الوافي الرحموني

الخامسة عشرة
المنزلة الثانية على الساقية السفلي (الساقية الوسطى ) تسمى مَنْزلة عين الجنان .
تمتد من خندق (مُوعلي) أو خندق (اغرينسف) على مسافة في حدود كلومترين إلى جنان الغراندي ، و جنان العسري، لا تزال هذه الأراضي غير مأهولة ، بها حقول زراعية قليلة لمرورها على منعرجات و منحدرات ، لكنها لا تخلو من أشجار الزيتون و التين و المشمش و التوت و التفاح البلدي … خصوصا تلك الأرصفة المحاذية للساقية ، فيستفيد المارون من الطريق المرافقة لها من الظلال الوارفة و من الثمار المتدلية على الطريق، خصوصا التين الأسود (الغُدَّان ) و البرقوق الشعيري و الفاسي ، كانت هذه الساقية تتعرض للانجرافات في فصل الشتاء ، جراء ذلك فإنها تتعب السكان عند تنظيفها و ترميمها مثل ما يحصل في خندق موعلي و ” دهسة ” عبد رحمان ، و خندق ” فريقش “، أهم حقولها أراضي العيايطة ، و حسب شيوخ القرية هم من العوائل الأصيلة بغاروزيم ، لم يبق منهم أحد ، غير أن ملكيتها تحولت إلى عوائل أخرى عن طريق البيع ..، منهم الأندلسيون (الغرناطيون ) الذين استوطنوا شفشاون بعد نكسة الأندلس، و سقوط آخر معاقلها (مملكة غرناطة) سنة 1492 هجرية ، ومنهم أولاد الهبطي ، و أبناء “علو” القادمين من قرية تيفوزال …
بعض أراضي العيايطة تحولت ملكيتهاإلى آل اعزاير و معها بعض أراضي بن سي احمد أخريف، وهي أراضي خصبة أهم منتوجاتها الإجاص والتوت و التين و البرقوق الفاسي و السفرجل و الخضروات … يقول محمد بن يعقوب عن عائلة آل أعزاير :
” كان جد هذه العائلة فقيها قدم من قرية أكراط واشتغل مشارطا بمسجد ” أخباع ” وبنى له الأهالي بالجوار دارا ليستقر بأهله متزوجا منهم ” .
من صلب هذا الفقيه خرج حفيده سي أحمد اعزاير، و كان حاملا لكتاب الله، حفظه على يدي والده بالمسجد السابق الذكر ، وافته المنيه بالديار المقدسة وهو يلبي فريضة الحج في أواخر سبعينيات القرن الماضي ، و من صلب الحاج أحمد خرج ابنه عبد السلام ، و كان هو الآخر حاملا لكتاب الله، حفظه بمسجد سي الدوييب ، و من صلب عبد السلام خرج ابنه مصطفى الذي تخرج من كلية الاداب والعلوم الإنسانية بفاس ،و درَّس اللغة العربية مدة عقد من الزمن ، ثم اصبح مؤطرا تربويا لمدرسي اللغة العربية بالإعدادي و الثانوي التأهيلي على صعيد النيابة / المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية بشفشاون مدة تناهز ثلاثين عاما ، إلى غاية إحالته على المعاش 2025، وقد كان حريصا طيلة مسيرتة التأطيرية على العناية باللغة العربية و آدابها وعلومها .
للفقيه سي احمد شقيق هو الهاشمي بن محمد بن احمد اعزاير المولود سنة 1880 بنفس المنزل الذي جمعه بإخوانه بآخر منزلة بعين الجنان، لم يكن متعلما و لا فقيها، و إنما اختار طريقا آخر هو الانضمام إلى رجال المقاومة و الجهاد في سبيل الله و الوطن ، مما جعل القوات الاسبانية تتقهقر و تعود إلى الوراء ، و لم تتمكن من دخول شفشاون إلا بعد جهد جهيد ، وذلك في سنة 1920 . و خرجت منها تحت ضربات المقاومة الشرسة التي قادها محمد بن عبد الكريم الخطابي ، و لم تتمكن من العودة إليها إلا بعد تضييق الخناق عليه من طرف فرنسا و إسبانيا سنة 1924
يضيف محمد بن يعقوب في المقال السابق الذكر :
” كان المحتل الإسباني قد وصل إلى شفشاون و دخلها في احتلاله الأول لها في اكتوبر سنة 1920م، في ظل مقاومة شرسة من سكان منطقة شفشاون، لم يستطع التقدم شرقاً بفعل هذه المقاومة التي اتخذت شكل حرب العصابات. وهنا كان حضور صاحبنا في أسماء تَرَاوَحَ انتماؤها إلى مدشر “أكرَّاط” من أبناء عمومته، و من مدشر “تارية” من رْبَع “ بني جبارة” الواقع على العُدوة الغربية لوادي شفشاون، غير بعيد من مدشر “غاروزيم”, و هذه الأسماء في مجملها هي: عبد الله بن محمد عزاير د”انشكير” رئيس المجموعة، الهاشمي بن محمد عزاير، العياشي بـ محمد عزاير ابن عـم الأول، محمد بن الحسين عزاير، عبد السلام بن محمـد بن الحاج المهدي ريان، أحمـد بلحاج المهدي ريان، عبد اللـه بن محمد ريان، و محمـد بن أحمد بن عبد السلام ريان ” .
و حسب شقيقه المفضل أعزاير المزداد حوالي 1886 ، هو في الأصل جدي من أمي الذي كان مقاوما في كتيبة أحمد بنريسون ، ثم انظم فيما بعد إلى كتائب محمد بن عبدالكريم الخطابي ، قال لي:
إن أخاه السيد الهاشمي نجا بأعجوبة من الإعدام بعدما طوقهم العملاء فجرا بالريف السفلي بغاروزيم حينما ضاق بهم الحال و خرجوا ليلا من غابة المجبارة (غابة حيونة) باحثين عن الأكل قاصدين دار برهون عائلة أمه ، و كانوا وقتئذ يحاربون جميعا تحت لواء محمد بنعبد الكريم الخطابي ، و لما استسلم هذا الأخير 1926 … عليهم ، فسقطوا في يدي القائد علي زيطان و سجنهم بالقصبة ، قضوا بسجن القصبة أسبوعا ، و من باب الخطأ أُخذ مكانه رجل مغمور ، يدعى التشينو . استعجل القائد على زيطان في إعدامهم ، فنقلوا في سيارة عسكرية إلى باب الفج بغاروزيم أو “د الزيدي” وهو مكان خلف كُديتي الغويبة و حجر الغراب ، هناك نفذ فيهم الإعدام ، لقد أمر العملاء جندي من القرية نفسها لإطلاق الرصاص عليهم ، يسمى ” الشنتوف ” ظل هذا الرجل طوال حياته يتحسر على هذه الحادثة . اقتيد الهاشمي للمحاكمة بتطوان أمام المراقب العام العسكري، وقد توسط له في هذه المحاكمة رجل كان من أعيان شفشاون أصبح صهره فيما بعد ، هو الحاج محمد يخلف ، و لما أدرك المراقب فيه نباهة و قدرة على الحوار ، اقترح عليه أن يكون قائدا لقبيلة الأخماس، غير انه كان أميا لا يعرف القراءة و الكتابة ، فارتأى أن يعينه شيخا على فرقة الهبطيين ( غاروزيم – امكري – امهارشن – دارأقوباع – العشايش )
ظل في المشيخة من سنة 1927 إلى سنة 1958…
طبعا لم تكن مقاومة الاحتلال الإسباني عـفيوية مثلما يعتقد العوام ، بل كان وراءها رجال أشـداء ،
مثلما كانت في الماضي حينما اتخذ الفقيه المجاهد الحسن بن جمعة غاروزيم قاعدة لتجييش المجاهدين ضد البرتغاليين في أواخر القرن التاسع الهجري / أواخر القرن الرابع عشر الميلادي ، فإنها ظلت في مطلع القرن العشرين قلعة جهادية لنفس الهدف ضد الاستعمار الإسباني ، بها كانت تُرسم الخطط للإيقاع بجنوده في شتى الجبهات المحيطة بشفشاون ، و لا بأس أن نتذكر أحد المجاهدين البواسل الذي آزر الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، واشتغل تحت إمرته ، و كبَّد الجنود الإسبانيين خسائر جسيمة ، أخص بالذكر المقاوم الصلب المفضل البناينو الذي تعود أصوله إلى الاندلسيين الذين نزلوا بشفشاون و أحوازها . لقد نشر عنه الدكتور جواد الخنيفي حوارا أجراه معه الأستاذ الأكاديمي محمد بوطالب في كتاب جماعي صادر عن المندوبية السامية لقدماء المقاومين و أعضاء جيش التحرير على أشغال ندوة علمية نظمت أيام 28-30 نونبر 1990 بكلية الآداب و العلوم الإنسانية بمراكش في شأن المقاومة المسلحة المغربية من 1900إلى 1934
يقول الخنيفي : ” يحكي بوطلب أنه بمجرد تنفيد الجنيرال (بيرنكير/ BERENGuer ) احتلال شفشاون في خريف 1920 مع دخول المدينة في 14 اكتوبر، إذ لم تكن آنذاك خاضعة لسلطة الجيش الإسباني، أخذ البناينو يتحرّك في سلسلة من عمليات “ البارود ” دامت أزيد من أربع سنوات.. و كانت أول عمليّة قام بها من غاروزيم ليلة دخول الإسبان بالذّات، إذ فاجأ فرقة حراسة لاذ أعضاؤها بالفرار؛ و من هناك انتقل إلى “ دمنة المخزن ” بقلب المدينة، حيث قضى على ثلاثة أشخاص و عدد من الخيل.. و في الفترة نفسها ألقت جماعته المكوّنة من ثمانية أشخاص القبض على مجموعة من المتعاونين مع الإسبان .
و لما أقام البناينو مقر قيادته بغاروزيم، شرع في عمليات محاصرة القوافل الوافدة بالمؤونة من بني حسان إلى شفشاون، ومن مبادراته عملية دامت سنة كاملة، و ذلك بإرسال خمسين مجاهداً كل يوم إلى رأس الجبل المطلّ على مدينة شفشاون بالتناوب، قصد إطلاق النّار على جيش الاحتلال، و كان يجمع لهم المعروف من السكان مقداره خبزة و بيضة يوميا عن كل دار .. و مع استقرار التنظيمات الهجومية، استعدّ فريقه للقيام بهجوم على مدينة شفشاون، فكانت الانطلاقة من الدردارة بقبيلة الأخماس في اتجاه المعسكر الإسباني بعقبة القُلّة، بين بني يسف و بني زكار. و إثر معركة حامية الوطيس مات فيها العديد من الخونة، و كذا ما لا يقلّ عن سبعمائة إسباني، استولى المجاهدون على عتاد العدوّ الذي لم يبق منه إلا ثلاثة أشخاص، من بينهم طبيب يقول البناينو إنّه باعه بمائتي ريال حسني . كان ذلك أواخر غشت من سنة 1921، و لم تسترجع القوات الإسبانية نفسها إلا في شهر دجنبر.
و من أهم العمليات تلك التي أنجزها – يستطرد بوطالب – ثم معركة أكرّاط ، معركة وفاء الدشر، و معركة دار الراعي التي أنزل فيها العدوّ أزيد من مائة قنبلة مسمومة تسبّبت في إحراق ما كان يعترض طريقها ، و تطلق رائحة كريهة. وهناك معركة مرابطش ومعركة مشكرالة التي شارك فيها مبعوث الخطابي إدريس خوجة؛ و معركة تزرار ببني ورياغل و معركة عين الرّامي و معركة دار الزلال بوغابش وعمليّة دار العزف؛ و كلّها عمليات يذكر فيها البناينو العديد من القتلى، واصفاً بعضها بأنّ الدّم بها لم يكن يلتقي إلا بالدّم .. و كان يسلّم الأسرى للخطابي عن طريق المكّي الوزّاني مقابل مائة ريال للأسير الواحد

و بعد ذلك أسندت إلى البناينو مهمة محاصرة مدينة شفشاون إلى أن أرغم الإسبان على الشّروع في الخروج منها في شتنبر و مغادرتها نهائياً في نونبر 1924، مما أدّى إلى انهزام القائد العسكري الإسباني كاسترو خيرونا و دخول الخطابي الذي تعرض لقصف إسباني فرنسي ” .

(بوطالب يحاور المفضل البناينو )
لقد كان جدي من أمي المفضل اعزاير بعد انشقاقه عن عن كتيبة احمد الريسوني أمينَ سره ، و قد خــص له و لجماعته غرفة طويلة بداره تسمى (المصرية ) ، لها باب من داخل الدار وآخر من خارجها ، هو عبارة عن منفذ ينتهي إلى خندق خاص للاختباء والحيطة والحذر ، مغطى بالأشجار لتفادي قاذفات المدافع و قنابل الطائرات ، يسمــى ( الزنيقة أو اشبار / ( باللغة السوسية كذلك ) هو فضاء لمراقبة العــدو . إن جل المنازل الخاصة بالأعيان كانت بها (غرف / مصريات) من هذا النوع لفائدة الضيوف و الاجتماعات
Views: 49























