ولنُعِد تعريف ما يعنيه أن تكون ذكيًا في عالم يتفاخر بالألقاب ويُخفي الأوهام!

Views: 30

الاخبار العاجلة