الكاتب والباحث طارق المعروفي يكتب في حديث الاثنين :”كان محتاجا للجلوس ثلاثين ثانية ، فجلس عشرين سنة …”

جسر التواصل23 فبراير 2025آخر تحديث :
الكاتب والباحث طارق المعروفي يكتب في حديث الاثنين :”كان محتاجا للجلوس ثلاثين ثانية ، فجلس عشرين سنة …”

طارق المعروفي

·في إحدى البرامج التلفزيونية الأجنبية، استوقفتني حكاية رجل غادرته زوجته، لسبب من الأسباب التي قد تعصف بالحياة الزوجية، فوجد نفسه في حالة من الذهول والشرود. أراد أن يمنح نفسه لحظة قصيرة للتأمل، بضع ثوانٍ فقط، علّه يستوعب ما جرى، غير أن هذه الثواني امتدت إلى عشرين عامًا. عشرون عامًا وهو جالس في ذات المكان، متسمّرٌ في نفس الوضعية، أسير اللحظة التي غادرته فيها زوجته، وكأن الزمن قد توقّف عند تلك النقطة، ولم يمضِ به إلى الأمام.  ليست هذه الحكاية مجرد قصة استثنائية لرجل لم يقوَ على تجاوز صدمته العاطفية، بل هي رمزٌ لحالات كثيرة يعيشها الإنسان في مختلف أوجه الحياة. فكم من شخص ظلّ قابعًا في موضع الألم، مأسورًا لجرح الماضي، بدلاً من أن يُعيد ترتيب حياته ويستمر في المسير؟ وكم منّا أضاع سنواتٍ ثمينة في الانتظار، في التردد، في الاجترار المستمر للذكريات دون أن يُقدِم على خطوةٍ واحدة نحو الغد؟
إن العوامل التي تُسجن الإنسان في قوقعته وتحرمه من المضي قدمًا عديدة، لعلّ أبرزها مرض الاكتئاب، الذي يفرض على صاحبه ظلالًا قاتمة من الحزن المستمر، ويُطفئ في روحه جذوة الشغف والمتعة، ويجعل أبسط الأمور المعتادة تبدو ثقيلةً كأنها حملٌ لا يُطاق. فيغدو المرء مترددًا، فاقدًا للتركيز، محاصرًا بمشاعر الذنب وتدني تقدير الذات، وربما يصل به الأمر في بعض المجتمعات إلى الانتحار حين يصبح العيش عبئًا لا يحتمل.
ثم يأتي الخوف، ذلك العدو الخفي الذي يتسلل إلى النفوس دون استئذان، فيحاصرها بهواجس المستقبل ومخاوف الفشل، فيُثنيها عن اتخاذ القرارات الحاسمة. الخوف من المجهول، من الإقدام، من التغيير، كلها عوامل تُثقل كاهل الإنسان، فتجعله يُفضّل الركون إلى دائرة الأمان الوهمية، على أن يخوض معترك الحياة بشجاعة.
ولا يقلّ عن ذلك أثرًا، التعلّق بالماضي، ذلك الحنين القاتل إلى أيامٍ انقضت، إلى ذكرياتٍ انتهت، دون القدرة على التصالح مع الواقع والانخراط في الحاضر. فيعيش البعض أسيرًا لصورٍ بائدة، يرفضون التجدد والتكيف مع المستجدات، وكأن الحياة توقفت عند زمنٍ مضى ولن يعود.
ثم هناك من يستهلك نفسه في دوامة التفكير الزائد، ذلك التردد المفرط الذي يُبدّد الفرص قبل أن تُقطف، ويُعيق اتخاذ القرارات في لحظاتها الحاسمة. فتضيع الإمكانيات الواحدة تلو الأخرى، لأن المرء ظلّ غارقًا في التحليل والاحتمالات حتى فاته قطار الفعل.
ولا ننسى أولئك الذين يقفون عند مفترق الطرق، عاجزين عن تصنيف اختياراتهم وترتيب أولوياتهم، فتظل قراراتهم مؤجلة إلى أجلٍ غير مسمى، يراوحون مكانهم دون حسم، حتى يفاجئهم الزمن وقد تلاشت الفرص من بين أيديهم.
ثم يأتي الروتين، ذلك القيد غير المرئي الذي يُكبّل الإنسان ويجعل خطواته تتكرر بلا جديد، فيغدو أسيرًا لنمط حياةٍ جامد، لا يُجدد طاقته، ولا يُخلق له بديل، ولا يسعى نحو التغيير الإيجابي. وكأن أيامه نسخٌ متكررة، متطابقة، بلا أفق أو تطور.
وهنا تتجلّى الضرورة الملحّة في توعية الأجيال الصاعدة بهذه العوامل، كي لا يقعوا فريسة للجمود الفكري والانغلاق النفسي. لقد تأملتُ مليًّا في محتوى البرنامج التلفزيوني الذي تناول موضوعًا بالغ الأهمية، يستوجب منا جميعًا التمعّن فيه بعمقٍ وتبصّر.
ومن هذا المنطلق، يغدو لزامًا على المؤسسات الإعلامية، لا سيما التلفزة المغربية، أن تولي اهتمامها لهذه القضايا الجوهرية التي تمسّ صميم الواقع النفسي والاجتماعي للأفراد، عوض الانغماس في إنتاج برامج سطحية مبتذلة، أو محتويات تفتقر إلى القيمة الفكرية، ولا تعكس نبض المجتمع وتطلعاته.
فهل آن الأوان لنشهد إعلامًا هادفًا، يُحفّز وعي المشاهد، ويرتقي بفكره، ويطرح إشكاليات جوهرية تسهم في بناء أجيال قادرة على تحمّل مسؤولياتها، والمضي قدمًا في دروب التطور والنهضة؟

Views: 1

الاخبار العاجلة