الحلقة الخامسة عشر من السلسلة الحوارية من السيرة الذاتية “عيطة عريس الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي.

جسر التواصل16 مارس 2025آخر تحديث :
الحلقة الخامسة عشر من السلسلة الحوارية من السيرة الذاتية “عيطة عريس الخيل” لشيخ العيطة الحسين السطاتي.

الحلقة15

 جريدة جسر التواصل: من هي الجهة التي تنتج لك؟ وهل أنت راض عن أعمالك؟
الحسين السطاتي: أنتجت لي صيف سنة ألفين وستة عشر 2016، شركة “مايا ديسك” ألبومي الأول بعنوان “واش كاين شي دوا للحب”، ويظم هذا الشريط الصوتي مجموعة من” العيوط”، “عيطة لغزال، وعيطة ركوب الخيل، وعيطة الشجعان، وعيطة لحساب الزعري، وأغاني شعبية”، وشركة “مايا ديسك” للإنتاج والتوزيع الفني كان مقرها بشارع محمد الخامس بمدينة “طنجة”، وأشكر مديرها السيد “البقالي القاسمي محمد” جزيل الشكر، لقد دعمني وساندني وساعدني ماديا ومعنويا ووزع القرص المضغوط بنسبة كبيرة داخل وخارج المغرب.، وجعلني أشعر أنني فعلا فنان بمعنى الكلمة، وخاصة أنني كنت عائدا جديدا إلى الساحة الفنية بعد مدة غياب دامت اثنان وعشرون سنة، أما بعد ذلك ماتت سوق الإنتاج بسبب التطور التكنولوجي في المحملات الالكترونية، ومواقع التواصل الاجتماعي وموقع اليوتوب، لذلك فأنا أنتج لنفسي حسب استطاعتي، أما جوابا عن الشق الثاني من السؤال فأنا جد راض على أعمالي الفنية منها والأدبية، لقد أعطيت الكثير لفن العيطة كما أعطتني العيطة الكثير..

جريدة جسر التواصل: لو تجرأ أحد الفنانين الشعبيين وغنى من أغانيك، فهل تقاضيه؟
الحسين السطاتي: يسعدني ويعجبني أن يغني غيري من الأغاني التي طرحتها في السوق، وأفرح كثيرا إذا أخذ مشورتي أو كتب اسمي في تسجيلاته، أو ذكر اسمي وهو فوق المنصة أو على خشبة المسرح.. أما عن المقاضاة فلا أفكر في هذا لأنني لست فنانا مشهورا إلى حد النجومية، ولن أستفيد من مقاضاته، وأسمع أحيانا بعض المجموعات الغنائية تردد في الأعراس والحفلات بعض الأغاني التي كتبتها ولحنتها، مثل أغناني “جيبو ليا بنت خالي، وأغنية الكاس ما لقيت دواه، وأغنية واش كاين شي دواء للحب؟..”، ويفرحني هذا كثيرا. أشعر أنني فعلا فنان مبدع وتركت بصمتي في الفن الموسيقي الغنائي المغربي.

جريدة جسر التواصل: ما هي نصيحتك للشباب الذين يرغبون في اكتشاف مواهبهم الفنية في فن العيطة؟
الحسين السطاتي: النجاح في عالم الفن لا وصفة رسمية أو نهائية له، كل ما أنصحهم به أن يتخذوا الفن كهواية وسلاح إضافي ثانوي لتفريغ الشحنات السلبية وللاستمتاع، سلاح احتياطي لمحاربة معركة الحياة، بمعنى أن يتخذوه شيئا ثانويا “خضرة فوق الطعام”، أما الأسلحة الحقيقية فهي أن يدرسوا ويتكونوا علميا، يشتغلوا في وظائف رسمية، أو يتعلموا حرفة أو صنعة، يعني أن يتخذوا مهنة تدر عليهم دخلا ماديا رسميا ثم يدخلون غمار التجربة الفنية العيطية، يعني أن تكون الهواية شيئا إضافيا، وعليهم أن يبتعدوا عن الثالوث الملوث للفنان وهو شرب الخمر بأنواعه والتدخين بأنواعه وخاصة تدخين المخدرات ويبتعدوا ما أمكن عن الجنس الحرام، يعني أن يحافظ الشاب الفنان على سلامته الجسدية والعقلية، ثم البحث والاجتهاد والاطلاع على الفن العيطي من كل جوانبه، وتعلم آلة موسيقية وترية، ولا يفرطون في الجانب الروحاني.

جريدة جسر التواصل: ألا يمكن لفناني العيطة “أشياخ وشيخات” اليوم أن يبدعوا “عيوط” جديدة بكلمات وألحان وإيقاعات ورقصات جديدة كما أبدع الأسلاف؟
الحسين السطاتي: هذا سؤال عميق، طبعا دائما هناك خلق وإبداع، دائما هناك تجديد، هناك الحمد لله فنانين زجالين وفنانين موسيقيين ومغنيين مولعين بالفن العيطي ودارسين للموسيقى دراسة أكاديمية، وهناك ملحنين موهوبين..وبصفتي كاتب وزجال فمعرفتي بالزجالين المغاربة جيدة وثقتي فيهم كبيرة، بل أعرف الكثير من القصائد الزجلية الجميلة التي يمكن أن تنتقل إلى الغناء العيطي، والتي تحمل سموا في الكلمات والتعابير والصور الشعرية.. لكن كما قلت لك لا شيء ثابت وكل شيء يتغير، لكل زمن فنه وفنانيه، بمعنى لكل زمن أشياخه وشيخاته وعيطاته وجمهوره، ويكون الإبداع على قدر المعاناة والألم، فالأغاني التراثية “عيوط زمان” كانت عميقة ومركبة تعبيرا على مستوى معاناة الأسلاف الأجداد وما عاشوه وعايشوه من حب وحرب، فقد عاشوا الويلات؛ الحروب والظلم والاحتقار والمجاعة والأوبئة والفقد، كما عاشوا روعة العشق والغرام، وتشربوا سحر الجمال الآدمي والجمال الطبيعي ، فقد ترجموا معاناتهم وحبهم ولوعتهم إلى نصوص شعرية زجلية وإلى ألحان ونغم عيطي، لذلك كان إبداعهم جميلا ومركبا وصعبا وعميقا، نتيجة وتعبيرا عن البيئة التي ولد ونشأ فيها هذا الفن العيطي، أما اليوم فيمكن أن نبدع ونخلق “عيطات جديدة” بألحان وكلمات وإيقاع جديد وأصوات جديدة، لكنها ستكون في مستوى معاناتنا الحالية مترجمة لما بداخلنا من حب وحرب، وبما أننا أقل معاناة واضطهاد واستعباد مثل أجدادنا، فستكون إبداعاتنا خفيفة وأقل عمقا، لكن سيحبها ويقبلها الجمهور الحالي، لأنه من جيلنا وجمهورنا ويعيش الظرفية التي نعيشها.

جريدة جسر التواصل: هل هناك لحظات ضعف مرت بحياتك، قادتك إلى البكاء أو التفكير في محاولة الانتحار ربما؟

الحسين السطاتي: عديدة هي لحظات الضعف التي عشتها، وخاصة أنني كنت دركيا، مدربا عسكريا وضابط للشرطة القضائية والعسكرية نشيطا في ميدان محاربة الجريمة، كنت أضعف أمام الجرائم التي يكون ضحاياها أطفال، اختطاف أو قتل أو اغتصاب، أو استغلال في الدعارة، وكنت أتألم كثيرا وأنعزل في البيت وأبكي، وأحيانا تدمع عيناي وأنا أمام الناس أجري في المعاينات القضائية، وجرائم القتل للكبار صارت عندي شيئا عاديا. كنت أضعف حينما يغيب الوازع الديني ويموت الضمير المهني عند الموظفين المسؤولين ويستشري الفساد المادي والأخلاقي، وتنقلب الموازين ويصير الظالم مظلوما، هنا كنت أبكي حينما أعجز عن تغيير المنكر، أما عن محاولة الانتحار فلا ولن أفكر فيها أبدا، فكرت كثيرا في القتل، قتل الآخر، قتل المجرمين، بل وخططت له أحيانا ولم أنفذه لعدة أسباب، لكني لم أفكر أبدا في قتل نفسي، ولن أكون القاتل والمقتول في نفس الوقت في حق نفسي، جميع الديانات والشرائع السماوية تحرم وتجرم قتل الإنسان لنفسه، أنا مؤمن بالله وبالقدر خيره وشره، ومهما أن هناك حياة فهناك أمل.

جريدة جسر التواصل: ما هو أقل أجر تقاضاه الشيخ الحسين السطاتي؟
الحسين السطاتي: قنينة مشروب غازي “مونادا” بجنب الحانوت الوحيد في الدوار “حانوت مي التايكة”، بدوار “أولاد سيدي رحال الزاوية”، بريف “أولاد عبو جمعة فوكو قديما”، بمنطقة “أولاد سعيد” ضواحي مدينة”سطات”، كان جمهوري الأول من أبناء الدوار، وكنا نحيي سهرات فنية ليلية بجنب حانوت “مي التايكة” أو بمنزل مهجور “حطة مي رحمة” أو بالبيدر”الكَاعة”.. وكان يتفضل واحد من الجمهور ويشتري لنا قنينة مشروب غازي، كان لهذه الإكرامية وقع كبير في أنفسنا، وكان لها دافعية قوية وأعدها أول أجر لي، كما كنا نذهب لنحيي الحفلات بالدوار فقط مقابل وجبة عشاء دسمة، بمعنى سنشبع لحم في تلك السهرة.

جريدة جسر التواصل: ما هو أغلى أجر تقاضيته في الفن؟
الحسين السطاتي: بالنسبة إلي أغلى أجر تقاضيته كان شيئا ثمينا ، ثمنا معنويا وليس ماديا، خلال ربيع سنة 2001، بقرية بالأطلس المتوسط، كنت دركيا ضمن عناصر الضابطة القضائية، وكنت باحثا في قضية علاقة جنسية غير شرعية نتج عنها الافتضاض والحمل، بين شاب وشابة كانا في ريعان شبابها يحبان بعضهما البعض، لكن العائلتان متنافرتان متخاصمتان بحكم عداوة بين القبيلتين، ورفض الشاب في الأول أن يعترف لي بأنه صاحب الفعلة، رغم أنه يحب صديقته، لكن والديه حذراه وهدداه بعدم الزواج بها، وبعد التحري والبحث والاستماع إلى أشخاص آخرين توصلت أن العلاقة العاطفية الغرامية قائمة بين العشيقين، وأن الشابة فتاة صالحة وبدوية ساذجة وتحبه بجنون، وقد أخبرتني بذلك على انفراد بعدما اتهمته أمام والديها بالاغتصاب وافتضاض بكارتها، لذلك أعطيت وعدا للشاب أنني سأقف إلى جانبه وسأساعده في إقامة حفلة العرس، شرط أن يتزوج حبيبته، فوافق واعترف لي بالأفعال المنسوبة إليه بالتفصيل، وبالفعل كان ثمنا غاليا، وساعدته ووقفنا نحن مجموعة من الدركيين معه، وحضرنا في المناسبة وتم الصلح بين العائلتان وغنيت مع الشيخات في العرس. كما أحييت حفلات بعض الدركيين كانوا تلاميذا دركيين عندي، وكانوا يرونني ذلك المدرب الدركي العسكري قاسي القلب المستبد، لتمر السنين وأحيي حفلات زفافهم. أما عن المال فلم أصل بعد إلى تلك النجومية التي تدر علي المال الوفير، ولن أعطيك مبلغا محددا، “كل عرس ورزقو”.

جريدة جسر التواصل: ما هي الرسالة التي تريد إرسالها وإيصالها من خلال أعمالك الفنية الموسيقية والأدبية السردية؟
الحسين السطاتي: عدة رسائل وبرقيات مشفرة أمررها عبر أعمالي الفنية الموسيقية الغنائية والأدبية السردية، حيث يعرف المتلقي والأجيال الحالية أن الفنان الشعبي المغربي “شيخ العيطة”، قادر على فعل ما لا يفعله غيره، فهذا الفنان يمكنه أن يمارس فنه، ويتحدا أعتى وأصعب المهام، فالفنان “شيخ العيطة” يزاول هوايته وهو عسكريا بل هو مدربا عسكريا ومكونا للجيوش في فنون الحرب الرياضية والقتالية بما فيها حمل السلاح والتفجير والتفخيخ والتضحية والاستشهاد من أجل الوطن، وأوجه للشباب رسالتي بأن “شيخ العيطة” هو باحث جنائي دركي، يعيش في قلب أحداث دموية دامية، يعيش ليس بين القتلة فحسب بل هو من يبيت ليل نهار يجري وراء القتلة ليرميهم في السجن خلف القضبان، وليعرف المتلقي أن “شيخ العيطة” هو ذلك الحلاق ومدرس الحلاقة الذي تنحني له الرؤوس ويكون أجيالا في الحلاقة تعتمد على نفسها، وأن “شيخ العيطة” هو سيد مواقف وصاحب مبادئ وأستاذ صالح لنفسه ولأسرته ولمجتمعه، وحتى في تقاعده مازال ينتج ويعطي، وأديب كاتب قاص وروائي، ينعش الحركة الثقافية في الوطن، ويمرر خطابات ورسائل نفعية للمجتمع، وهذا موجود في كتاباتي السردية من مقالة وقصة ورواية ومسرح، عالجت العديد من الظواهر الاجتماعية التي شاركت في محاربتها وأنا ضابط للشرطة القضائية والعسكرية ومنها عصابات الاتجار في البشر والهجرة السرية، وعصابات الاتجار الدولي في المخدرات، وعصابات التهريب الدولي للسجائر والجمال، وعصابات الدعارة، حاربت كل هذا في الوااقع، وها أنا أنقله إلى الكتب ممزوجا بالخيال في حبكة أدبية. وأصنع الفرجة وأزرع الفرح والبهجة.

جريدة جسر التواصل:هناك قول معروف وهو “وراء كل رجل عظيم امرأة”، فهل وراء كل شيخ للعيطة ناجح امرأة؟
الحسين السطاتي: وراء كل شخص ناجح أشخاص قد تكون امرأة أو رجل، قد تكون أم، أو صديقة أو زوجة وحتى عدوة، فقد يكون صديق أو عدو هو سبب النجاح، لكن إرادة النجاح تنبع من الشخص نفسه، تنبع من ذاتي، وعزيمتي وإصراري، وحينما أقول لك أنني مدرب عسكري، معناه أنني دارس ومتدرب ومكون على كيفية تحقيق النجاح والانتصار في الحرب، والحياة بالنسبة إلي هي حرب ضروس، لابد أن أعد لها العدة والخطة، لذلك وراء كل رجل ناجح، أشخاص وإستراتيجية، وفشل، وتجربة، علي أن أكد وأجتهد كي أنجح وإن لم أنجح أكون قد ربحت شرف المحاولة.

جريدة جسر التواصل: من حقل الضابط القضائية كدركي ضابط للشرطة القضائية والعسكرية إلى ميدان العيطة المرساوية، كيف كانت ردة فعل الأهل؟
الحسين السطاتي: الحمد لذي ثقافة عامة، ومنها الثقافة الفنية الموسيقية، أعرف مستواي الفني وأعرف قدراتي في هذا الميدان، وأنا لوحدي الذي أحس وأشعر بما يفرحني ويسعدني وبما يحزنني ويتعسني..أعرف ما ينبغي علي أن أقوم به، لقد أخبرت زوجتي وأبنائي وإخوتي وأخواتي بقراري، في تقديم طلب الحصول على التقاعد النسبي، وأقول أخبرت وليس من أجل أخذ رأيهم، لأنهم لا ولن يعرفوا حجم المعاناة التي كنت أعانيها وأنا بعيد عن مزاولة هوايتي الموسيقية في المقابل كنت أقوم بمهنة جد جد صعبة وهي مهنة دركي ينشط في عالم محاربة الجريمة، أفطر بالانتحار وأتغذى بجريمة قتل وقد أتعشى بجريمة اغتصاب أو على حادثة سير متناثرة فيها الأطراف والأشلاء الآدمية، وقد وصلت لسن يجب علي أن أرتاح وأقوم بما أحب، لم تعد حالتي الصحية سواء الجسدية أو العقلية تسمح لي بالمزيد من المعاناة، سئمت طريق الحبس وفكرت في طريق العرس، ولا يُكلف الله نفسا إلا وسعها، لأن هذه الحياة حياتي وهي حياة واحدة لن تتكرر، إذن فلأعشها كما أريد وليس كما يريدون هم لي، لذلك لم أعر اهتماما لردة فعل الأهل، كل واحد مسؤول عن نفسه ورعيته، ولا دخل لهم في ما عزمت عليه، وبالفعل كان قرارا صائبا ونعمت بحريتي، كل ما يتمناه المرء في العيطة يدركه.

Views: 42

الاخبار العاجلة