
طارق المعروفي·
لقد رحل كثير من الرواد الذين رفعوا مجد الأغنية المغربية، و تركوا بالتالي فراغا هائلا. أما من بقي منهم على قيد الحياة، فقد اختار الانسحاب من هذا الميدان، بعدما وجد نفسه غريبا داخل فضاء تغيرت معاييره، و تبدلت فيه القيم الفنية. و في ظل هذا الغياب و هذا الفراغ، فتحت الأبواب على مصراعيها أمام موجة من الأسماء تدعي الفن و الإبداع و ما هي بذلك.
في الماضي لم تكن الأغنية المغربية عابرة يتم نسيانها بسرعة، بل كانت ذاكرة اجتماعية وذوقا فنيا متميزا، بحيث كان الرواد يعتبرون أن الأغنية رسالة قبل أن تكون سلعة، و أن الكلمة مسؤولية ،و أن اللحن بناء روحي لا مجرد إيقاع سريع للاستهلاك العابر .
و اليوم أصبحت الساحة الفنية خاضعة لمنطق الربح و الانتشار الرقمي، لا منطق الجودة و الخلود. حتى أصبحت الأغنية تنتج في ساعات قليلة داخل غرفة صغيرة، باستعمال حاسوب وبرامج إلكترونية. و لهذا كثرت الأغاني، و تشابهت لأنها نابعة من الحاسوب و البرمجة و ليس من آلة موسيقية و جوق متماسك، و هكذا ضاع الفن و ارتفع الضجيج . و انتبه هؤلاء إلى منبع الربح السريع و هو الأغنية الشعبية ، و هم يجهلون أو يتجاهلون أن هذه الأغنية الشعبية المغربية الأصيلة، كانت فنا عميقا نابضا بالحكمة و الهوية و النبض الاجتماعي ، و كانت تعبر عن الإنسان البسيط و عن الحب و الكرامة و الغربة و الفرح و الألم بكلمات راقية و ألحان صادقة . أما ما يتم إنتاجه اليوم و ترويجه، فلا يمت بصلة إلى ذلك التراث ، لأنه تجاري محض، يقوم فقط على الإثارة اللفظية و الإيقاع الصاخب، كما يخاطب الغرائز أكثر مما يخاطب الوجدان.
إن الفنان الحقيقي هو الذي يبقى في الذاكرة و لا يقاس بعدد المشاهدات أو الترويج الإعلامي، لأن هناك فرقا شاسعا بين أغنية تنجح لأسبوع و أغنية تعيش خمسين سنة فما فوق.
إن أزمة الأغنية المغربية اليوم ليست أزمة أصوات أو مواضيع فقط، بل هي أزمة ذوق وثقافة ورؤية. فعندما يغيب التكوين الموسيقي، ويضعف دور الإعلام الجاد، وتتراجع مكانة الكلمة الراقية، يصبح من الطبيعي أن يتقدّم الضجيج على الفن.
و الساحة الفنية اليوم يسيطر عليها أولائك الذين نصبوا أنفسهم”نجوما” للأغنية المغربية، و ذلك بمساعدة جزء من الإعلام الذي ساهم في تكريس هذا التراجع ، و بمساعدة بعض المنابر الإعلامية التي فضلت منطق الشهرة على معايير الجودة الفنية .
و لهذا فإنه من الواجب علينا احترام الذوق المغربي و القيم الفنية الأصيلة،
و انتظار من سيحمل المشعل بجدية و وطنية صادقة للنهوض بالأغنية المغربية ، لأن العديد من المتواجدين اليوم في الساحة الفنية، باتوا بعيدين كل البعد عن روح هذا الميدان النبيل، القائم على التضحية، وحب الفن، واحترام ذوق المتلقي.
Views: 20







