الحلقة23

جريدة جسر التواصل: تقول في تصريحاتك بأن فن العيطة هو فن الماضي والحاضر والمستقبل، كيف تفسر ذلك؟
الحسين السطاتي: وفي قلبها خيمة عزاء، تعيش لحظة النشوة والفرح وفي نفس الوقت تلملم جراحها وتتلقى ما يدمي قلبها وما العيطة فن تراثي مغربي أصيل، عاش منذ قرون خلت، وقصائده معمرة وخالدة، فهو فن أزلي وأبدي، لم يعرف بالضبط تاريخ بدايته، كما أنني لا أرى أن له نهاية، فالعيطة ترافق الانسان المغربي من المهد إلى اللحد، فتلك الأوجاع والأنين والآهات التي تصدر عن المرأة الحامل قبل ولحظة الولادة هي صراخ ونداء يختلط فيه الألم بالفرح، هي مناداة “عياط” وتندرج ضمن مكونات اللحن والمتن العيطي، وعندما يخرج المولود يطلق صرخة مدوية تصحبها من المحيطين به ضحكات وتهليل وتكبير وزغاريد، كل هذه الأجواء تجدها داخل فن العيطة، من أصوات وزغاريد وفرح وبشائر ولادة، وتستمر الحياة بحلوها ومرها، فرجوية ممتعة ومؤلمة، هكذا هي مدة غناء العيطة، تجد “الشيخة” تغني وترقص وتبتسم يبكيها، ولنصل إلى اللحد، فأنات وآهات المرض، هي كذلك تدخل في ألحان العيطة، ثم نصل إلى الموت هذا الأخير الذي خصصت له العيطة قسما في مثونها، فتلك الأجواء التي تصحب الموت، من بكاء ونواح وندبة ولطم الخدود ونتف الشعر ورقصة المرمدة ورقصة التمساح في غزلة الموت، وتعداد مناقب الميت، كلها تدخل في تركيبة فن العيطة، وبصفة عامة فالعيطة هي فن الحب والحرب، وهذان الموضوعان أزليان وأبديان، لذلك فالعيطة فن يتحدى الفناء.

جريدة جسر التواصل: كيف تقارن بين شخصية الشيخة المعلمة “الطباعة” قديما ومكانتها اليوم في المشهد الفني؟
الحسين السطاتي: يجب أن نقف عند مقومات الطرب العيطي، هناك في هذا الفن الشعبي أصوات جميلة ورائعة، “أشياخ وشيخات” مطربون حقيقيون ومطربات حقيقيات، وهناك أشياخ متمكنين وشيخات متمكنات من الحرفة الفنية، إذا صح التعبير، بمعنى يستحقون لقب “شيخ وشيخة” عن جدارة واستحقاق، لا يجادل أحد في قدراتهم الفنية، ويمتلكون أصواتا طربية ممتازة، فالصوت معدن ثمين كالذهب وقد يدر أكثر من المعدن، يجب صياغته، ولا يكفي أن تكشف مغنية شعبية عن ساقها أو جزء مثيرا من جسدها وتقول أنا ” نغتة عياطة” بمعنى “شيخة مطربة” كما نقول في لغة “تشياخيت”، ولا أن ننشر كليبات أو تسجيلات فيديو معينة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتحضى بنسب مشاهدة عالية ونقول أنها شيخة، أنا أقصد الشيخة بمفهومها الفني المغربي الأصلي والحقيقي، فإذا أخذنا مثلا فيديوهات “الشيخات” رائدات الغناء العيطي كأمثال؛ الشيخة فاطنة بنت الحسين، والشيخة الغالية، والشيخة الزروقية، والشيخة بنت لوقيد، والشيخة الخودة، والشيخة خربوعة، والشيخة العيدية، والشيخة خديجة مركَوم، والشيخة فاطمة الزحافة، والشيخة الصالحة، والشيخة خدوج السطاتية،.. سنجد أن لهن متابعة قليلة ونسبة مشاهدة ضعيفة جدا، بالمقارنة مع الشيخة تسونامي والشيخة الطراكس والشيخة الطيارة والشيخة الفرفارة وغيرهن.. وهذا لا يعني أنهن أحسن من الرائدات. فعلا شيخات اليوم يمتلكن الجرأة وشيئا من الإثارة والجمال الجسدي، وبعضهن يمتلكن ثقافة فنية، يمتلكن فن الغواية وفن عرض الجسد واستثمار فواكه الجسد الأنثوي والغنج والدلال.. وطبعا هناك سماسرة وتجار يقفون ورائهن، يخططون لهن، يستثمرون إمكانياتهن الجسدية الظاهرية من أجل ربح الأموال أكثر، فعلا هن شيخات عصريات، مغنيات وراقصات “خيلازات” كما نسميهن بلغة “تشياخيت”، فنانات مبدعات في عملهن، يتخذن الفن مهنة ومصدر رزق رسمي، لكن فنهن فن عرض ومشاهدة، وليس فن استماع واستمتاع وطرب، فحتى هن لا يرضين ويخجلن من لقب “شيخة”، ويقبلن ويفضلن لقب “فنانة” أو لقب “أستاذة”، وهذا دليل على عدم نضجهن الفني والفكري، هذا من الناحية الفنية، أما من ناحية الثقافة التجارية والمادية فشيخات اليوم أحسن بكثير من شيخات الأمس، فأغلب الشيخات الرائدات اللواتي طبعن في الماضي فن العيطة وتركن إرثا فنيا غنائيا كبيرا قد دارت بهن الأيام في الكبر، وتنكر لهن الكل حتى أقاربهن، منهن من احترفت التسول، ومنهن من احترفت القوادة والدعارة، ومنهن من تاهت في الشوارع والأزقة مجنونة حمقاء، ومنهن من انتحرت.. لكن شيخات اليوم يعرفن من أين تؤكل الكتف كما يقال، يعرفن أن ربيعهن الفني مؤقت ودوام الحال من المحال كما تقول بعض أبيات “عيطة دامي المرساوية: ( على كل حال ما يدوم حال…سيادي دوام الحال من المحال)”، فهن ذكيات يستثمرن أمولهن من عائدات الفن في مجالات تجارية وعقارية ويستغللن الفرص، ويجمعن ثروة، فصرنا نجد الكثير من الرجال المغاربة يتهافتون على طلب الزواج منهن وهن رافضات، ومنهم شخصيات سامية ورجال أعمال..وأعرف بعض الشيخات اللواتي تزوجن وانفصلن أكثر من أربع مرات، وهناك من تمت خطبتها أكثر من عشر مرات ورفضت العرسان، فهي التي صارت تختار الرجل الذي يناسبها في هذا المجتمع المنافق الذكوري الأبوي، بكل بساطة لأنها صارت شيخة مشهورة وميسورة الحال، ويبقى لكل عصر شيخاته وأشياخه، ولكل زمن عيطاته وجمهوره.
جريدة جسر التواصل: هل تحصل على مستحقاتك المادية من الفن العيطي كاملة بعد الحفلة أو قبلها؟
الحسين السطاتي: كل مرة ألجأ فيها إلى طريقة لتسلم مستحقاتي المادية، حسب دراستي وتقييمي لنوعية الحفل والسهرة، إذا كانت سهرة خاصة عرس أو قصارة أو حفلة، أتسلم من الزبون ثلث المبلغ كعربون، وفي بداية السهرة أتسلم المبلغ الباقي، أما في الحفلات الكبرى “أعراس كبرى، مهرجانات، احتفاليات إدارية، مواسيم تبوريدة، سهرات عمومية..”، فألجأ إلى عقد التزام مع الجهة المنظمة، حيث يتضمن الالتزام تاريخ ومكان ونوعية السهرة والثمن المتفق عليه، وأطلع على جميع الشروط المتفق عليها في العقد كما يطلع الطرف الآخر بدوره على شروطي، وأتسلم عربون في البداية وأوقع العقد، أحتفظ بنسخة من العقد عندي ونسخة عند الطرف الآخر، وبعد الانتهاء من السهرة أتسلم باقي المبلغ نقدا، أو أتسلم “الشيك” حتى أصرفه بعد أسبوع. هكذا أضمن حقوقي وأتجنب الوقوع ضحية نصب واحتيال أو عدم الوفاء بالالتزام. فأنا ضابط للشرطة القضائية والعسكرية دركي متقاعد، أعرف جيدا مسطرة التقاضي.
جريدة جسر التواصل: وكيف يؤدي الفنانين العيطيين ومنهم الحسين السطاتي أجرة ومستحقات الفنانين العاملين معهم؟
الحسين السطاتي: سأجيبك بصفة عامة، يبقى ذلك متعلقا بمدى شهرة ونجومية هذا الفنان، ورهين بنوعية وقيمة العمل الفني ونوعية السهرة التي ستحييها الفرقة الموسيقية الغنائية، هناك فرق شاسع بين فنان “نجم” له شهرة واسعة واسم فني معروف في الساحة الفنية وفنان مغمور “لقايجي”، بالكاد يتبت قدميه في الساحة، وفرق بين الحفلات البسيطة الصغرى “عرس بسيط بالبادية، حفلفة عقيقة، حفلة ختان، عرس بقاعة الحفلات بالمدينة، سهرة خاصة “قصارة”، سهرة بملهى ليلي، احتفالية توقيع كتاب، فرح خروج من السجن، حفل عقيقة، حفلة عيد ميلاد وغيرها..” والحفلات الكبرى “سهرة عمومية بساحة المدينة، سهرة كبرى على شاطئ البحر، سهرة بمهرجان وطني” سهرة عمومية بمهرجان دولي”.. كل هذا يكون في الحسبان، وبالنسبة للمجموعة الغنائية العيطية كاملة “رباعة الشيخات”، كل فرد من الفنانين يعرف قيمته ودوره الذي يؤدية داخل الفرقة الموسيقية، فليس عازف الكمان “الكومنجي” كعازف الطعريجة “الطعارجي” أو عازف الدربكة “الدرابكي”، وعلى قد القيمة والتعب تكون الأجرة، ويبقى ذلك من كرم وسخاء قائد الفرقة الموسيقية، حتى بالنسبة لأجرة الفنانات “الشيخات” هناك تفاوت في الأجرة حسب قيمة كل واحدة “شيخة عياطة، أو شيخة خيلازة”، وفرق بين شيخة مشهورة ومثيرة ولها معجبون يدفعون لها الإكراميات أكثر من زميلاتها وشيخة عادية بالكاد تقف للواجهة”، وفي الحفلات العادية يتم خصم ثمن المعدات والآلات الصوتية “مكبرات الصوت، آلات رقمية، إنارة..” على حسب جودتها وقيمتها الفنية، قد تبدأ من مأتي درهم إلى ثلاثة آلاف درهم أو أكثر حسب نوعية السهرة، وتوزع عائدات الإكراميات “فلوس لغرامة” أو ما تسمى “عومار” أو “التعلاق” تقريبا بالتساوي سوى بعض الامتيازات لفنان على آخر، أما المبلغ الرسمي المتفق عليه، فيبقى تقسيم المستحقات حسب كرم وسخاء وشهرة الفنان صاحب الاسم الفني، المهم أن يكون أغلب الفنانين راضين على القسمة رغم أنه لا يمكن أن ترضي الجميع.
جريدة جسر التواصل: ألم يكن الجانب المادي حاسما في عودتك إلى فن العيطة؟
الحسين السطاتي: الجانب المادي جزء من الدافعية التي قادتني إلى العودة إلى فن العيطة بعد أزيد من عقدين من الزمن قضيتها في الوظيفة العمومية بسلك الدرك الملكي، لكن الجانب الفني هو الأكبر، أريد أن أترك شيئا مختلفا أذكر به، وفعلا حققت جزء من ذلك، تركت أغاني و”عيوط “وكتب، لقد انتصرت ونجحت في تحقيق بعض من أحلامي ومخططاتي.”والحمد لله خرج السربيس على خير والله يخرج العيطة على خير”.
جريدة جسر التواصل: هل توافق على مقولة “الثروة تفضل الجريء”، وكيف ذلك في نظرك كفنان شعبي “شيخ للعيطة”؟
الحسين السطاتي: نعم بالطبع، فعامل التردد والخوف من المجتمع والحياء كفيل بأن يثني الشخص عن التقدم خطوة إلى الأمام، فكم من فكرة رائعة مبتكرة، أو مشروع فريد من نوعه لم يبصر النور بعد، بسبب غياب عامل الجرأة والشجاعة والعزيمة لدى صاحبه، وهنا أنا لا أعني في قولي التهور، إذ هناك شعرة تفصل بين هذا وذاك، وهي التسلح بالمعرفة والدراية التامة بكافة جوانب الفكرة والمشروع، ورسم خطة بأهداف واضحة، ثم القيام بخطوة جريئة من دون النظر إلى الخلف، وبهذا تبدأ بضاعة ثروتك المعرفية ثم المادية. والنجاح دائما يتطلب الشجاعة والجرأة وحب المغامرة، وتقبل الفشل.
جريدة جسر التواصل: أنت رئيس مجموعة غنائية “رباعة الشيخات”،ماذا يعني لك الرقص في غناء العيطة ؟
الحسين السطاتي: فن العيطة هو فن شعبي تراثي أصيل، توارثناه أبا عن جد عبر التواتر، ويتكون من شعر الزجل والموسيقى والغناء والرقص.. والرقص بصفة عامة هو حركات إيقاعية بالجسد تتناغم وتتألف وتتماشى مع موسيقى خاصة، حركات مثيرة ومعبرة ومثيرة للمشاعر ومدغدغة للحواس، وفي فن العيطة تسمى الرقصات ب”الشطحات”، رغم أن الشطحة في اللغة العربية تتعلق بالأجواء الصوفية، ربما أخذت التسمية من عيطة الساكن التي تتغنى بكرامات ومناقب الأولياء الصالحين، والفنانة الشعبية “الشيخة” هي فنانة راقصة “شطاحة” بالفطرة، إذ ليست هناك مدارس ومعاهد لتعليم وتدريس الرقص الشعبي المغربي، فقط هي موهبة واجتهاد وابداع بالنسبة للشيخة، طبعا هناك مدارس عصرية لتعلم الرقص بصفة عامة رغم قلتها في مدن المركز، لكن فيما يخص الرقص العيطي الشعبي عند “الشيخات” فأغلبهن قادمات من الأرياف المغربية، حيث أن فن العيطة هو فن بدوي رعوي بالدرجة الأولى، فالشيخة فنانة مبدعة برقصها تغوص في لجج الذات المكلومة بجراح الزمن، جراح تغور في ثنايا الروح، وأطراف الجسد، في الذات الحزينة على تقلبات الأحوال وتناقضات العالم من حولها، كما تحملها إلى ثنايا الذات المؤمنة بالحب وسمو المشاعر الإنسانية خلاصا من الآلام التي صنعها لها البشر. وهي برقصها تقودنا إلى صور بقدر ما هي مؤلمة بقدر ما هي جميلة، الألم فيها نابع من حزن دفين والجمال نابع من طبيعة النماذج والحالات، فمن صورة المرأة المحبوبة العاشقة، وصورة الابنة والأم إلى صورة المتمردة الكاشفة عن الخبايا سواء أكان ذلك في العلاقة الحميمية الخاصة أم في الحياة العامة، إلى صورة المرأة المدافعة عن الكرامة والحرية بكل تجلياتها، والرقص في غناء العيطة هو ركيزة أساسية في صناعة الفرجة، وبدون رقص تكون الوصلة العيطية ناقصة، وبعض العيوك لا تكتمل لوحتها الفنية الاستعراضية إلا بالرقصات مثل “عيطة الغابة”، التي تحاكي فيها الراقصات” الشيخات” تلك الحركات التي تقوم بها الحيوانات والطيور والحشرات..لتعطي للمتلقي لوحات سريالية تماشيا مع النص العيطي ومع الموسيقى والألحان العيطية.
جريدة جسر التواصل: هل الحسين السطاتي يرقص، يعني راقص؟
الحسين السطاتي: كل حي على الأرض يرقص “كلشي كيشطح”، من لم يرقص على أنغام الموسيقى ترقصه أوجاع الحياة، في الأصل أنا موسيقي عازف كمان “كومنجي” بمعنى انا الذي أُرقِص، أي أنا المُرقِص، بمعنى أنا “شيخ الرباعة وقائدها” بحكم أنني عازف على آلة الكمان “كومنجي”، أبدأ بالاستهلال وأنتهي بموسيقى راقصة إلى الجزء الأخير من الوصلة الغنائية ثم إلى الخاتمة أو ما نسميها في لغة الحرفة ب”السدة” أو “لقفل”، ويمكن القول أنني راقص ومرقص، عندي ثقافة حول فن الرقص وبالخصوص الرقص الشعبي العيطي، حينما أرغب في الرقص أرقص على سجيتي رقصات عفوية تماشيا مع طبيعة اللحن والإيقاع، وقد تعلمتها من الأسلاف مثلا كرقصة السلاح ورقصة الدردكة أو ما نسميها ب” شطحة القعدة” المستوحاة من رقصة طائر أتناء تزاوجه، بل أحيانا أكون مدربا للرقص وأشرح للشيخات كيف يؤدين رقصاتهن ودلالاتها ورمزيتها، لأن ناذرا ما تجد فنانة “شيخة” تعرف ما المغزى من تلك الرقصة والحركات التي تقوم بها، و بصفتي فنان مثقف أو بالأصح لذي معلومات حول الفن الذي أزاوله لزاما علي أن أوجه وأنصح وأشرح لأفراد مجموعتي كل مهمته ومنهم الراقصات “الشيخات” ، لأن في فن العيطة هناك رقصات الفرح ورقصات القرح، بمعنى هناك رقصات تجسد حالة الفرح بالفوز والانتصار سواء بالحبيب أو في معركة أو ربح قضية ونحوها، ورقصات القرح تجسد حالة الحزن والألم والفجع، في لحظة الانكسار ولحظة الإعدام ولحظة الموت، فرقصات الفرح منها رقصات الربيع ورقصات الفلاحة بما فيها الرعي والزراعة، ورقصات الغابة ورقصات الصيد، ومنها: رقصة الوردة، ورقصة النحلة، ورقصة الحمامة، ورقصة الحجلة، ورقصة النعامة، ورقص مع القردة، والرقص مع الذئاب، والرقص مع الكلاب، ..أما رقصات الحزن فهي رقصات الموت، رقصة التمساح رقصة الدحرجة ، رقصة الندبة والمناحة..وغيرها من الرقصات الجميلة المثيرة.
جريدة جسر التواصل: ألم تفكر في دخول مدرسة الرقص حتى يكون لرقصك دلالة أكثر من مجرد حركات عفوية كما قلت؟
الحسين السطاتي: كما سبق وأن قلت لك ففن العيطة هو فن رعوي بدوي ينبني على الشفوية سواء في المتن العيطي أو في الموسيقى واللحن والإيقاع، كذلك الشأن بالنسبة للرقص، لكن هذا لا يعني أنني ضد التمدرس والتعلم، قد يكفي أن أتفرج على حصص رقص وأستلهم منها حركات، لكن أن أدخل مدرسة لتعلم الرقص فهو شيء مستبعد لأني مختص في العزف على الكمنجة “كومنجي” ومغني يعني أنا من أُرقِص الراقصة والراقص بمعنى “أنا اللي كنشطح”. وقد تطرقت إلى موضوع الرقص في غناء العيطة في مقال طويل بالتفصيل بعنوان: “الرقص في فن العيطة” ضمن كتابي تحت عنوان “عيوط زمان قصائد ومقالات، فن العيطة بين نظرة الاحتقار ورد الاعتبار” هذا الكتاب الذي نشر عبر حلقات على صفحات جريدتكم “جسر التواصل”.
جريدة جسر التواصل: ما هي مؤخذاتك على ظاهرة الرقص الماجن في فن العيطة، بما في ذلك التعري والإيحاءات الجنسية؟
الحسين السطاتي: كما سبق ذكره الرقص من مكونات فن العيطة، وهو فن قائم بذاته، وحينما نتكلم عن الرقص العيطي “الشطيح” المصاحب لوصلة غنائية موسيقية، بمعنى في لحظة العرض لا يمكن أن نتكلم عن إخلال بحياء أو مجون أو تعري.. لأننا في تلك اللحظة يكون الراقص أو الراقصة في لحظة غواية وتجلي، يقوم بعرض فني وابداع فردي، فمثلا فن العيطة يحتوي على أكثر من عشرين رقصة، وخاصة في فن “العيطة الغرباوية “وبالظبط في “عيطة الغابة” حيث يحاكي الراقص أو الراقصة “الشيخة” حركات الحيوانات والطيور والحشرات وطريقة تنقلاتهم وتزاوجهم.. فهناك رقصة الأسود ورقصة الكلاب، ورقصة الذئاب، ورقصة القردة، ورقصة الخيل ، ورقصة الأفعى، ورقصة الحمامة، ورقصة الحجلة، ورقصة النعامة، ورقصة النحلة، ورقصة القنافذ، ورقصة الغزال، ورقصة التمساح،ورقصة الخنزير، فمثلا إذا أخذنا رقصة القردة “شطحة لقرودة”، فيها الكثير من الحركات المثير الجريئة والمضحكة بما فيها وضعيات الممارسة الجنسية وشغب القردة داخل الغابة. وكذلك الشأن بالنسبة لرقصة الخيل، فالراقصات “الشيخات”، بمثابة خيل “فرسات”، يحاكين الخيل في حركاتها في صهيلها وزمجرتها وتصادمها، وتراكلها وتصادمها وحنحنتها..
جريدة جسر التواصل: إذا قمت بتقسيم المعجبين بإبداعك الفني والأدبي السردي، هل أكثرهم من العالم الافتراضي أم من الواقعي؟
الحسين السطاتي: الجواب سيكون نسبيا، إذ ليس لي دراسة أو إحصاء عددي أرتكز عليه كمرجع، وليست لي تلك الشهرة الفنية أو الأدبية الواسعة، لكني أقول أن لذي معجبين في الواقع وفي العالم الافتراضي، سواء بصفتي فنان شعبي “شيخ للعيطة”، أو كاتب قاص وروائي وشاعر زجال..والمعجبين من الجنسين، منهم من في دائرة افتراضية ومنهم من أعرفهم من قبل في العالم الواقعي، أو التقيت بهم بعد معرفتي بهم على الفايسبوك، وهذا يؤكد أن الافتراض قد يتحول إلى واقع، وكم من واحدة أعجبت بكتاباتي في الفايسبوك أو بمقالاتي على الجرائد وتواصلت معي، وأحييت حفلة زفافها، وكم من أشخاص التقيت بهم في العالم الافتراضي وصرنا أصدقاء لبعض في الواقع، لقد التقيت بالكثير من المعجبين من جمهوري الذين أتواصل معهم على الفايسبوك أو الانستغرام وصرنا نلتقي على أرض الواقع.
جريدة جسر التواصل: ماذا لو كان للتفاعل مع تدويناتك وكتاباتك على الفايسبوك بإشارة “لا أحب” بدلا من “أحب” “جيم”، هل سيستمر تواصلك وإبداعك أم ستمارس سياسة النعامة لمجاراة النفاق وعدم الانسحاب؟
الحسين السطاتي: أنا دركي متقاعد يعني عسكري والأكثر من هذا فأنا مدرب عسكري متقاعد، أقول لك هذا لتلغي عبارة “سياسة النعامة”، لذي سياسة المواجهة والهجوم، الانتصار أو الشهادة هذه من بين مبادئ الجندية، أما فيما يخص سؤالك على تعليقات الجمهور على تدويناتي فللناس فيما يعشقون مذاهب، وأحترم أرائهم سواء بالإشارة أو حتى بالتعليقات السلبية، أريد النقد البناء من أجل التعلم والتصحيح وأكره النقد الهدام الذي يرغب به صاحبه إلى العرقلة والتعجيز والاستفزاز، وأتعامل مع كل واحد حسب ثقافته. المهم أن أستفيد من الآخر، بتعليق ايجابي يشجعني ويبت في روح المواصلة أو سلبي أصحح من خلاله أخطائي، وقد ألتجأ أحيانا إلى عملية الحضر بمعنى عملية “بلوك”.
جريدة جسر التواصل: هل هناك من شروط لقبول أي شيخة ضمن مجموعة الحسين السطاتي ؟
الحسين السطاتي: أول شرط أن يكون عمرها يتجاوز ثمانية عشر سنة، لا أقبل أن تعمل معي فنانة فتاة حدث أو قاصر، لأسباب أمنية، بحكم تجربتي الدركية كضابط للشرطة القضائية متقاعد، كما أتجنب قدر الامكان أن تعمل معي امرأة متزوجة، وأفضل أن تكون الفنانة حرة ومتفرغة لفنها، فالجريمة جد قريبة حينما تجتمع الموسيقى والغناء والسهر وقد يصحبها أحيانا السكر واستهلاك المخدرات سواء من طرف بعض أفراد المجموعة الموسيقية أو من طرف بعض الأشخاص من الجمهور، فجو السهرة مغري ومن المحتمل وقوع مضايقات ومناوشات، وقد تقع حتى الجريمة، وإنني أتلقى طلبات من فتيات قاصرات لا يتعدى سنهن خمسة عشر سنة وأعتذر لهن، لأن فن العيطة وحرفة “تشياخيت” هي فن مغامرة فن استعراضي مباشر مع الجمهور، وفن تمرد واحتجاج بالنسبة للمرأة الفنانة “الشيخة”، وأعرف ما يحدث في بعض الحفلات التي قد تكون أحيانا بعيدة عن المراقبة الأمنية، لكن أحيانا أجد نفسي في السهرة مع شابة صغيرة قاصر، مازالت طائشة، لا تعي ما تفعل ولا كيف تتصرف مع الجمهور، تكون قد استقدمتها صديقتها شيخة قديمة بالمجموعة، لكن الله يستر.والله يخرج العيطة على خير”.
جريدة جسر التواصل: لماذا يلاحظ الجمهور غياب الشيخ الحسين السطاتي عن البرامج الفنية على القنوات التلفزيونية المغربية ؟
الحسين السطاتي: هناك مجموعة من الأسباب أولها أنا شخصيا، لأنني لم التجأ بعد إلى الإعلام التلفزيوني العمومي، ولم أتقدم بأي طلب للظهور على القنوات التلفزيونية العمومية المغربية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم أتوصل بأي طلب أو تواصل من المهتمين بالشأن الثقافي التنشيطي بهذه القنوات، ربما لست في المستوى الذي يطلبونه، ربما لم يطلبني الجمهور،كما أنني لم أصل بعد لعدد كبير من المشاهدات على قناتي باليوتوب، ولم أصل لتلك الشهرة النجومية التي تسمح لي بالظهور على شاشة التلفزيون، وهناك سبب آخر، ففن العيطة له قبول وإشعاع كبير، وعدد الفرق الموسيقية الشعبية والعيطية بالمغرب كثيرة جدا تعد بالعشرات بل بالمئات، لهذا أنتظر دوري، فأنا الآن مركز على أعمالي الأدبية والبحثية، وسهراتي الخاصة، وخرجاتي الإعلامية، والجمهور يتابعني عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وفي حفلاتي المباشرة في الأعراس وعلى خشبات المسارح، وفي مواسم التبوريدة، وفي السهرات العمومية، وفي الأعراس، وفي السهرات الخاصة “لقصاير”.
جريدة جسر التواصل: قدمت أكثر من حفلة للفن العيطي في سهرات وأعراس وسهرات عمومية وعلى مسارح..ما أكثر حفلة أحبها الحسين السطاتي ولا تزال عالقة في ذاكرتك وما أسوء حفلة؟
الحسين السطاتي: الحمد لله أحييت الكثير من الحفلات والسهرات الخصوصية والعمومية، وأروع هذه الحفلات هي التي أحييها في صبغة حفلة خيرية، مثلا عرس اليتيمات “حفل تزويج عشرة فتيات يتيمات”، وحفلة ختان جماعي، أحس بسعادة كبيرة وأنا أقوم بعمل إنساني خيري، أرى الفرحة على وجوه الأسر، لكن أسوء حفلاتي وسهراتي هي التي أحييها بدار المسنين العجزة، أعرف أنني سأعاني داخليا رغم أنني أغني وأرقص وأضحك، تجدني أبكي وأعاني في الداخل وأحيانا لا أتمالك نفسي وأبكي وأنا أغني، جد مؤلم، ربما الخوف أن يكون مصيري مثلهم..
جريدة جسر التواصل: من خلال عودتك لفن العيطة، هل وجدت متعتك المفقودة ؟
الحسين السطاتي: طبعا، شعور جميل، أعجز عن وصفه، وأنا أعود إلى هوايتي بصفة احترافية، وأحمل في جيبي بطاقة متقاعد إلى جانب بطاقة الفنان، وقد أنهيت مسيرتي المهنية بإدارة الدرك الملكي كما يقال بخير وعلى خير “خرج السربيس على خير”، ومن أروع الصدف أنني أحييت رببيع 2017، حفلة عرس لابنة صديقي بمدينة الدار البيضاء بمنطقة “سيدي معروف أولاد حدو” كنت قد أحييت حفلة عرسه وهو شاب في صيف سنة 1990.
جريدة جسر التواصل: ما الذي تغير في حياتك بعد عودتك إلى فن العيطة ؟
الحسين السطاتي: صارت حياتي لها معنى لأني أعمل على تحقيق حلم الطفولة، وأنا حاليا في الخمسينات أعيش عمر العشرينات، نفس الأجواء الفنية ونفس الموسيقى العيطية، أشعر وكأنني ولدت من جديد وذلك بتفاعلي مع الجمهور سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو في الواقع خلال سهراتي.
جريدة جسر التواصل: في الآونة الأخيرة صرنا نرى مجموعة من المغنيين الشعبيين يتجهون نحو التمثيل، ما رأيك في هذا؟؟
الحسين السطاتي: هذا موجود منذ القدم، وهي دافعية قوية للفنانين الشعبيين، وفرصة حتى يثبتوا ذواتهم، ويكسبون دخلا ماديا إضافيا، وشهرة واسعة وهي فكرة حسنة ومحمودة.
جريدة جسر التواصل: إذا عرض على الحسين السطاتي التمثيل ، فهل تقبل ؟
الحسين السطاتي: طبعا، أقبل، هذا حلم وأعمل على تحقيقه، و لكنني سأختار الدور الذي يناسبني وأقتنع به، لأني وصلت سن الخمسينات ولي عائلة و جمهوري علي أن أحترمهم.
جريدة جسر التواصل: ألم تفكر في أخذ دروس في المسرح والتمثيل ؟
الحسين السطاتي: الفنان المغني ومنه شيخ العيطة، هو مسرحي وممثل بالفطرة، فهو يؤدي أدوارا فوق الخشبة حتى وهو يغني، فمثلا حينما أكون أغني “عيطة لغزال” مع المجموعة ونحن نرتدي الأزياء التقليدية، فأنا أمثل دور الفنان الراحل شيخ العيطة بوشعيب البيضاوي ، وأحيانا دور الفنان الكبير “شيخ لشياخ” سي خالد ولد البوعزاوي.
جريدة جسر التواصل: ما رأيك في الجهات التي تنتقد كثرة تنظيم المهرجانات الغنائية؟
الحسين السطاتي: العديدون في الشأن الثقافي وغيره ينتقدون كثرة المهرجانات الفنية الغنائية، أو المهرجانات السهراتية، هناك من البشر من لا يرتاح لأي شيء ولا يعجبه أي شيء مهما فعلت من أجله وكيفما كانت وضعية البلد، المهم عنده هو أن يشتكي وينتقد، وكفنان شعبي مغربي “شيخ للعيطة” أخالفهم الرأي، أول حاجة لأنني مستفيد من هذه المهرجانات ماديا ومعنويا، ثانيا أن هذه المهرجانات تخلق نشاطا فنيا وثقافيا ورواجا تجاريا واقتصاديا، وهده المهرجانات يجد فيها الفنان متنفسا ماديا ومعنويا.
جريدة جسر التواصل: هل يمكن للحسين السطاتي أن يضحي بالعيطة من أجل الزوجة ؟
الحسين السطاتي: بل العكس هو الصحيح، قد اضحي بالزوجة من أجل العيطة، فن العيطة في جيناتي، يعني في دمي، أما زوجتي فهي في عيني وعلى رأسي، وقد عرفت الكمنجة والعيطة قبل أن أعرف زوجتي، أحببت العيطة قبل أن أحب زوجتي، لهذا لا أحد في الدنيا سيمنعني من العيطة ومن مزاولة “حرفة تشياخيت”. لأن في العيطة سأجد هناك نساء لكن في الزوجة ليست هناك عيطة. قد تكون عيطة من نوع آخر لكن ليست تلك “العيوط” التي أحبها وأعشقها.
Views: 11
























