الحلقة الثانية من كتاب قرية غاروزيم المحاذية لشفشاون من خلال سواقيها و بعض رموزها …

جسر التواصل19 فبراير 2026آخر تحديث :
  الحلقة الثانية من كتاب قرية غاروزيم المحاذية لشفشاون من خلال سواقيها و بعض رموزها …

الوافي الرحموني

توطئة :
بصفتي رأيت النور أول مرة بقرية غاروزيم ، (ربوة الشرفاء ) المحاذية لشفشاون من جهة الجنوب ،تلك البقعة الهادئة التي تنساب فيها عشرات العيون الجارية ، وتظللها الأشجار الباسقة الوارفة …؛ و بصفتي كذلك قلما أَسَلتُ حبره في عدة أعمال أدبية : ( رواية – زجل – مقالات و حوارات …)، و ترعرعت بين بساتين هذه القرية ، و تغذيت من أشجارها المثمرة ، و ارتويت من عيونها الصافية ، و لعبت مع أندادي في بيادرها و مروجها ، و تعلمت السباحة بسواقيها وغدران وادِيَيْها : الوادي الصغير المنحدر من رأس الماء ، والوادي الكبير (وادي سي فلاَّوْ ) المنحدر من منابع ماكو و الخزانة و تيسوكة … و بصفتي كذلك تعلمت أول حرف بقسم (مْعَمّْرَة ) مُلحقة بمسجد/ الجامع الفوقي ، المسمى بمسجد سيدي احمد الدوييب المشرئب بصومعته على حقل مزين بالتين والزيتون … أوقفه العلامة والفقيه والأديب القاضي محمد بن عبد الوهاب الرحموني العلمي على الحبوس منذ أكثر من قرنين و نصف … واعتبارا للصلة ، التمسَ مني بعض وجوه القرية و فضلائها الغيورين على معالمها أن أوثق عنها ما يمكن توثيقه حتى لا يبتلعها المد الجارف للنظام المعماري الجديد الذي قضم من ثلاث جهات منها قضائم ، لم ترحم معالمها و مؤهلاتها الإيكولوجية …،

فلم تسعد أهاليها الّذين تعودوا على مشاهدتها في أبهى الحلل ، والذين تمتعوا بسكينتها وخيراتها و عاداتها و فولكلورها ، وارتباط أرواحهم بالصالحين والمجاهدين الراقدين بمختلف مقابرها / رياضها … باتوا يخشون على ذوبانها كما يذوب الجليد المحاصر بالأعاصير والمياه الدافئة ، ويستنبت محل عرصاتها ومروجها وعلى أنقاض ذكرياتها وأحلامها الجميلة نمطا جديدا من البناء الإسمنتي العمودي ، الذي قد يتخذ لدروبه و ممراته أسماء غريبة غير قابلة للهضم لبعدها عن ثقافتهم و تاريخهم من قبيل شارع باستور و شارع سيرلانكا ، و مقهـــى (بُوتِ جانْ – توماس بيجُو …) إذ كيف يحلو لمالك المقهى – كما نرى في إحدى الحواضر التاريخية التي ابتلعها البناء الإسمنتي – أن يرفع على جبهتها اسما عجميا لقائد عسكـري كبير، كان سببا مباشرا في احتلال بلادنا بعد الهزيمة النكـراء فـي معـركة ( إسلي ) التي راح ضحيتها آلاف الشهداء !؟ كان عليه وعلى المخدوعين من أمثاله أن يحترسوا حتى لا يرشحوا أسماء مبصومة بالعار لتكون عناوين لمشاريعهم التجارية …، فيمتد أثره السلبي إلى حاضرنا و مستقبل أبنائنا .
فإذا كان التغيير قادما حتما ، فلا بد من الحفاظ على الثوابت التي وسمت فضاءاتها منذ مئات السنين إلى آخر عهدها بالنضال والجهاد في سبيل الله والوطن، لذلك فإن ما فيها من أسماء و أماكن لامعة كاف ٍ لجعلها قاموسا ينهل منه الراغبون في اختيار العناوين الملائمة لمشاريعهم المختلفة … و باعتبارها حزاما أمنيا لمدينة شفشاون منذ تأسيسها على أيدي أشراف هذه القرية ، فإن غاروزيم كانت سدّاً منيعا لحمايتها من اللصوص والمخربين خصوصا في سنوات السيبة التي استشرت في البلاد ، بل كانت و ما تزال سَلَّةً غذائية لسوقها ، تمده بمختلف منتوجاتها الفلاحية، في مقدمتها الخضر و الفواكه الموسمية، و مشتقات الحليب …
من أجل هذا كله تحمستُ لجَرِّ قلمي ، وإفراغ مداده بقرطاس يحفظ ذاكرة القرية ؛ و ذلك من خلال النبش في معالمها، و سيَر رجالاتها، و فقهائها الأفذاذ؛ و قيمتهم المضافة في سبيل الوطن والأمة ، فضلا عن عادات و تقاليد أهاليها و أنشطتهم الفلاحية و الثقافية و غير ذلك .

 

 

Views: 24

الاخبار العاجلة