
عادل الزبيري

في كل شهر غشت من كل سنة، تحل ذكرى سنوية تحمل اسم عيد الميلاد أو عيد المولد، أعتبرها فرصة سنوية من أجل التأمل، من أجل الترويج في قراءة حصيلة عام ولى، وسنة أخرى مقبلة، لعل القادم دائما يحمل الجديد.
لكل حياة بدايات، وقبل النهايات، طريق شاق بكل ألوان متاعب الحياة، لتعلم الدروس، لمحاولة تصحيح الأخطاء، لمحاولة الوقوف من جديد تحت شمس، ولو بعد انكسارات في تمارين يوميات العمر، ولو بعد انحسارات سببها ضيق مجال المراوغة في مدرسة الحياة، التي لا تعطي شواهد تخرج، ولا تسمح لأي منا بمغادرة فصول الدراسة المفتوحة، على كل فصول العام.
يرحل دائما في كل صيف، وفق توقيتي، عام ويحل بدله عام جديد، يحضر أوراقه كاملة، صفحات بيضاء بدون أي خطوط، ليبدأ الاشتغال على ملء الدفتر، بما يفيد من تجارب تتراكم، وسط أخطاء تتدافع، وتقلب الفشل مع النجاح، والسهر على المضي قدما لتحقيق الذات تحت القمر، وتحت الشمس، ومهما هبت العواصف، ومهما تخلى عني المقربون، ومهما جاملني المتزلفون، ومهما بقيت بقربي قلة من الوفيين، ماض في حرث طريقي بالأمل.
أمست الحياة أقل بريقا في بعض اللحظات، فيما تصبح أكثر جاذبية في أيام أخرى تليها، ما يجعل الغواية وعكسها، يتناوبنا على اليوميات كما الأمسيات، كلما اعتقدت أنني ضبطت عقارب ساعة الحياة، تأبى الأقدار الربانية إلا أن تبين أن حكمة الله وسعت كل شيء، ولا قدرة لي كعبد، ولا لغيري، على فهم المغازي الحياتية الربانية، إلا من خصه الله بالحكمة، فقد أوتي كل شيء.
ففي كل سنة، يتجدد مفهوم الأمل عندي، لأواصل بعناد شديد، رحلة الحياة، لإتمام حلقات مسلسل الحياة، بجرعات تكبر سنويا من الصبر، ومن القدرة على التحمل، ومن القدرة على المواجهة للخروج، بأكبر عدد من المباريات بتعادلات.
بدأت عندي في العقد الرابع من العمر، تنضج قناعات العبور الكبير، كثرة الجراح في الروح وفي القلب وفي العمر، تجعلني أكثر صلابة ومتانة، مع قدرة على الليونة أكثر من قصب البامبو، ما عادت الأخبار السيئة تفجعني، بينما الأخبار السعيدة على قلتها، تنشر البهجة في حدائق الروح.
لا يمكنني منع نفسي من الشعور بالفرح لنجاحات الآخرين، وإخفاء نجاحاتي، لأن الآخرين من عليهم وضع علامات التنقيط لي، هذه سُنة الحياة في تقديري، فلا أقول أنني لا فاشل ولا ناجح، ولكنني أحاول الوقوف بصلابة فوق ملعب الحياة؛ مهما بلغت إصاباتي تورما، جراء التدخلات الخشنة، من أقدام لاعبي فرق الخصوم.
كل الذين يراهنون على فشلي أو نجاحي، هم من الناس الذين أتعايش معهم، في المقربين أعداء متسترون، يبتسمون بطريقة تشبه الجوكر، بينما في المبعدين البعيدين، من حاولوا سابقا دفعي إلى الخروج من مسرح الحياة، لكن الأقدار الربانية كانت أفضل مخرج لأفضل سيناريو، جعلني قادرا على الاستمرار في تقديم الأفضل أمام الأفضل.
ولا أزكي نفسي أبدا، وهذا منهجي في الحياة، إلى أن يتغير، ولكن البعض يفهمون أن التواضع في التعامل ضعفا، ويرون أن عدم القدرة على التعالي أيضا ضعف، وينسى الغالبية أن التواضع قمة الارتفاع عن الغرور الذي يقتل في الإنسان القيم الجميلة والنبيلة، فمن نبل المرأ تواضعه أمام الناس، وهذا أمر للأسف الشديد يزعج البعض، ويرونه غير لائق، وذلك شأنهم، والاختلاف في حسن التعامل هو الأرقى بين الناس.
وتبقى الحياة مسيرة من الكفاح أولا ضد النفس، عساها تعرف المغازي العظيمة الربانية من خلق الإنسان في الاستخلاف في الأرض، بعد أن عرض الله الأمانة ورفضها الجميع إلا الإنسان، كما أن العداوة من أسس إقامة الإنسان على كوكب الأرض، بعد أن وقع النزول الكبير من الجنة، بأمر رباني نافذ، بعد أن سقط آدم والد البشر في الخطأ العظيم، وعصى ربه، وأكل من الشجرة، لأن الشيطان وسوس له.
لا زلت أرى الحياة أمامي تحديات لتحقيق النجاح المنشود، لأن الحياة تشبه شرب الماء المالح، كلما ازداد الشرب، ارتفع الشعور بالحاجة إلى مزيد من المياه المالحة، والتواقون رغم تكرار الفشل في حياتهم، يواصلون البصم على الحضور في المشهد، ما يرفع أعداد المنزعجين، وأيضا الأصدقاء المحبين.
لا يمكن تحقيق الإجماع على أي كان من الناس، لأن الكمال لله عز وجل، ولأن الإنسان دائما محدود في كل شيء، إلا من أراده الله العزيز القدير، أن يكون من المصطفين، من الأولياء أو من الصالحين، ولكنني أعتبر نفسي بشرا عاديا من الفانين العابرين.
Views: 8







