النموذج التنموي الجديد بين فهم المطلوب وإنجاز المرغوب “وجهة نظر”

جسر التواصل14 يناير 2022آخر تحديث :
  النموذج التنموي الجديد بين فهم المطلوب وإنجاز المرغوب  “وجهة نظر”

ياسين الضوو

تبدو الحاجة إلى التغيير ملحة، ليست فقط لما آلت إليه أوضاعنا الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية من جمود اضطراري ومراوحة بين الإنجاز والإخفاق من جهة، أو من تسارع عوامل التغيير القسري الذي تحمله ممكنات الذكاء الاصطناعي وتحديات جيل ما بعد اقتصاد المعرفة من جهة أخرى.
ولكن بالنظر إلى ما آل إليه محيطنا الإقليمي والدولي، والذي بات أكثر ارتباكا وإفراطا في استعمال لغة المصالح والقوة والتأثير الناعم من ذي قبل، يتضح أن لا مجال للتأخر عن الركب وأن لا محيد عن التفاعل الإيجابي معه بحسابات دقيقة تغني عن الانكفاء على الذات أو دفن الرؤوس في رماله المتحركة.
ولعل تجربتنا مع الوباء العالمي الذي أصاب اقتصاد الأمم ونفسيات الشعوب في مقتل، الدرس والمثال. فقد عاصرنا كيف تكون المراهنة؟ مراهنة الدول على إمكاناتها ورأسمالها العلمي والبشري وثقافتها التدبيرية في مواجهة الأزمات ورأينا لجوءها إلى إغلاق الحدود الجوية والبحرية والبرية واتخاذها إجراءات مؤلمة اقتصاديا من أجل نوع جديد من الحماية عنوانها الأبرز ” الحماية الصحية “. إنها لعمري أكبر تجل وأوضح مسار لكل فكر استراتيجي جديد بمتغيرات جيوبوليتيكية هي أقرب من تحصين الاقتصاد والاجتماع والسياسة من انفتاح غير محدود أو شراكة تجارية حرة غير محسوبة العواقب. ألم نشهد أثر قطع الإمدادات التجارية وارتباك التجارة الدولية على تضخم الأسعار وندرة العديد من المواد المستوردة من الشرق؟
أمام هذه الصورة السريالية، ومع سرعة الأحداث وتبدل الأرقام صعودا وهبوطا، بات مطلوبا التركيز على الرأسمال البشري كرافعة لأي تغيير محتمل وتنويع الاقتصاد وجعله قادرا على الإنتاج البناء وعلى خلق فرص الشغل، كما جاء في تقرير النموذج التنموي الجديد، بالإضافة إلى التفكير أفقيا في أسئلة إنتاج الثروة وتوزيع منافعها ترابيا، وجعل هذا الإنسان المستهدف بالتنمية مسؤولا عنها، عن تحسين شروط عيشه والدفاع عن المجال الذي يقطنه، وفق رؤية تقوي المؤسسات وتمكنها من أدوات الاشتغال ومن روح المبادرة الخلاقة والمسؤولة.
لكن إذا كان هذا المطلوب، كما خطه التقرير على شكل عناوين فضفاضة أكثرها سبق ذكرها واجترارها وأغلبها ثمة دعوات هنا وهناك لم تكن لتبلغ سماع الاستراتجيين ولا أفهامهم من ذي قبل، ألم تكن لغة أواخر التسعينات، أن التعليم قطاع غير منتج؟ ألم يرتد قطاعنا الصحي ولا يزال جراء الجراحة التي خضع إليها من ترسبات سياسة التقويم الهيكلي؟ ألم يكن ما كان أفضل مما نحن فيه لولا بعض الاختيارات التي جعلتنا في قاعة الانتظار، ولا تزال بعض ذهنياتها تطفو بيننا إلى الآن.
وإذا سلمنا بهذه الاختيارات الجديدة، وأفسحنا المجال لعقلية تبني ولا تهدم، تراكم دون ضجيج، تسأل وتحاسب، تدعم وتقوي، تؤطر وتحاكي وتجتهد فكيف السبيل إلى إدارة، يكاد يجمع الخبراء جلهم أنها المحك الحقيقي لإنجاز الأفكار وتنزيل الأحلام إلى إجراءات تمكن من ربح الرهان، تكون قوية وفاعلة ومسؤولة عما تفعله؟.
إن إنجاز المرغوب سواء في مستوى الإدارة الوسيطية أو التنفيذية يتطلب مقاربة نوعية، وقفزة بحجم القطيعة مع الممارسات المتكلسة من عهود. طفرة لها ابتداء بالاشتغال على الذهنيات السائدة، والتي تجعل المسؤولية الإدارية نفعا وامتيازا لا شرفا ومسؤولية، وانتهاء بالقطع مع مؤسسات إدارية تستجدي الأوراق من مرتفقيها لتشتغل.
تنزيل النموذج يحتاج إلى نموذجيين وإلى وسائل نموذجية وطرائق وإمكانات بدورها نموذجية. غير هذا الطريق سيراوح المشروع مكانه إن لم يوقع على غير ما هدف إليه. على غرار ما يتحدث عنه التربويون من وجود المنهاج الخفي حالة تفاقم مشكلات أجرأة المنهاج المعلن.
تحتاج إدارتنا لفهم المطلوب أولا، حتى تنجز المرغوب. فالإدارة اليوم هي علوم قائمة بذاتها لم تعد تتحمل ممارسة الهواة ولا سلوك الصبيان، فقديما كنا نسمع عن الرجل المناسب لابد أن يكون في المكان المناسب. ولتحقيق الأهداف الجديدة من اللازم القطع مع ثقافة الولاءات الإدارية والمحاباة لشخصية هنا وهناك وللتداخل الفج الحاصل بين السياسي والإداري، لفسح المجال إلى ثقافة توظيف الخبرة أولا والاستحقاق ثانيا وجعل الممارسة الإدارية محكا لصقل التجارب وتطويرها، ومجالا للاستثمار في ممكنات الكادر المغربي، استردادا لثقته في نفسه ولثقته في المؤسسات.

 

Views: 3

الاخبار العاجلة