
شيخ العيطة الحسين السطاتي

تلك الأغنية العيطية الشجية الناحبة، التي تمتزج فيها الدمعة والبسمة، والنغمة والكلمة..الصاعدة بأنات من حناجر صارخة بأصوات مرتفعة، والدالة على النداء الصادح سواء بالمدح أو الهجاء أو العتاب أو الرثاء..
المغرب غني بثقافته الشعبية وبثرائه الغنائي التراثي، وتتميز الأغنية الشعبية المغربية بتعددها وبطابعها الإزدواجي: أغنية عامية عربية، وأغنية عامية أمازيغية. فالأغنية المغناة باللهجة الدارجة العربية لها إطار جغرافي يتميز بالاتساع حيث تحيطه السهول الغربية وحوض سبو، وحوز مراكش، ومنطقة خريبكَة وأبي الجعد حتى مدينة بني ملال، ويتوزع المشهد الطبيعي في هذه المناطق بين السهول والتلال، بين البلاد الساحلية والبلاد القارية، وكل هذه العوامل أثرت على أسلوب الأغنية في هذه المناطق، وأما فيما يتعلق بالأغنية الأمازيغية فهي تتمركز على العموم بالجبال، بما في ذلك جبال الأطلس وجبال الريف. ومن أشكال الأغنية الشعبية المغناة بالدارجة العامية المغربية نجد فن العيطة.
وهذا الفن الموسيقي هو من أعرق فنوننا الغنائية الشعبية، غناء البدو.. فن رعوي أصيل متجذر في التراث الشعبي، نداء كتعبير عن ألم مشترك، وعن الحب بلذاته وعذاباته..وعيط في اللغة تعني صاح، والعياط يعني الصياح، والعائط الصائح، وجمع عيط عيطات.. ورغم ما أضيف إلى هذا الفن التراثي من تحسينات وتهجينه بآلات موسيقية عصرية، قد عانى ولا زال يعاني من الإهمال سواء على مستوى الدراسة أو على مستوى التأليف والنشر، ويعاني من قلة المصادر التي يمكن أن يعتمدها الباحثون والمهتمون بعلوم الموسيقى، وعموم المواطنين الشغوفين بهذا الموروث الثقافي، إذ يشكل جزءا من الثقافة والهوية المغربية.. وهو غناء تراثي مركب، واكب مجموعة من التطورات الاجتماعية التي انطلقت من مخالطة اللسان العربي بصفة فعلية لسكان كثير من المناطق المغربية الأطلسية، التي تقع خلف الهضاب الأطلسية، عند أقدام جبال الأطلس المتوسط، وكذلك أقدام الأطلس الكبير في فسحة الحوز إلى منطقة تافيلالت سجلماسة، وكذا فيما يلي المناطق المجاورة بما في ذلك؛ الشاوية، ودكالة وعبدة إلى حدود مناطق حاحة.
و”العيطة” فنيا هي فن شعبي مغربي يأتي فيه الإيقاع الموسيقي مصاحبا للكلام، أشعار تغنى باللهجة العامية العربية المغربية، وهي أغنية مهيكلة على شكل أجزاء، تنطلق من بداية وتحتمل جزأين إلى تسعة أجزاء أو أكثر وتنتهي بخاتمة، كما أنها مجموعة من المقاطع الغنائية والفواصل الموسيقية الإيقاعية في منظومة تختلف عناصرها باختلاف أنواع العيطة نفسها. ويأتي التركيب كخاصية موسيقية وهوية إيقاعية وزجلية داخل فن العيطة.. والكلام عن هذا الإرث الثقافي اللامادي متشعب وكثير، فهي تتوزع إلى تسعة أنواع، تتنوع حسب تنوع المناطق الجغرافية التي تحتضنها، ونتطرق في هذه المقالة إلى نوع من هذا الفن وهو : “العيطة الحوزية”:
العيطة الحوزية: هي عيطة مركبة، من ثلاثة إلى خمسة أجزاء وأكثر، تسميتها نسبة إلى منطقة أحواز مراكش، وهو المحيط الجغرافي الذي كان ومازال يروج به هذا النمط الغنائي بكثرة، وتنتشر بمنطقة صخور الرحامنة وبلاد أحمر وتصل إلى حدود قلعة السراغنة، ومنها إلى حدود تادلة. وهي لون غنائي عيطي متميز، له مميزات خاصة تعزله عن باقي الألوان العيطية الأخرى، فالطرب الحوزي يمتاز عن غيره من النماذج والقوالب الغنائية في ألحانها وايقاعاتها، وكذلك من خلال أساليب الأداء الصوتي وأنواع الآلات المرافقة له..فهي قد تمارس في الفرقة الواحدة من كمنجة إلى أربعة كمنجات مصاحبة بطعريجة واحدة إلى ثلاثة مع إقصاء البندير أحيانا، وكذلك من حيث الأداء الذي يكون في وضعية الوقوف والحركة الدائمة، خلافا لباقي أنواع العيطة الأخرى التي يمكن أن تؤدى في وضعية الجلوس، إضافة إلى الصوت الصريري المرتفع الحاد وتلغي الصوت الخفيض..الشيء الذي يمثل مصدر تفوق وفخر لرواد العيطة الحوزية حيث يرون فيه دليلا على القوة الجسمانية، وكذا الجدية في العمل التي تؤخذ بها هذه العيطة نفسها.

ونشأ هذا الفن على ضفاف الأودية وخيراتها، وسط طبيعة خلابة، ودخل قصور السلاطين ورياضات البشوات والقواد والأعيان الكبار ، وترعرع بالقصبات والواحات كما بالمداشر والدواوير النائية .. وتقدم هذه العيطة صورة فنية بديعة عن البيئة الزراعية والرعوية التي احتضنتها ورعت محاولاتها الأولى، وتقتصر على الإشارة العابرة لبعض مكونات هذه البيئة كتمجيدها للخيل والفرسان، وإطرائها على صفات الكرم والشجاعة والإقدام التي تكون مطلوبة في رجال القبائل ونسائها وسادتها بالمنطقة.
فالعيطة الحوزية، هي تلك الأغنية العيطية الشجية الناحبة، التي تمتزج فيها الدمعة والبسمة، والنغمة والكلمة..الصاعدة بأنات من حناجر صارخة بأصوات مرتفعة، والدالة على النداء الصادح سواء بالمدح أو الهجاء أو العتاب أو الرثاء.. وهي مجموعة أهازيج لبراويل بأشعار تغنى باللهجة العربية العامية المغربية، تصدح بها حناجر قوية بأصوات عالية حادة..وبفضل أصالتها الفنية والتزامها الأدبي قاومت -العيطة الحوزية -كل الرياح والعواصف والتقلبات واستطاعت أن تحافظ على مكانتها في الوسط الفني الغنائي المغربي، ومن بين العيوط الحوزية الشهيرة التي مازالت متداولة نجد هناك:
عيطة “مول الشعبة”، عيطة “الخادم”، عيطة “خالي يا خويلي” أو ما تسمى أيضا بعيطة “القايد العيادي”، وعيطة “زمران”، عيطة “سيدي صالح الخطابي”، عيطة “حادة”، عيطة “الحَب الحوزي”، .. وعيطة الساكن نذكر على سبيل المثال لا الحصر: ” بويا رحال البودالي، بويا عمر، سيدي حرير، سيدي مرير …”، أما الباقي فهو مختلط بالدخيل أو محرف عن أصله خاصة منه ذلك الذي راج مع الفنانان الشعبيان “حميد الزاهير” و”المختار البهجة”، ومع بعض المجموعات العصرية التي أدخلت أجزاء وألحان من العيط الحوزي في إبداعاتها، كمجموعة “تكَادة” في عيطتها المستحدثة “الخيل” الممسرحة برقصة “الفرس”، ومجموعة “محمد اللوز” في أغنيته” الصيادة” ومجموعة “محمد الدرهم عن فرقة جيل جيلالة، “وكذا مجموعة “أولاد الرمى” في أغنية “الولاد”..
وحسب الباحث الدكتور حسن بحراوي، فيما يتعلق بالأسباب الأساسية التي كانت تؤدي إلى الاختلاط والتمازج الذي شهدته متون وإيقاعات العيطة بالمغرب، أنه كان من المعتاد أن يتنقل محترفو هذا الفن من أشياخ وشيخات أفرادا أو جماعات..بين المدن والقرى المجاورة أو المتباعدة..طلبا للعمل أو السياحة والاسترواح أو بمناسبة زيارة مواسم الأولياء..وخلال هذا الانتقال كان يتم الأخذ والعطاء والتبادل المعرفي بين الرباعات المختلفة. وفيما يخص هذا التراث الرحماني نجد أنه يتقاطع ويتشابه في بعض الأجزاء مع عموم العيطة المغربية، هذا التلاحم الناجم عن تأثير الجوار والتلاقح وأشكال الاقتباس، والتشبع بأنواع العيطات الأخرى في ثقافة الأخذ والعطاء، والتأثر والتأثير، ومن ذلك تقاطع العيط الحوزي مع الغناء الملالي عبر استضافة عيطة “الشجعان” الملحمية..ونسج على منوالها عيطة “خالي يا خويلي”، التي تسمى أيضا بعيطة “القايد العيادي”، والتأثير غير المباشر بإيقاع الحصبة العبدية المركبة الذي يبدو في بعض أجزائها كما هو الشأن في عيطة “الراضوني” العبدية..واقتباس الرش الزعري الذي تستعمله في ختام العيطة بجزئي “السوسة” و”السدة” في شكل تصفيق متواتر متلاحق قد يكون مصحوبا أحيانا بالنداء والصياح الشبيه بالهيت الغرباوي..والاقتراب من فن عبيدات الرما، وعلاقتها بفن البساط التمثيلي والارتجالي الذي تتخذ منه هذه العيطة الحوزية وصلات للفصل بين فقرات العيطات المختلفة.
ومثلما نشأت العيطة الحصباوية في مجالس القايد عيسى بن عمر وبرعاية شخصية من طرفه، فقد وجدت العيطة الحوزية في القايد العيادي، قايد الرحامنة نصيرا وذائدا.. الشيء الذي جعلها تخلده في نصوصها بكل الاعتبار والتنويه الجدير برجل بطل فتح بيوته ورياضاته لمغني وعازفي هذا اللون العيطي، وأكثر من ذلك حماهم من تعسف رجال السيبة وفيما بعد من جبروت المستعمرين الذين كانت رغبتهم استمالة رواد الغناء الحوزي لحضيرة الدعاة..وخلدته في عيطة “خالي يا خويلي” والتي تحمل ايضا اسم هذا القائد البطل عيطة “القايد العيادي”:
دوزها واحد في القياد…دوزها القايد العيادي
دوزها في حكامو ناضي…وكملها بحجة في النبي
مول التريات الوردية…ومول الشراجم الشيبية
ورا الخادم تمشي وتجي…وياك العبد يعيط سيدي
وياك القايد في البيرو….اللي بغاتو ليام تديرو
هاز برادو في قبو…فين ما رشق ليه يكبو
داير شيخاتو في جنبو…فين ما رشق ليه يلعبو
وتعتبر العيطة الحوزية، بالعيطة القايدية، إذ كان هناك قواد آخرون..أقل شهرة من القايد العيادي وردت أسماءهم في متن العيطة بمزيد من التنويه والتبجيل الذي يليق بمكانتهم:
دوزها قايدي في القياد…دوزها قايدي مزوق لولاد
فين هو داك الحاج التهامي…الحاج التهامي بن عبد الله
عمارة الثلاث بقى خاوي….مزوق عيالو بالكحلة
لا سناحات لا خيل بقات….والعلفات مشات وجات
فين الشريفي سيد المكي….مول القبة والكبريتي
زين الخرطة فوق الكَمري…مول السناحات الوردية
فين يامك يا بن كَرير..ع الغبرة والكور يطير
فين يامك يا بوعثمان…ياك الموتى كيف الدبان
كما نجد أن العيطة الحوزية تهتم أيضا برموز السلطة والشعب، حيث تكرس بعض العيطات للإشادة بأبطال السيبة ممن داع صيتهم في مستهل القرن العشرين بفضل مناوئتهم للمخزن الرسمي وعدائهم للمشروع الاستعماري من جهة أخرى..ومن أبرز هؤلاء البطل الشعبي “سيدي صالح الخطابي”، الذي قامت قائمته في بلاد الرحامنة أوائل القرن الماضي، واشتهر بفضل عيطة تحمل اسمه تتضمن تمجيدا لفروسيته وشجاعته…)المرجع نفسه للدكتور حسن بحراوي)
ضربو عليه النقب…جبدو عوجات الركَب
جبدو شامة بنت علال الشرقاوي…خلاو الشلحة فمها لاوي
ياودي منسحابش النوضة اليوم…أما نبالي بيكم
حسبو البكَر ضار وخاطي..سيدي صالح يا الخطابي
خيمة حدو مقابلة لعدو…..منسحابش النوضة اليوم
كما نجد هناك عيطة “الحب الحوزي” وبها الشدرات أو “الحبات” العيطية تتضمن على أمثلة وحكم ونصائح مثال:
العمود الحنين ..كَاع يغسل البطاين…ياوي واه
نوض تجاهد…. علاش ع گاعد…. ياوي هاه
نضحي ونموت…. وما نعيش مشموت….. ياوي هاه
ماذا عيطت.. واش أنت ميت…ياوي هاه
دوك اللي خانو…كلهم بانو…ياوي هاه
القايد العيادي…اللي فاش مرادي….ياوي واه
خيام القياد…مخالفة لوتاد…..ياوي واه
تعالى ليا ..الله يا ربي الله..وديها فيا ..حبيبي الله ياربي الله
وتعالى ليا ..مالي مالي علفة مساوية فيها أولاد الحوز
وتقوم “العيطة الحوزية” على إيقاع غالبا ما يبدأ رتيبا عند الانطلاق، ولكنه يمضي في التصاعد تدريجيا إلى أن يبلغ لحظة الذروة التي تنفجر عندها الأصوات والحناجر بما يشبه البكاء والنحيب..ومن جهة الموضوع تكاد العيطة الحوزية تختص في محور تجعله محور اهتمامها وهو أخبار الحروب والنزاعات المسلحة مع المستعمر وما أسفرت عنه من خراب وضحايا وانقلاب في القيم.. (المرجع: الباحث الدكتور حسن بحراوي، فن العيطة بالمغرب).
كما أن الرقص في العيطة الحوزية له دلالات رمزية، يقوم بها الرجل والمرأة كل في دائرة اختصاصه، حيث كان المجتمع الحوزي الرحماني في الأول مجتمعا محافظا، لا يسمح باختلاط الرجال بالنساء خلال الحفلات، فنجد أحيانا الرجال الراقصين يرتدون ملابس نسائية ويضعون النقاب على وجوههم ويقومون بالرقص، كما هو الشأن بالنسبة للمجموعة الفنية المتألقة “أولاد احمر”، التي تقوم بعروضها إلى حد الآن بساحة جامع لفنا بمراكش..ونجد الراقصين والراقصات يقومون بحركات تمثيلية خلال الرقص تلك الحركات مستوحاة من الأعمال الزراعية السائدة بالمنطقة، كطريقة شد المحراث التقليدي أتناء الحرث، أو طريقة نثر وزرع البذور، وكيفية فتح السواقي الطينية للماء بالمعول، ثم إلى طريقة حصاد الزرع بالمنجل وتشكيل الغمرة، وطريقة نفض الثمار من الأشجار، وكنس الأرض بسعف النخيل، وطريقة غزل الصوف بالمغزل على الفخذ، وطريقة غسل الصوف على صخور الوادي، وتقليد بعض حركات أرجل الطيور خلال فترة التزاوج المستمدة منها رقصة “القعدة”، وحتى الصياح الذي يصدره المزارعون لفزع الطيور التي تحط وسط المحاصيل، وكذا التصفيق المسترسل” الرش”، المصحوب أحيانا بالزغاريد، وبالنداء والصياح المتتابع كما هو الحال في طريقة فزع طرائد الصيد من مخابئها “التحياح” .. وغالبا ما يتأجج هذا في جزء “السوسة” إلى “السدة” أو ما تسمى ب “القفل”، من العيطة الحوزية ويحمى وطيس الإيقاع وتتعالى الأصوات كأنها النحيب والبكاء، وهذا التصاعد في الأصوات يدل على فرط الانسجام مع الرقص.. فيخترق هذه الجُلبة صوت نسائي، وإن لم تكن امرأة يعوض بصوت رجل أشبه بصوت المرأة تتخللها عبارات دالة على روعة الأداء والانسجام التام.. عبارات من قبيل “حاه” و”أه اهاه” و”ع شورو” و”أيوا”.. لتنهال من أجل ذلك على الفرقة المنشطة إكراميات الجمهور”الغرامة”. وعرفت الرقصة الحوزية برقصة “الصينية والكيسان” التي اشتهرت بها منطقة “أحمر” وهي رقصة حكر على الرجال، في إشارة إلى الترحيب بالضيوف والكرم وحسن الضيافة..كما نجد هذه الرقصة بالفن البلدي الفيلالي، حيت يرتدي الرجل الراقص زيا نسائيا، ويستوجب أن تتوفر فيه صفات مثل الرشاقة والخفة واستقامة الجسم ومرونته، ولطافة الاقدام ولين المفاصل، وحسن الحركة والتمايل، وأن يكون متناغما مع الايقاع، ويقوم بعرضه بدور انفرادي إذ ينفصل عن الجماعة حاملا الصينية بها البراد والكؤوس مملوءة بشموع مختلفة ألوانها القزحية، ويتنقل في حركات بهلوانية راقصا متماشيا مع الايقاع الخفيف المتوسط، يرقص أمامهم في مواجهة الحضور، وهو الذي يستقطب أنظار النساء بمهارته فيشرعن بالصلاة على النبي ويطلقن الزغاريد من أجله..
كانت العيطة الحوزية، في بدايتها تعتمد على آلات موسيقية بسيطة إلى بدائية، (وتار وطعريجة أو كمنجة ومقص ومهراس، “مزمار” قصبة مشدوة إلى قرن عجل، وصينية وكأسان…)، كانت في البداية هذه العيطة تقتصر على آلات بسيطة مما يجعل الصوت المرتفع الصادح حاضرا بقوة، وهي ترتكز على الكلام وليس على الفرجة فحسب، وأقصت في الأول آلة البندير، إلى أن صارت تمارس كباقي العيوط الأخرى بآلات حديثة غربية وعصرية مختلفة أشكالها وأنواعها كما هو الحال بأوركستر “حميد السرغيني”.. ومن الآلات التي صارت تستعمل في هذا الفن؛ هناك آلات وترية، ونفخية، وإيقاعية ونقرية. ومن الآلات الوترية نجد: “الوتار، العود، الكمنجة، الربابة، البوزق، السنتير، المندولين، البانجو، القيتارة..وفي الآلات النفخية هناك: الغيطة، المزمار، الناي، القصبة الأحادية والثنائية(المكَرونات) الليرة، إلى الساكسفون..وفي الآلات الإيقاعية نجد: البندير، الطبل، الصنج، الدف، الطر، الصينية والكؤوس، والمهراس، والطعريجة بما فيها الكبيرة والصغيرة “أكوال”، الدربكة، والنويقسات، والمقص، والطمطام إلى “لباتري” العصري..كما نجد أيضا الآلات النقرية كالقانون، والأورغ …
وقد اشتهرت العيطة الحوزية بمناطق تتميز بطبيعتها الخلابة الغناء، عرفت بكثرة وتنوع مغروسات أشجار الفواكه، وترائها الحيواني “الكسيبة”، وبتضاريسها المتنوعة؛ (جبال، هضاب، تلال، وديان، عيون مائية، سواقي…مع وفرة المياه الجوفية والسطحية، على امتداد وادي أم الربيع، إلى واد تانسيفت الحوز، ثم إلى حدود سهل دكالة، إذ تنتشر بمنطقة صخور الرحامنة وبلاد أحمر وتصل إلى حدود قلعة السراغنة، ومنها إلى حدود تادلة. وتشمل كل من: (اليوسفية، الشماعية، بوشان، أربعاء الصخور، بن كَرير، نزالة لعظم، المخاليف، سيدي بوعثمان، قلعة السراغنة، سيدي رحال، شيشاوة، تملالت، العطاوية، الصهريج، القليعة، مراكش، المهاية، تمصلوحت، سيد الزوين، تحناوت، مولاي ابراهيم، صكارة، حربيل، راس العين، أولادحسون، أولاد دليم، أولاد مطاع….).
وبصفتي شيخ ممارس لفن العيطة، أقف وقفة احترام للأشياخ والشيخات الذين بفضلهم قام فن العيطة عموما، على امتداد مسيرة طويلة في مختلف مناطق المغرب ببواديه وحواضره، حيت صدحت حناجرهم بأصوات طربية في مناسبات وملتقيات مختلفة، أصوات أشياخ، زجالين، نُظام، ومغنين حفاظ “كَراحين”، حملوا مشعل هذا الفن، وأصوات شيخات “عياطات”، حافظات “طباعات”، استمد بفضلهن فن العيطة وجوده الفني وكينونته.. أسماء تركت بصماتها على مدى سنوات، بعضها انتقل إلى دار البقاء الله يرحمهم، والبعض يعاني التهميش ويعيش التنكر، والقليل منهم من كان محظوظا وحضي بعيش كريم.
وللعيطة الحوزية أشياخ وأعلام قدامى وجدد، وقد رحل جل شيوخها من الرعيل الأول والثاني ممن كانوا يتقنون أدائها وحفظ متونها..وعرف هذا النوع العيطي الحوزي العديد من الفنانين نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر:
– الرواد القدامى، أشياخ الرعيل الأول : الشيخ بن حمامة، الشيخ حربيلي، الشيخ مبارك الزغرات، الشيخ الطاهر زعطوط، الشيخ ولد قرد، الشيخ سالم المنبهي، الشيخ عبيدة الطلحي، الشيخ عبد السلام الغنامي، الشيخ امحمد ورًم، الشيخ صالح بوتارتية، الشيخ المصطفى ولد الجوطية، الشيخ المحجوب الرحماني، الشيخ الجلالي السرغيني، الشيخ الجيلالي الحاموني، الشيخ أحمد الطويل…
– ومن أشياخ الرعيل الثاني نذكر: الشيخ المصطفى البيضاوي، الشيخ الكبير الصنهاجي، الشيخ أحمد ولد الخبشة، الشيخ حسن الدريوكي، الشيخ المحجوب السرغيني، الشيخ صالح الطويل، الشيخ المصطفى الرحماني، الشيخ حسن القلعاوي، الشيخ بوجمعة المخلوفي، الشيخ سليمان لشهب، الشيخ الشرادي، الشيخ المصطفى المعمري..
– ومن الأشياخ الجدد نجد، الذين جددوا في فن العيطة الحوزية وبسطوا إيقاعاتها واختصروا أجزاء منها، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: حجيب، علي البوشاني، حميد السرغيني، كبور، مجموعة أولاد حادة الممثلة في الإخوة الشيخ عزيز والشيخ رفيق الرزود، والعلمي الحوزي، وسفير الحمري، ووليد الرحماني…
كما اكتسحت العيطة الحوزية فن المجموعات والأوركسترا، ونذكر من المجموعات علي سبيل المثال لا الحصر:
– مجموعة تكَادة، مجموعة المخاليف، مجموعة أولاد الرمى، مجموعة أولاد الخبشة، مجموعة مسناوة، مجموعة أضواء البهجة، مجموعة الخيالة، مجموعة الجوالة، مجموعة أولاد حادة، مجموعة الإخوان الناجي، الإخوان خلوق، أولاد الشتيوي، أولاد العطار، أولاد العوني، أولاد العز، وغيرهم…
وفي نمط الأوركسترا نجد بعض الفنانين الذين غنوا بعض العيوط الحوزية بطريقة عصرية ومنهم : ( الداودي عبد الله، العلمي الرحماني، سعيد الصنهاجي، عبد الرحيم الصنهاجي، المهذب، حميد السرغيني، محمد المراكشي، حميد الزاهير، المختار البهجة، طهور، حسن الناجي، وليد الرحماني..وآخرون
وعلينا أن نستحضر دائما الدور الكبير والفعال الذي لعبته المرأة، إلى جانب الرجل في هذا الميدان فمن الشيخات اللواتي أبدعن في فن العيطة الحوزية، وتركن بصماتهن في الساحة الفنية نذكر منهن: الشيخة الخودة، الشيخة التايكة الرحمانية، الشيخة فاطنة الزبود، الشيخة الطاهرة، الشيخة أم هاني بنت مجيب، الشيخة خدوج الحمرية، الشيخة زبيدة حبوطة، الشيخة زينب مسيكة، الشيخة الهاترة بنت الحمري، الشيخة ربيعة بنت لعظيم، الشيخة لطيفة المخلوفية، الشيخة فيطنة الحمرية، الشيخة الفقرية، الشيخة الضاوية الغنامية، الشيخة الحامونية، الشيخة عايدة الرحمانية، الشيخة الزوهرة البوشانية، الشيخة سعاد الرحمانية، الشيخة الخادم، الشيخة سعاد الكحيلة، الشيخة خديجة المراكشية، الشيخة زعزع، الشيخة إيمان تسونامي…وغيرهن….
أما اللباس الذي يلبسه ممارسو هذا الفن التراثي الرحماني، فنجد غالبا الزي التقليدي المغربي: للذكور( الجلباب، والجباور، والعمامة أو الطاقية عوض الطربوش على الرأس والبلغة، أما النساء الشيخات فنجد: (التكشيطة، والقفطان، والدفينة، والسبنية، والدرة على الرأس والشربيل)، لكن مؤخرا صرنا نجد المجموعات الغنائية تخرج عن العادة وترتدي لباسا عصريا أو إداريا بربطة العنق ولباسا شبابيا بسروال الجينز والقمصان القصيرة والأحذية الرياضية..
وفيما يتعلق بعدد أفراد المجموعة المغنية لفن العيطة الحوزية، قد نجد فردا واحدا داخل حلقة بآلته الوترية وسط سوق أسبوعي أو بعرس بأحد المداشر النائية ينشط الحاضرين بالفن الحوزي ومستملحات الفكاهة، ومن الفرد الواحد ننتقل حتى نصل إلى النمط “الأوركسترالي”، حيث تضم الفرقة عشرات المغنيين والعازفين من الجنسين، ونادرا ما نجد امرأة عازفة على آلة وترية أو نفخية.. ..وغالبا ما تنطلق العيطة بعد فترة التقاسيم بإيقاع آلاتي بطيء ورتيب، بعد ذلك يحتد ويميل تدريجيا إلى السرعة عبر الأجزاء العيطية، ثم يزداد بجزئي كل من “السرابة” و”السدة” وهي قفل وخاتمة الأغنية، ويفصل بين العيطات بفترة استراحة تتخللها نكت ومستملحات فكاهية أو عروض بهلوانية مع قفشات كوميدية..وتستغرق العيطة الواحدة من ربع ساعة إلى نصف ساعة وأكثر وهي تتسم بالطول.. وذلك حسب الزمان والمكان ونوعية الجمهور..في حين أن الحفلة كانت تبتدأ بعد غروب الشمس وتنتهي عند طلوع الفجر، ومن هنا يتبين طول السمر وروعة السهر، والعدد الهائل من القصائد العيطية والعروض المسرحية التي تقدم بالليلة.

وسيظل فن العيطة الحوزية، مدينا بالكثير للشيخ “بن حمامة”، الله يرحمه، على الأشعاع الفني الذي أعطاه لهذا الفن، وذلك بإحيائه للحفلات بالقصور والرياضات، حيث عرف عنه “شيخ القياد”، وبفضله يرجح أن العيطة الحوزية كانت الأسبق إلى التسجيل حيث ظهرت في اسطوانة منذ سنة 1921 على يد هذا الشيخ، ثم فيما بعد عبر تسجيلات الشيخ “ابراهيم الحربيلي”، ورباعات الأشياخ الآخرين كالشيخ طويل والشيخ فليفلة والشيخ كرتال السرغيني ( المرجع: الدكتور حسن بحراوي في كتابة فن العيطة بالمغرب)
كما ستشهد فترة بداية التسعينات فترة توهج من جديد للتراث الحوزي مع الشيخ الراحل “عبد الكبير الصنهاجي” الله يرحمه، والمعروف بلقب ” لُكبيًر” وهو تصغير لاسم عبد الكبير، وذلك لأنه كان شيخا مبدعا رغم صغر سنة، ذلك الفنان الهرَم، الذي وصلنا عبره نماذج العيطة الحوزية، برباعة الشيخات، بكل الاحترافية والالتزام بالأصول عبر صوته الرخيم بنبراته الشجية، وذلك بتجديده في هذا الفن، من خلال دوره الكبير في النقلة النوعية التي أعطاها لهذه العيطة، حيث جعلها تنافس باقي العيوط، بفضل عزفه المتميز على آلة الكمنجة وإبداعه في وصلات الموسيقى الصامتة “الخيلاز”، أعطى إبداعا في العزف والعيط والكلمات..وقد عمد إلى الاقتباس من معزوفاته كبار الفنانين الشعبين المغاربة وكان مصدر إلهام للعديد منهم، إضافة إلى حرصه على “الحطة” مظهر الفرقة الراقي بما في ذلك أناقة أزياء الأشياخ والشيخات وسلوكهم داخل الحفل.. وقد اشتهر بحفظه وأدائه للتراث العيطي الحوزي والزعري والعبدي والمرساوي والغرباوي.. إضافة إلى الأغاني المستحدثة التي مازالت تغنى إلى يومنا هذا، ونذكر منها: يا الطالب شوف من حالي وخاف ربي، باراكا ما تجافي، والغابة، وأغاني الميمة والسواكن.. وقد جعل فن الحوزي يصل إلى المركز بما في ذلك سهلي الشاوية ودكالة ليستهوي جميع الأذواق، بعدما كان محدود الانتشار..وفي نمط الشيخات نجد أشياخ كبار مثل: الشيخ سليمان لشهب، والشيخ أحمد كرتال، والشيخ حسن الدريوكي، والشيخ الشرادي، والشيخ أحمد ولد الخبشة وغيرهم..
وتأتي المجموعة الخالدة “مجموعة المخاليف” لتنقل لنا الفن العيطي الحوزي التراثي الأصلي الأصيل بأصوات أشياخ تمرسوا في الحرفة وخبروا متونها وإيقاعاتها، وخير دليل على تألق هذه المجموعة الرائعة هو تأثيثها ومساهمتها في حفل زفاف ملك البلاد محمد السادس، ومازال المغاربة يتذكرون لوحاتهم الرائعة بجلاليبهم الزاهية الألوان وهم بالقصر الملكي يرصعون مراسيم الزفاف أمام الهودج الملكي، يؤدون وصلات العيطة الحوزية التي نقلتها وتناقلتها القنوات الفضائية التلفزيونية المغربية والعالمية.
كما يجب أن ننوه بالمجهودات الكبيرة التي قام بها أشياخ هذا الفن حاملي المشعل الذين أزاحوا طابع الجمود عن هذا الإرث، ونذكر منهم: الفنان العصري المتميز “طهور”، الذي شرف العيطة الحوزية وجعلها حاضرة في الحفلات والأعراس بمدن مختلفة بالمغرب وخارجه، وأدخلها إلى المسرح والسينما، وكذلك الشأن بالنسبة للفنان الشعبي “حميد السرغيني”، الذي مثل هذا الفن أحسن تمثيل في المحافل الوطنية والدولية، بصوته المتميز بصورة اجتمعت فيها الأصالة بالحداثة، والإخوان “أولاد حادة” من بن جرير، “الشيخ عزيز والشيخ رفيق الرزود”، ولابد أن نعرج عن الفنان الشيخ “علي البوشاني” صاحب الحنجرة القوية وريث البحة المخلوفية، الذي أعطى إشعاعا للفن الحوزي بالمركز، بكل من مدن الرباط وسلا والقنيطرة..واشتهر بصوته وأدائه لسراريب العيوط المرساوية والزعرية والعبدية والحوزية.
كان أشياخ وشيخات العيطة في السابق بمثابة جنود بلا بنادق، سلاحهم في ذلك النغمة والكلمة، بذلك يصيبون الهدف ويساهمون بفنهم في تحقيق النصر..ولكن للأسف نجد بعض أشباه الأشياخ الذين حوروا هذه العيطة، وجعلوها من نص شعري يتغنى بالأمجاد والمقاومة والجمال، ومباهج الليل ومحاسن الخيل، والتغني بالأولياء والصالحين والزوايا، إلى قصائد مبتذلة متهتكة.. وذلك بتركيب كلمات سوقية دونية تتغنى بالعشق والسمر والخمر، وتركيبها على اللحن الأصلي، قصد طمس الهوية الثقافية أو من أجل التسويق التجاري المربح.. والعيطة عموما هي شعر شفهي لم يتم توثيقه، ولم يتم تسجيل النص العيطي الحقيقي تسجيلا قانونيا رسميا، لذلك فهي أشبه ما تكون بالرواية المفتوحة التي يظل موضوعها عرضة للتحوير والزيادة والنقصان، ويهيمن عليها الارتجال حيث يزيده الناظمون تراء، ويفرغون فيه ما يعترض حياتهم من مآسي وأفراح..ولذلك من العسير الوقوف على المؤلفين الحقيقيين للعيطات المتداولة.
وعلى سبيل المثال ما نجده من تحوير في العيطة الحوزية بعيطة”ساكن سيدي رحال” هذه العيطة التي تتغنى بالثقافة العالمة ووصف جمال طبيعة منطقة تساوت الحوز، وجودة الماء الطبيعي بها الذي يشفي بعض الأمراض، وكأن هذه العيطة بمثابة وثيقة تعريفية للسياحة بالمنطقة، بما فيها السياحة الدينية والجيولوجية، وهي منطقة معروفة بدروس الدين وتعليم الفقه بالمدرسة القرآنية، وجمال الطبيعة هذه النقطة التي يقول مطلها:
واو واو واو واو على شريفي بويا رحال….تعالى ياوليدي وتعالى ياسيدي
رحنا زايرين وراجعيــــــن…..طالبين ضيف الله في سيد الزوين
واو واو واو واو شربي ميهة لعيون…ياك اسيدي ع شربي يا لالة…. شحال من حاجة تقضات بيه
راه حنا زارين ورايحين…..شيخ الطلبة سيد الزوين………
هذه العيطة الجميلة تنتهك وتلوث كلماتها، إذ يتم تركيب كلمات سوقية على ألحانها وإيقاعاتها الشجية ذات اللحن الروحاني لتصير أغنية مبتذلة كالتالي:
واو واو واو واو شريفي بويا رحال..ياك يا بنيتي ياك يا لالة …رحنا اليوم زاهيين والليلة نباتو ساهرين
واو واو واو واو الشربيل مو العيون…داه الحاج يحج بيه
ياك يا بنيني يا ك يا الهايجة….راحنا زايرين وناشطين والليلة نباتو مقصرين.
والغريب في الأمر نسمع فنانين مشهورين لا يعون بما ينطقون، يتفوهون بهذه التفاهات الساقطة بسهرات تعرض على العموم بالقنوات التلفزيونية بالقطب العمومي، ولا من رادع أو متدخل يصحح هذا العبث بتراثنا اللامادي.
والشكر لهؤلاء الفنانين المناضلين الذين لم ينالوا حقهم في الوسط الفني المغربي ولم تطالهم يد الدعم والمساعدة، يساهمون ويضحون بوقتهم ومن أموالهم الخاصة للحفاظ على هذا المورث الثقافي، شكرا للذين ساهموا في نفض الغبار على هذا الكنز الثمين وظلوا متشبتين بأصالتهم وبهذا الفن الذي يسافر بالمتلقي إلى كل ماهو جميل…

إن أصالة فن العيطة عموما تكمن في امتداده التاريخي، وهو يشكل جزءا من هويتنا الثقافية، ومن أجل الحفاظ على هذا الفن وصونه من الضياع، علينا أن نكثف الجهود، وأن نحمل المشعل إلى الأجيال القادمة، ولكي نضمن استمرارية هذا النمط من الغناء الأصيل، نحن في أمس الحاجة إلى تبصير الشباب بجذور هذا الفن وألوانه وموضوعاته، كل منا من موقعه “ممارسين، باحثين، إعلاميين، جمعيات، مؤسسات وصية…”، كما يتوجب علينا توثيق ذلك المتن القليل الذي وصلنا منه، بصفة فن العيطة إرثا مشتركا، وهو إنتاجا فنيا قام بالتعبير عن هموم وأفراح الإنسان الشعبي خلال فترة حاسمة من تاريخه، وسجل لنا مظاهر حية من معيشه وطقوسه وأحلامه.. فقد حان الوقت لسبر أغوار هذا التراث الأصيل على أسس علمية لإعادة الاعتبار إليه. ولما لا نبدع ونخلق عيطات جديدة قد تصل إلى مستوى أو تقارب ما تركه أجدادنا.
وعلينا دائما أن نجدد الشكر والتحية للسيدات والسادة الدكاترة والأساتذة الباحثين والإعلاميين.. الذين اشتغلوا على فن العيطة والتراث الشعبي وأناروا لنا الطريق في هذا المنحى، فأنا كاتب هذه المقالة فنان شعبي عاشق ومولع بهذا الفن، ممارس ومهتم، موسيقي “كومنجي” ومغني لفن العيطة، أجتهد وأبحث كي أرقى إلى مستوى شيخ للعيطة، وأنقل ما وصل إلى علمي للمتلقي وللناشئة، وأكرر قولي أنني لست باحثا، لأن كلمة باحث هي كلمة كبيرة في عمقها وتعريفها الأكاديمي، وقد شقا الباحثون سنين طويلة، وأنفقوا من أموالهم وأوقاتهم للوصول إلى مراجع ومستندات علمية منها التي كانت مطمورة، ومنهم باحثون أكاديميون محنكون يجب دائما التذكير بأعمالهم والتنويه بها كنوع من التكريم، والترحم على الأموات، لهذا أعيد خلال كل مقال أكتبه عن فن العيطة أن أذكر وأشكر وأنوه بفخر واعتزاز هؤلاء الذين نبشوا وهبشوا، ونفضوا الغبار عن هذا الكنز المشترك بين المغاربة، هذا الموروث الثقافي اللامادي، رحم الله الأموات منهم وزكى في عمر الباقين الأحياء، وأذكر منهم الراحل رائد البحث والتحري العيطي محمد بوحميد، الله يرحمه، وحسن نجمي، وادريس الإدريسي، وحسن بحراوي، ومحمد شقير، وأبو بكر بنور، ومحمد أقضاض، ومحمد الولي، وصالح الشرقي، وعبد العزيز بن عبد الجليل، وعبد الفتاح السليماني، وعبد السلام عيدون، وعباس الجيراري، وأحمد الصبيحي السلاوي، وعلال الركوك، وعبد الكريم الجويطي، وسعيد فاضلي، وعزيز خمريش، وسالم اكويندي، ومضمون محمد، والتهامي الحبشي، وسالم عبد الصادق، وعبد السلام غيور، والغازي عبد الله، ونسيم حداد، والسهامي رشيد، وعلي المدرعي والمصطفى حمزة.. ومنهم كذلك باحثون أجانب جذبتهم أنغام العيطة من قارات أخرى، كالباحثة الأمريكية “ديبورا كابشن”، التي أنجزت عملا هاما في موضوع العيطة ضمن بحث كلفت به من جامعتها ب”تيكساس”، والباحثة الموسيقية الايطالية “اليسندرا توتشي” الموفدة من جامعة أمريكية لدراسة هذا الفن موسيقيا وأكاديميا.
لا ينبغي لنا أن نركن إلى التقليد والتمجيد من أجل التخليد، بل علينا تطوير هذا الفن بالخلق والإبداع والتجديد إذا نحن أردنا أن نذهب به إلى بعيد.
Views: 12






