
مامون زين .. فيرجينيا.. الولايات المتحدة

في أواخر شهر يونيو شددنا الرحال الي المملكة المغربية، بعضنا جاء من بريطانيا و بعضنا جاء من الإمارات واخرون جاءوا من السعودية و جئتُ أنا و زوجتي من ولاية فيرجينيا الأمريكية ، إجتمعنا هناك بلهفة وشوق مزدوج .. لقاء الأصدقاء بعد طول غياب و شوق لزيارة المغرب ببرنامج سياحي محدد مدته أسبوعين ساعدنا الذكاء الاصطناعي على إعداده بصورة فائقة الدقة .

زرنا المغرب، وتنقّلنا بين مدنه وطرقه، من طنجة إلى تطوان وشفشاون، ومن سبتة وأصيلة إلى الرباط والدار البيضاء ومراكش. وفي كل مدينة كان للمغرب وجه مختلف، وحكاية مختلفة، وجمال لا يشبه ما سبقه. رأينا زرقة البحر، وبهاء المدن العتيقة، ومرتفعات شفشاون الساحرة، والبيوت المتكئة على سفوح الجبال، والطرق التي تتلوّى بين المرتفعات والوديان؛ لكن وادي أوريكا وقرية ستي فاطمة كانا شيئاً آخر تماماً. لهما خصصنا يوماً كاملاً، وكأننا كنا نعرف، دون أن ندري، أن بعض الأمكنة لا يجوز أن تمر بها عابراً، بل ينبغي أن تمنحها من وقتك ما يكفي كي تسكن ذاكرتك.
خرجنا من مراكش في صباح صيفي من شهر يوليو، قاصدين وادي أوريكا، في رحلة تقارب خمسةً وستين كيلومتراً. وما إن ابتعدنا عن صخب المدينة حتى بدأت ملامح المشهد تتبدل رويداً رويداً. أخذ العمران يتراجع، وراحت الأرض تنفتح أمامنا، وظهرت جبال الأطلس في الأفق، أول الأمر باهتة خلف ضباب المسافة، ثم أخذت تقترب وتعلو وتزداد وضوحاً وهيبة. كان الطريق نفسه جزءاً من الرحلة، لا مجرد وسيلة للوصول.
على جانبيه قرى صغيرة وبيوت بلون التراب، وأشجار متناثرة، وبساتين تمتد في بطون الأودية، وسفوح جبلية تتدرج ألوانها بين الأخضر والبني والأحمر القاني. وفي مواضع كثيرة بدت القرى كأنها نبتت من الجبل نفسه؛ بيوت متواضعة تتشبث بالسفوح، وطرقات تصعد بينها، وأشجار تحيط بها، بينما تقف قمم الأطلس خلفها كحارس قديم لا يغادر مكانه.
وفي الصور التي التقطتها على الطريق ظل ذلك التناقض الجميل يلاحقني: جبل صخري جاف في أعلاه، ووادي أخضر يفيض بالحياة عند قدميه. هنا بستان، وهناك قرية صغيرة، وفي الأسفل أشجار كثيفة، ثم تعود الصخور الحمراء لتشق المشهد، كأن الطبيعة قد مزجت ألوانها دون أن تخشى التناقض.
ومن أجمل ما رأيته تلك البساتين الواسعة التي تملأ الوادي. خضرة كثيفة تحاصرها الجبال من كل جانب، وقرى صغيرة ذات بيوت ترابية اللون موزعة بينها. من الأعلى يبدو الوادي بساطاً أخضر ضخماً ألقي بين الجبال، وتبدو البيوت نقاطاً صغيرة وسطه، حتى يشعر المرء أمام اتساع المكان بضآلة الإنسان وعظمة الخالق.
ثم أخذ الطريق يضيق شيئاً فشيئاً، وبدأنا ندخل إلى عمق الجبال، وهناك يتغير الإحساس بالمكان تماماً. فالجبال التي كانت قبل قليل منظراً بعيداً أصبحت جدراناً شاهقة تحيط بالطريق، والصخور تقترب من جانبيه، والأشجار تصبح أكثر كثافة، والمياه تظهر هنا وهناك بين الحجارة. وكلما تقدمنا نحو ستي فاطمة ازداد المشهد جمالاً وبرودةً وحميمية.
ثم ظهر نهر أوريكا، وهنا كانت المفاجأة. ففي أوائل شهر يوليو، بينما كانت حرارة الصيف خارج الوادي تقارب الأربعين درجة مئوية، وجدنا أمامنا ماءً صافياً شديد البرودة، ينحدر من مرتفعات الأطلس ويجري مسرعاً بين الحجارة والصخور. لم يكن نهراً عميقاً مهيباً باتساعه؛ كان جماله في شيء آخر: في صفائه، وفي صوته، وفي قربه منك، وفي قدرتك على الجلوس على حافته ومد قدميك مباشرة في مياهه. كانت الحجارة ظاهرة من خلال الماء كأن لا شيء يفصل بينها وبين العين.
وما إن تضع قدميك في الماء حتى تفاجئك برودته؛ برودة يصعب أن تصدقها وأنت تتذكر أنك في المغرب في قلب شهر يوليو. إنها مياه خرجت لتوّها من أحضان الأطلس، تحمل معها برودة المرتفعات، وتنحدر بين الصخور قبل أن تمر تحت أقدام الزائرين.
لكن جمال أوريكا لا تصنعه الطبيعة وحدها، فحول النهر نشأت حياة سياحية بسيطة وفريدة من نوعها. مقاهٍ ومطاعم صغيرة تمتد بمحاذاة الماء، وبعضها يكاد يكون جزءاً منه. مقاعد ووسائد مغربية زاهية الألوان، وطاولات منخفضة، ومظلات وخيام تحجب شمس الصيف، وجسور خشبية صغيرة تصل بين ضفتي المجرى. وهنا لا تجلس إلى جوار النهر فحسب؛ بل تجلس معه.
تتناول طعامك وصوت الماء إلى جوارك، وتحت قدميك حجارة الوادي الباردة، وقد تمتد المياه أمامك وبين جلسات المطاعم. وترى العائلات والأطفال والزوار وقد اختار كل منهم ركناً صغيراً من هذا العالم؛ هذا يضع قدميه في الماء، وذاك يحتسي الشاي، وأطفال يقتربون من المجرى في فرح، وأخرون يسبحون في النهر الضحل و وأناس يلتقطون الصور، وآخرون – مثلنا – لا يفعلون شيئاً سوى الاستسلام لصوت الماء وظلال الأشجار والاستمتاع باللحظات الجميلة.
ألوان المكان تزيده بهجة: الأحمر والوردي والأخضر والأصفر والأزرق في الوسائد والطاولات والمظلات، وفي مقابلها ألوان الطبيعة الأكثر هدوءاً: رمادي الصخور، وخضرة الأشجار، وزرقة السماء، وبياض الماء حين يصطدم بالحجارة.
أما الصوت، فهو جزء لا يظهر في الصور؛ خرير الماء لا يتوقف، يأتيك من أمامك ومن خلفك، يرتفع حين تضيق الصخور ثم يهدأ حين يتسع المجرى. يختلط بأصوات الناس، وضحكات الأطفال، وحديث العائلات، وأصوات أصحاب المطاعم، ثم يغلبها جميعاً أحياناً وكأن الوادي يريد أن يذكرك بأن الماء هو صاحب المكان الأول.
وفي بعض المواضع تمتد الأشجار بأغصانها الطويلة نحو الماء، فتصنع ظلالاً كثيفة، بينما ترتفع الجبال من خلفها. وحين تجلس هناك يصعب عليك أن تتذكر أن مراكش، بحرارتها وضجيجها وحركتها، لا تبعد سوى نحو ساعة بالسيارة. وهذا ربما أجمل ما في أوريكا: الانتقال المفاجئ من عالم إلى عالم، من ساحة مراكش وشوارعها المزدحمة وحرارة الصيف، إلى ماء جبلي بارد، وشجر كثيف، وجبال شاهقة، وظلال، وصوت نهر لا ينقطع.
أما ستي فاطمة، فيبدو فيها الوادي أكثر التصاقاً بالجبل. البيوت تصعد على السفوح، والطرق تتسلل بين المرتفعات، والماء يشق طريقه في الأسفل، والحياة اليومية تمتزج بالسياحة دون أن تفقد القرية روحها الجبلية. ليست المسألة منتجعاً سياحياً صُنع من الصفر، وإنما قرية حقيقية وجد الزائر نفسه ضيفاً على جمالها.
وأكثر ما بقي في نفسي لم يكن الجبل وحده، ولا النهر وحده، ولا المطاعم الملونة، بل مشهد الناس. جلست أتأملهم وهم تحت ظلال الخيام والأشجار، أمامهم الطعام والشاي، ومن تحتهم أو بجوارهم تجري المياه الباردة. وجوه مسترخية، وأقدام غارقة في الماء، وأطفال يلعبون، وعائلات اجتمعت بعيداً عن ضوضاء المدن. عندها خطر ببالي قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: 57].
ولله المثل الأعلى، وما جمال الدنيا إلا لمحة عابرة من خلقه؛ لكن صورة الماء الجاري تحت الظلال جعلت الآية تحضر في ذهني بصورة مختلفة. فالإنسان أحياناً يقرأ الكلمات سنوات طويلة، ثم يرى في رحلة عابرة مشهداً يجعل بعض معانيها تلامس إحساسه على نحو لم يحدث من قبل. جلست هناك أتأمل الماء والناس والظلال، وأفكر: إذا كان الله قد أودع في هذه الدنيا الفانية كل هذا الجمال، فكيف بما وعد به عباده في دار لا يفنى جمالها؟
ولعل أجمل الأماكن ليست تلك التي نلتقط فيها أجمل الصور، وإنما تلك التي تجعلنا نصمت بعد التقاط الصور، وأوريكا من هذه الأماكن.
لقد التقطت عدداً كبيراً من الصور محاولاً الاحتفاظ بما رأيته، ولكنني حين عدت إليها أدركت أن الكاميرا احتفظت بالجبال والماء والأشجار والطرقات، لكنها لم تستطع أن تحتفظ ببرودة الماء حين لامست قدمي، ولا بصوت النهر بين الصخور، ولا بنسمة الوادي تحت الظل، ولا بذلك الشعور الداخلي الذي يصيبك حين ترفع رأسك من الماء فترى جبال الأطلس تحيط بك من كل اتجاه. هناك أشياء لا تستطيع الصورة حملها، تعيشها فقط، وتبقى في داخلك أعمق مما تستطيع الكلمات أن تقول.
وحين غادرنا ستي فاطمة عائدين إلى مراكش، لم أشعر أننا أنهينا زيارةً لمعلم سياحي، بل شعرت أننا نودع مكاناً منحنا ساعات قليلة من الصفاء.
أخذ الطريق يبتعد عن الجبل شيئاً فشيئاً، وصارت القمم أصغر في المرآة، وعادت الأرض إلى اتساعها، لكن صوت الماء ظل عالقاً في الذاكرة.
لقد رأينا في رحلتنا المغربية مدناً جميلة كثيرة، ولكل واحدة منها مكانها في القلب: طنجة ببوابتها البحرية، وتطوان بروحها الأندلسية، وشفشاون بزرقتها وجبالها، وأصيلة بهدوئها وفنها، والرباط بوقارها، والدار البيضاء بحركتها، ومراكش بسحرها الذي لا يهدأ.
لكن وادي أوريكا وستي فاطمة لم يكونا مجرد محطة أخرى في الرحلة، بل كانا استراحةً للروح، ومكاناً اجتمع فيه الجبل والماء والشجر والإنسان في لوحة واحدة؛ جبال الأطلس شامخة من فوق، والنهر البارد يجري من تحت، والبساتين تملأ الوادي، والقرى تتشبث بالسفوح، والناس يجلسون في الظلال وقد غمسوا أقدامهم في الماء، كأنهم وجدوا لساعات قليلة ركناً بعيداً عن عجلة الحياة.
خرجنا من هناك و نحن نحمل يقيناً بسيطاً: أن بعض جمال الأرض لا يُروى كما ينبغي، ولا تصفه عدسة مهما كانت بارعة، ولا تحيط به الكلمات مهما حاول صاحبها. ووادي أوريكا واحد من تلك الأماكن التي حين تعجز عن وصفها، لا يبقى لك إلا أن تنظر، وتصمت، وتقول: سبحان من أبدع هذا الجمال.







