
عبد الغني القاسمي

يرى عدد من الباحثين في علم السياسة و القانون الدستوري أن التكثير من اختلاق أو خلق الأحزاب لا علاقة له بالسيرورة الديمقراطية و لا بالتعددية و لا بتوسيع مجال حرية التعبير ، خاصة عندما يتأكد لدى الرأي العام أن أحزابا قد ظهرت في الساحة فقط نتيجة خلافات بين أشخاص يقودون الحزب الأصل و بعضهم لم يتيحوا لهذا أو ذاك فرصة الاستفادة من غنائم الحزب و مكاسبه سواء في مواسم الانتخابات أو في التدبير الداخلي للحزب ، و قد حدث ذلك في المغرب منذ الاستقلال حتى الآن و هو ما أدى إلى تفريخ أحزاب و تقسيم ما هو مقسم أصلا و ارتفع بذلك عدد الأحزاب بكبيرها و صغيرها الى ما يقرب من الأربعين ، فما الجدوى من هذا الكم الهائل من الأحزاب التي عمد بعضها مثلا إلى استنساخ الشعارات و الأدبيات من بعضها الآخر ، بينما البعض منها يفتقد الى هياكل تنظيمية و برامج واضحة و أتباع حقيقيين و تكتفي بمنطق الزاوية التي لها شيخها و ثلة من المريدين المحيطين به .
التشرذم أدى إلى اختلال بين في مدى قدرة الحزب على التواصل السياسي و التمكن من إثبات الوجود و الحضور خارج مواسم الانتخابات، و أكثر من ذلك عدم التفاعل مع الأحداث الوطنية و اتخاذ مواقف إزاءها و العجز عن ترجمة ما ورد في الدستور بخصوص دور الأحزاب فيما يتعلق بتأطير و توعية و تكوين المواطنين .
و لم يستوعب الكثيرون مع الأسف روح و مقتضيات قانون الأحزاب ، حيث لازلنا نشهد بين الفينة و الأخرى استقالة أو إقالة فلان من حزب و انتقاله إلى حزب آخر ، و لا زلنا نشهد استقطاب حزب لأفراد من حزب آخر لتعزيز الصفوف كما يقال في كرة القدم حيث يصطلح على هذه العملية بالميركاطو أو سوق انتدابات اللاعبين ، و هو ما يعني الترحال و تبديل الأجواء و البحث عن المصلحة الذاتية بكل معانيها المادية بالخصوص ، و تطغى هذه الظاهرة عند اقتراب موعد الانتخابات التي تتطلب التسخين و الاستعداد الذي يشمل التغيير في تشكيلات الأحزاب على غرار ما يحدث للفرق الرياضية و هي تستعد للمنافسة على نيل لقب أو حمل الكأس ، فمتى سنفكر في الرفع من منسوب الديمقراطية عن طريق التقليص من عدد الأحزاب و احترام قيم و مبادئ المشاركة السياسية ذات المصداقية و التفاعل الايجابي مع المواطنين بهدف إرجاع الثقة لديهم في كل ما له صلة بالعمل السياسي ؟ إنه السؤال الذي سيظل معلقا طالما أن الباب لازال مفتوحا على مصراعيه أمام كل من هب و دب لتأسيس ما يسميه حزبا ، في حين أن الإختيار الديمقراطي يقتضي أولا قبل أي شيء آخر تخليق الحياة السياسية و النأي بها عن كل الشوائب .







