
شيخ العيطة الحسين السطاتي
الفصل الأول
نهاية فصل الربيع، الجو ساخن واليوم سبت، الوقت بعد العصر بقليل، سماء ناصعة صافية، وزرقة لاهبة تطليها في هذا اليوم الربيعي، من أواخر شهر أبريل سنة ألفين، الوقت عشية قد تجاوز العصر بقليل، القرية تحتفل بعرسانها، والموسيقى الصاخبة تدق في شراسة، فوضى ضجيج مكبرات الصوت تكسر سكينة وهدوء القرية الصغيرة، كل شيء كان يسير في أحسن الظروف بحفلة زفاف بمركز القرية النائية “عين قيشر” التابعة لنفوذ مدينة “أبي الجعد”. قرية من بين آلاف قرى المغرب العميق.. الزوجان “الغزواني ورحمة” فرحان بليلة العمر، أفراد الأسرتين يتحركون بغنج ونشاط وهمة، من أجل أن يكون الحفل في مستوى تطلعاتهم، ويمر عرس “الغزواني ولد الحاج عبد الله الفكاك” في جو من الرضا والهناء، الحضور المدعو للعرس يعيش نشوة التفاعل مع إيقاعات العيطة للمجموعة الشعبية المنشطة للعرس”شيخات وادي زم”، داخل فضاء الخيمة الكبيرة”خيمة المرحوم “القائد بوعبيد”، المنسوجة تقليديا بمهارة من وبر الجمال والماعز، والمزينة ب”أقراص الموزون الفضية البراقة”، التي كانت تبدو من الداخل كسماء ظلماء في ليل بهيم مدلهم ترصعها نجوم براقة..تلك الخيمة المتوارثة أبا عن جد من السلالة القايدية، المنصوبة بالفضاء الفسيح أمام الدار، والمبثوثة بزرابي حمراء تقليدية، والمشرعة بالدوار على الريح والغبار..
أشعة الشمس تفقد حدتها وتتحول بالتدريج إلى رقة الغروب وألوانه..صهيل الخيل وصوت طلقات البارود يملأ المكان، عرس كبير بفرجة فن العيطة والفروسية التقليدية “التبوريدة”، فرسان مبتهجون فوق سروج جميلة مطعمة بالديباج والحرير، مطرزة ومزركشة بخيوط مذهبة، أبدعت فيها يد الصانع التقليدي المغربي، ونقشت عليها تطريزات وزخارف تبهر الناظر لشدة التناغم والإتقان، تتدلى منها أجراس نحاسية صغيرة رنانة ترن مع همس الحوافر، وخناجر فضية مصقولة مختلفة أحجامها تتدلى على السرج وهي تحاذي الفخذ الأيمن للفارس.. همس رنين الأجراس يتسرب إلى الوجدان، يحدث جلجلة لا تتوقف، يعزف سيمفونية متناغمة تحبس لها الأنفاس وتقشعر لها الأبدان، كأنها أجراس مبحوحة في سوق للرقيق، مجموعة من الفرسان الخيالة فوق جيادهم، مرتدين برانس بيضاء أنيقة، فوق جلابيب ناصع بياضها، وسراويل “القندريسي” الأبيض الفضفاض، ويحتذون أحذية بيضاء طويلة تصل إلى الرُكب “التماك”، معممين بعمامات صفراء، وجوههم تتوضأ بالشمس التي لونت سحناتهم، وأغرقت ملامحهم بسمرة عميقة، همهماتهم تمتزج بسنابك الخيول، التي كانت تسير في ركضها أشبه بعاصفة من تراب، وهم يؤدون للمرة العاشرة لوحات فنية استعراضية من عروض الفروسية التقليدية “التبوريدة”، ويبدون كمحاربين حقيقيين في حركة.. صهيل الخيل يصرخ كالتحدي، وحوافرهم تندفع فوق التراب…مثل إيقاع سريع على عشرات البنادير، بنادق ترُفع إلى الأعلى مصوبة نحو الأفق، والخناجر الفضية ترتفع وتنخفض في غمدها على جانب السرج.. الخيول مصطفة، متقاربة ومتحاذية، تتحرك في بطء متربص، وصوت “العلام” الشيخ الأسد “الحاج احمد ولد مبارك الشلخ”، بقامته المديدة وبهيئته وطلعته المهيبة..-قائد سرب الخيل- يتردد كنداء للهجوم، بين الحين والحين ينفصل بحصانه “الأدهم” المحجل الأغر، عن باقي الخيول.. كان جواده أفره الخيل.. شد الخيال “العلام” اللجام، فساط الفرس قائما على قائمتيه الخلفيتين وهو يصهل، ثم قاده أمام سرب الخيل جيئة وذهابا وكأنه مايسترو يُسير بحرص فرقته الموسيقية، ودار بفرسه دورة سريعة تفقدية في يقظة، ثم عاد إلى مكانه في الوسط صارخا بصوت مدوي راعد:
-واااااالرمى.. واااا الحافيظ الله..أراو الخيل…

يطلق الخيال “الحاج أحمد” العنان لحصانه، وهو يرعد بصوت جهوري: “وااا الخيل”، يتبعه السرب في تبختر.. خيول بالغة أنيقة ومدربة، بأزياء راقية، تشرع في الركض بحماس، تتنافس من أجل التباري، في استحضار لحماسة محاربين قدماء، واسترجاع لمجد عريق غابر.. الغبار يرتفع سحبا طويلة من الخلف، وحركة الخيول وهي تجري وتندفع إلى الأمام ثم تتوقف تدريجيا تحت شدة اللجام تأسر الناظرين..تبدو الخيول هي الأخرى فرحانة بالعرض؛ العرف إلى الأعلى في الهواء وبياض العين يلمع في جنون، ويزين اللوحة مشهد البنادق وهي تتخذ وضع الاستعداد، يتبعه نداء طويل شبيه بالعويل كنذير بالمعركة، ثم دوي صوت طلقات البارود دفعة واحدة متناسقة متناغمة المسماة ب”القرصة” تشهد على براعة “العلام” ومجموعته. وقد شكلت طلقات البارود تحت حوافر الخيل غيوما دخانية جعلتها تبدو وكأنها تركض في السماء على سحب بيضاء..وبزغاريدهن الصاخبة تساهم النساء في تأجيج حماس هذا الاحتفال الكرنفالي، طقس يحرك وجدان الحاضرين.. جمهور غفير من مختلف الأعمار والأجناس متعطش للفرجة والمتعة، يتتبع فرجة “التبوريدة” على أنغام العيطة في انشراح ويسخر من الخيالة الضعفاء قليلي التجربة. سقاء الماء “الكَراب”، “سي عبسلام”، بيده اليمنى جرس النداء النحاسي، وباليد الأخر إناء معدني “طاسة” نحاسية يلمع ماءها تحت وهج الشمس اللاهبة، هو الآخر يستمتع بالفرجة ويصنعها، ويطفئ العطش وهو يطوف بين الحضور كزهرة شقائق النعمان في بدلته الحمراء، وقبعته ذات الحواف العريضة المصنوعة من سعف الدوم والنخيل، المزينة بخيوط صوفية بألوان الطيف التي يغلب عليها اللون الأحمر، وطاساته الثلاث النحاسية معلقة على صدره كأوسمة شرفية تشهد على عقوده الستة في الحرب ضد العطش..أطفال صغار كالغزلان المرحة ينطلقون في سعادة وسرور فرحين بجو العرس البهيج. إنه عرس البادية المغربية، يجمع بين فرجة فن العيطة “الشيخات” وطقس الفروسية التقليدية “التبوريدة”.. موروث يستمر بين حلم الشباب وإرث الأجداد…
الشمس تميل إلى الغروب، الجو معتدل، سماء صافية خالية من الأديم، اختلطت أصوات صهيل الخيل، بأصوات الشيخات في “العيطة البيضاوية”، والمدعويين للعرس يأتون فرادى ومثنى وثلاث ورباع.. يفدون مطربشين ومقبعين ومعممين..وترددت التحيات بين نبرات ترن بالمرح، وأخرى أوتارها مرخية..الحفلة في أوج اشتعالها بلهيب النشاط، أما القلة من الرجال الواقفين عند مدخل الخيمة فهم من أبناء العائلة يحرسون الحفل من المتطفلين والدخلاء..داخل الخيمة مزدحم بأنماط البشر، تبودلت التحيات والمعانقات، وكانت إشراقة الفرح والبِشر تلوح على الوجوه، الأطفال يثبون هنا وهناك في فرح طفولي غامر، يجرون ويتقافزون كالأرانب الصغيرة حول الخيمة الكبيرة، غير عابئين بالصيحات التي تنهرهم وتدعوهم إلى التريث والحذر..”الحاج أحمد بن مبارك الشلخ”، سائس الجياد، “العلام” ومقدم سرب الخيل.. يرقص فوق حصانه الذي يرقص هو الآخر على أنغام العيطة البيضاوية، ينسج الحصان خطى متثاقلة يؤديها في تناغم فريد على نغمات العيطة المرساوية بأغنية “السعيدي” بباب الخيمة الكبيرة. يقفز”الحاج أحمد بن مبارك” نشوانا قفزة شاب يافع، من فوق فرسه الأدهم -العربي الأصيل الأسود الغري- يرقص مزهوا، ممسكا بحبل اللجام، يستأنف مراقصة الحصان الذي بدوره يراقصه وجها لوجه في حركات مثيرة تأسر عيون المتفرجين..والفرس الأدهم يواصل ضرب الأرض بحوافره ويهز رأسه وعنقه إلى أعلى وأسفل، تماشيا مع موسقيى العيطة البيضاوية المنبعثة من داخل الخيمة، والصادحة بها حناجر الشيخات..
الفضاء يكتنفه الضجيج والغوغاء، الخيمة تطن كخلية نحل تستيقظ، قفاطين “الشيخات” الأربعة الحمراء اللون تمسح الأرض، لقد اخترن اللون الأحمر كأنهن محاربات شيوعيات يعلن الثورة والحرب على الرجال وعلى المجتمع الذي ينبذهن.. وجوههن مبتسمة، يُقرأ في عيونهن حزن عميق..كلهن قست عليهن ظروف النشأة وضغوط العائلة المسحوقة..وقد شدت كل شيخة وسطها بحزام أسود مرصع بأقراص لامعة في لون الذهب، “حزام الموزون”، يكاد يقصمها إلى نصفين، يضحكن في خلاعة، ويقرعن باب النشوة بأقدام حافية.. زينتهن تبهر العيون، وتُميل الرؤوس، وكأنهن لعب جميلة من دمى المجتمع البدوي.. يتبخترن، يزرعن الابتسامات ونظرات الغواية، الحياء لا يعرف طريقه إليهن، نساء يشبهن بعضهن في أدق التفاصيل وكأنهن واحدة…الأجساد مثخنة امتلاءات، والأرداف الممتلئة الشبقة، والنهود الكاعبة النافرة.. والأغرب أن الشبه يتعدى الشكل، روح مشتعلة، متلهفة، محترقة..دفن أحلامهن الوردية تحت الأنقاض ولون حياتهن بسواد قاتم. نسوة اخترن العيش على حافة الفضيحة والانغماس في حياة اللهو، فنانات، مغنيات وراقصات.. لم يتخرجن من جامعات ولا من مدارس ولا من معاهد موسيقية، وجدن أنفسهن فنانات بالسليقة والصدفة، في عيونهن يرى خليط من الصور التي تجمع بين الجرأة والتحدي والإحباط، سلاحهن لكسب معركة الحياة حناجرهن ومفاتن أجسادهن، يصنعن الفرجة والفرح ويكسبن النكد والألم، لكل واحدة منهن قصة تختزل التحاقها بعالم العيطة والليل..عالم الشيخات والموبقات..الكل في الخيمة يمارس حولهن هواية التفحص، والتلصص، والتمعن.. كأن الأمر يتعلق بكائنات غرائبية حطت للتو من كواكب مجهولة، الأولاد فتحوا القمصان ليكشفوا عن جلد في لون البن المحروق، وجوه سمر مشدودة، يشرق الابتسام فيها بسهولة، يضحكون بسبب وبدون سبب..وذقون ينبت منها الشعر في إهمال..وأعين جائعة تدور كالرادارات، بعضها يتعلق بتلابيب فاتنة ويحاول أن يسترق النظر إلى ما تبقى من تضاريسها المنفلتة، والبعض الآخر يتفحص وجوه الغرباء في استغراب..
تبدو الخيمة من الداخل مزررة بالأقراص الفضية اللامعة كسماء ترقص فيها النجوم..وأجهزة موازنة الصوت موضوعة متصافة والميكروفونات في أعمدتها الحديدية منحنية وكأنها تحيي المغنيين على هذه الليلة المشهودة..يسوي الشيخ الكومنجي “العريبي الخيراني”، من جديد أوتار كمانه الغجري، وهو شيخ مسن يصارع الزمن الغادر، يُرَقِصُ الشيخات وكأنما يُرَقِصُ أفاعي حيات، يواصل لعن الحياة القاسية التي فرضت عليه طقوسا استثنائية لتوفير لقمة خبز غير سائغة، شيخ تعدى الستين من عمره، نحيف البنية وقصير القامة..فنان شعبي متمرس في الحرفة، ذو سحنة قمحية، ووجه بيضوي، وعينان ضيقتان، وفم أذرذ خالي من الأسنان إلا من ناب مهمل، غزت التجاعيد البارزة جبهته المسطحة، واكتسح الشيب الشعيرات المتبقية على رأسه، ترتجف يده اليمنى بفعل إدمانه الخمر والسجائر والكيف، زيادة على قسوة عمله اليومي الفلاحي تحت لهيب الشمس الحارقة، لكن يده تستقيم فور أن تمسك بقوس الكمنجة، له أصابع طويلة رقيقة بارزة الثنايا كقصب الخيزران، ويدين معشوشبتين بالشَعر ضامرتين بالفقر والقهر..
داخل فضاء الخيمة تزدحم الأبدان، تلتصق العيون الجائعة بمفاتن المغنيات “الشيخات” النشيطات الناشطات، تنطلق الفرجة داخل الخيمة وخارجها، وعلى الرغم من احتجاج “الحاج عبد الله الفكاك” وبعض الشيوخ الكبار، فإن المشروبات الكحولية كانت متوافرة من كل الأصناف وفي كل ركن من أركان الخيمة.. امتلأت الرؤوس بمسحوق الكيف والكؤوس، واستأنفت وصلة الأغاني العيطية.. الكمنجة تنوح باكية، والبنادير تدق داوية شاكية في شراسة، وآلة “الطعريجة” تقرع وتصدر فرقعات كأنها شرارات من نار، والزغاريد تعلو وتنخفض..وكانت الشيخة “مليكة” الملقبة ب”الزريقة” وهو اسم الدلع والشهرة، جميلة الشيخات وأصغرهن سنا، وأمهرهن في الحرفة، تتقدم الفرقة المنشطة..عمرها بين الخامسة والعشرين والثلاثين، ذات بشرة بيضاء وعينان زرقاوان صافيتان، صدر ناهد نافر، وشعر منسدل على كتفيها يتعدى خاصرتها ويوشك أن يلامس ساقيها، ذلك الشعر الذي أعطاها لقب “مولات السالف”، والبعض ينادونها “مولات الباك” معروفة أنها الشيخة الحاصلة على شهادة الباكالوريا، ذات قوام ممتلئ، فتاة جميلة ساحرة تستهوي القلوب وتجتلب الألباب، ذات نظرات غريبة صاعقة لامعة، يقضي المتفرس فيها حين يراها أنها نظرات مريبة، ألفت الاجتلاب والافتتان من عهد بعيد..تمسح الخيمة بعينيها الواسعتين المنومتين وهي تدرك تماما أن العيون كافة تحدق إليها..وترفع عقيرتها بالعيطة البيضاوية المرساوية “الشاليني”، وقد شق صوتها الرفيع المشروخ المجروح، فضاء المكان المزدحم بصنوف شتى من عباد الله الزاهدين في محراب العيطة، وعينها اليمنى ذات الجفن المنكسر تغمز وهي تنوح وتعيط على المحبوب بصوت حاد ذو صرير:
الشالينـــي يا بابا …ديرني حــــــــداك…دبا تحتاجني يا سيــدي
ياوليدي يا وليـدي …درتها بيدي يا سيدي…هذي على الباليني
كَولو المحبوب يا سيدي…حبنا مكتــوب…والله يعفو ويتوب يا حبيبي
يا حبيبي يا حبيبي …الله يصفي القلوب يا سيدي…حبيبي الشالينــي
وتتناوب الشيخات، في النداء على المحبوب، بين أبيات هذه العيطة البيضاوية الخالدة، إلى أن يختم الشيخ “العريبي الخيراني” الوصلة الغنائية بشدرات عيطية في أبيات قصيرة ومعبرة، بجمل مبتورة مشفرة، من عيطة “الحساب الزعري” في انشراح وهو يردد بصوت خروفي أجش مبحوح وكأنه سعل دهرا :
-ودادا يا دادا وعدعــــدا…فوت علك الخيل…وشوف لك بغيل
– ودادا يا دادا وعدعدا…ضربت العــــرس….ما تدير الحــس.
– ودادا يا دادا وعدعدا…ندبو يا الشيخات…الحب كَالو مـات.
– ودادا يا دادا وعدعدا…الفروج المــزوق…محال يعوق.
– ودادا يا دادا وعدعدا …البنيدير تقبتيــه…أنتِ فين شطحتي بيه
– ودادا يا دادا وعدعدا…بدل الكســـــوة…بفلوس الرشـوة
– ودادا يا دادا وعدعدا…الفيم باش نعض…شد فيه المرض
– ودادا يا دادا وعدعدا…كَولو لسطيلة…تطل ع طليلة..
كان الشيخ “العريبي الخيراني” يعزف أنغاما حزينة تترجم بالضياع، وبالنجدة والإنقاذ، وكانت أصابعه الناحلة المعروقة تداعب أوتار كمنجته الغجرية في انسيابية، والقوس باليد اليمنى يقسمها من النصف وكأنه يمسك بحفيده يزيل أوساخه داخل حمام تقليدي.. فكان وهو يغني، يتفنن في سرد الفضائح، مختزلا هموم الناس ومشاكلهم في عبارات فجة، وفي قالب فكاهي ساخر لكنه حزين وله معاني، يعبر عن قيم إنسانية. تماشيا مع نحيب الكمان، ونداء الشيخات..بينما كانت “البنادير” ترسل فيضا من ألحانها الداوية والطعريجة تطلق طلقات وكأنها رصاصات تنبعث من سلاح ناري في يد جندي يقصف عدو في قصف متواصل مسترسل….
كانت الخيول واقفة أمام الخيمة والخيالة فوقها، وهي تطل من أعلى بعيون تبدو قلقة، ترفع رؤوسها في الهواء بخيلاء، وتنقل ثقلها من قدم إلى قدم في خفة ونخوة، كأنها ترقص على نغمات “العيطة البيضاوية” المنبعثة من داخل الخيمة، والصادحة بها حناجر الشيخات، ومن ورائها سماء زرقاء صافية، أخذ لونها يضعف بالتدريج تحت وهج الشمس الغاربة، والأطفال الصبية يرقصون ويضحكون ويلعبون ويتداعبون..
الوقت يمر بسرعة، ساعات الفرح تطير، الفرحة ترقص في القلوب والنشوة تشتعل في النفوس.. الليلة مفعمة برائحة البارود والدخان، وصوت الزغاريد والهتافات، ونحيب الشيخات..قبيل غروب الشمس بقليل، بدأت تغمر الجو لفحات نسيم الهواء الطلق تكتنفها رطوبة لطيفة عبقة بروائح نباتات وأشجار عطرة توقظ في النفس كوامن النشاط والحيوية.. عقلت خيول التبوريدة بعضها بمعاقل قريبة من خيمة الحفل، وبعضها عقلت إلى الأشجار، وأخرى إلى حلقات خاصة مدفونة في الجدران ورابعة اقتيدت إلى الإسطبل..وهب الفرسان الخيالة إلى الداخل، الموسيقى تصدح، النساء تزغرد، والحمير تنهق بالخارج والخيل تصهل والكلاب تنبح إلا القطط وحدها قد توارت عن الأنظار..لقد حضر معظم أهل القرية للعرس، سواء منهم المدعوين أو غير المدعوين للعرس، وحتى من مدن مجاورة، لقد شاع منذ شهر بالمنطقة خبر الفرح، بأن عرس ابن رئيس جماعة قرية “عين قيشر” ستحييه “رباعة الشيخات” للشيخ “العربي الخيراني” والشيخة “مليكة الوادزامية”..
الوقت يمر بسرعة، الخيمة الفسيحة تغلي بالحضور الكثيف، وقد اكتملت الصورة، اختلطت الأنغام بالصياح والتأوهات، والضحكات والقفشات والحوارات..واكتظت الحفلة بالمدعوين وعابري السبيل، وغيرهم… رجال بدو لوحت الشمس بشرتهم، شباب مزود بما يكفي من قناني النبيذ مئونة للعرس…، الأسِرة المحيطة بالداخل مملوءة عن آخرها بالزوار، والباقي كل فرد جلس كما يحلو له، هذا متكئ، وذاك مقرفص، والذي بجواره في جلسة بين القيام والقعود، والآخر مستسلم لوثارة الكرسي، والبعض يتوسد كتف رفيقه، ومنهم من خلع جلبابه القديم ليجعل منه مسندا لركبته، لا يهم التناسق في اللباس، ولا قيمة للهندام، ولا اعتراف بالمظاهر، كل شيء طبيعي فحتى الضحكات كانت من الأعماق..وكان “الحاج عبد الله الفكاك” يستطلع ما حوله ويرحب بالضيوف، وفجأة طفر من الباب الداخلي للدار، سرب من الأطفال صبيان وبنات جميعهم في ملابس نظيفة وأنيقة، أكبرهم يناهز العاشرة من العمر، على رأسه طاقية صوفية برتقالية اللون، وضع على الأرض مصيدة فيها جرد كبير أغبر وفتح بوابتها، اندفع الجرد السمين إلى الخارج وهرع يتنطط بصعوبة نحو باب الخيمة، انطلق الصغار خلفه يتعالى صراخهم وسرعان ما تناهت هتافاتهم السعيدة الظافرة وصيحة أحدهم: “هذا هو العشا ديال الشيخات”، فضجوا ضاحكين..أسرع إليهم “قنينيفة” راعي الغنم ملوحا بعصاه عليهم، ومهددا اياهم بمنعهم من فرجة الشيخات، ففروا منه هاربين..
الحبور يعم الصدور، حديث مرح وجلجلة ضحك، مع العيطة يحلى السمر..مع الشيخات يمرح البدويون وينسون الخصومات والنزاعات، ومنهم من ينسون حتى أنهم متزوجون، وجوه قوية صدئة لفحتها الشمس، لحى مزغبة وشعور مشعتة منفوشة.. تقاطيع كالصخر تحميها القبعات، هذا معمم وذاك مقبع، وآخر مطربش.. المناكب تتكئ على بعضها البعض، أجسام في جلابيب سوداء كالوطاويط الضخمة تمتد على الأرض… ومنهم من شقق جلد وجوههم فأصبحت كجلود السحالي..وأعينهم ملتهبة من وهج شمس النهار ودخان الخيمة.. الجل موجه النظر إلى مجموعة الشيخات المنشطة، البعض منشغل بالمسكرات والمخدرات، والبعض مشغول بالمنشطات والمؤخرات..تأتي وفود المتفرجين الأجانب من الدواوير الأخرى المجاورة ومن القرى البعيدة، وحتى من مدن مجاورة، يجذبهم حب فن العيطة..كانت “رباعة شيخات وادي زم” هي تلك الخلية للنحل التي تسقي عسلا للمحرومين بالمنطقة..ومن الحضور في الخيمة من يتحلقون جماعات، إذ كانت الأسماء تختلف حسب الألقاب، فمنهم من يحمل اسم مدن وعواصم دول غربية، ومنهم من يحمل أسماء مشاهير في الفن والسياسة، ومنهم من له أسماء رؤساء دول وحتى أسماء البهائم والحشرات: “صويلح طورينو، الغزواني مارساي، بعيز ميلانو، الحبيب قمامة، سعيد غزلان، امحمد الرويبعة، الميلودي الحنحان، أحمد الخطار، سعيد جاك شيراك، شعيبة بوش، المعيطي ساركوزي، عويقة القافز، الهويشمي رونالدو، الجيلالي شارون، الحفيان بوتفليقة، بحيبح ولد جويليقة، أحميدة عتابو، عمر ولد الصوبا، صالح ولد الكرشة، حويسين الكمانجة، عليوات الشيكي، بوجمعة الفخ، حمامة الشطاح، الميلودي الطحيشة، العريبي الدحيشة، سليمان قرطالو، مبارك النعيرة، قويسم الدبيبينة وعمجيد سطيلة وآخرون…..”، أشخاص يحملون كنى ألصقت بهم، فالألقاب عندهم لا تخلق اعتباطا ولكل واحد نصيب من اسمه الجديد..وجوه مرهقة تظل نهارا تترنح تحت لهيب الشمس الحارقة، عطشى كفروع الأشجار التي جفت من قلة الماء، ومتعطشة لمثل هذه الليلة، إنها ليلة استثنائية بالنسبة لهم، تؤشر على ليلة حمراء ساهرة حافلة بالملذات وضروب اللهو.







