• عنوان القصيدة: (أشواق مبتورة)
• الشاعر: عمر علي
• بقلم الناقدة: دة.عتيقة هاشمي

• توطئة:
تشكل قصيدة ( أشواق مبتورة) نصا شعريا خصبا لتطبيق نظرية التلقي خاصة مفاهيم جماليات التلقي التي جاء بها هانس روبرت ياوس وفولفغانغ إيزر لأن النص الادبي لا يقدم دلالات جاهزة بقدر ما يترك للقارئ مساحات لملء البياضات وبالتالي تحقيق أفق انتظاراته أو كسرها.
في هذا الإطار، سنحاول استجلاء هذا الأفق كما سنقف عند الفجوات النصية لنمط اللثام عنها. فماهي هذه الفجوات التي حفل بها هذا النص الابداعي؟ وكيف سيتلقاها القارئ؟
● أفق التلقي / أفق توقعات القارئ
يلاحظ القارئ لهذا النص منذ الوهلة الاولى كيف يتحرك النص في عملية مد وجزر بين استدعائه لأفق توقعات كلاسيكي، وبين دهشته بكسر هذا الأفق عبر مفارقات متعددة.
– عتبة العنوان (أشواق مبتورة): يجمع هذا العنوان بين تيمتين متضادين حيث يثير منذ الوهلة الاولى في ذهن المتلقي أفقاً رومانسياً تحيل عليه لفظة (أشواق = الحنين والاشتياق واللوعة والصبابة والحرقة والوله والجوى والوجد…) وهي الفاظ حمالة دلالات متنوعة غير انها تتفقت في جوهرها إذ تحيل جميعها على مشاعر الشوق ولكن هذا الشوق يتوزع بين العشق الهادئ منه والجارف والمؤلم أو المعذب والذي يضيق به الصدر…، لكن سرعان ما يصطدم المتلقي بالجزء الثاني من العنوان (مبتورة) ليصاب بالدهشة والصدمة إذ تحيل اللفظة على البتر وهي لفظة قاسية من حيث الدلالات والإيحاءات التي تدل عليها إذ يقصد بالبتر، القطع والاستئصال والحذف والْجَذَع والعدم والفناء والألم…) هذا التناقض يخلق فجوة تدفع القارئ إلى الغوص في النص ليتعرف على كيف ولماذا بترت الأشواق؟.
– انكسار الشوق : من المعروف في الشعر العربي ان يربط الشاعر الشوق باتساع مدى الأحاسيس، والوقوف على الأطلال والبكاء على الدمن من شدة الحرقة، وما الليل والنجوم والكتمان والعواذل والوشاة وغيرها إلا إشارات على حجم الاشتياق. ولكن الشاعر في هذا النص نجده يصدم المتلقي بعبارات قوية تكسر أفق انتظاره (سماءات عشقك ياسيدتي / شمطاء عابسة بليدة ليس من قنديل شوق يضيء / عتمة أغانيها الزهيدة) حيث يفترض ان الشوق يبعث الحياة في الأرماق لا الشيخوخة والبلادة، يقول: (شمطاء عابسة بليدة )، والضوء منعدم (ليس من قنديل شوق يضيء). إن هذا الكسر لأفق الانتظار يدعو المتلقي الى إعادة النظر في التأويلات التي يدل عليها مفهوم (الشوق/العشق) حيث بات مصدر إزعاج ومعاناة.
●الفجوات النصية:
تشكل الفجوات النصية او البياضات التي تتخلل النص محفزا للقارئ في استجلاء ذاك الخيط الرابط بين الجانب الفني للنص والجانب الجمالي حيث يتمكن القارئ من إبداع النص الحقيقي اثناء قراءته، والقصيدة موضوع الدراسة تحتوي على فجوات كثيرة ومتنوع.
– فجوة السببية
تنطلق هذه الفجوة من السؤال الكبير الذي يعترض المتلقي بمجرد ما ان يشرع في قراءة النص، ما الذي وقع بين الماضي والحاضر؟ ولماذا تحولت السماء إلى هذا الحال؟ حيث اصبحت (سماءات شمطاء، غيمة بلهاء، وردة تتلو ترانيم ذبولها). إن الماضي لدى الشاعر هو ماض مشرق وحي بينما الحاضر أصابه البتر والذبول. هذه الثنائية الضدية التي تملأ القصيدة فراغات (الحياة في مقابل الموت) والتي تولدت عنها ثنائيات عبر عنها الشاعر بقوله:(شذى ريحان نورها تلوك في فم غيمة ولع بلهاء…/ تشدو لحن أشواقها المبتورة على أنغام سيمفونية فريدة) تتيح للقارئ ان يملأها بتقديرات تتباين بين الهجران والألم والانكسار والخيبة… وهو ما يساعد القارئ من مجرد متلقي الى فاعل في بناء دراما عاطفية ..
– فجوة ترميم الرديء
يذكر الشاعر في نهاية القصيدة: (ترمرم مراجيح أحلامها الرديئة)، يبدو من الغريب ان يرمرم الشاعر احلاما رديئة. والأكثر من ذلك انه يفعل ذلك على أكتاف نجمة متلاشية، وهذا يعني انه على القارى ان يتأرجح بين تأويلين، أحدهما التشبث بأمل هو في عمقه وهم، وهذا ضرب من العبث، وثانيهما الإصرار على ان يتعلق بهذا الحلم علما أن الشاعر على وعي بأن هذا التمسك يعني الخسارة إذ النجمة البديدة هي رمز للأمل المستحيل.
●دينامية القراءة وبناء المعنى
تحفل القصيدة باستعارات تشخيصية (السماء شمطاء، الغيمة بلهاء، الكوابيس كاشرة). هذا التشخيص الاستعاري يحول العاطفة المجردة إلى كائن حي مشوه يتحرك في ثنايا النص. هذا النص الذي يتأسس على التراسل الحسي حيث يملأ فجوة التجريد التي تدفع بالقارئ الى الاحساس بالاختناق الفكري والحسي والنفسي ايضا، فهو يجمع بين حاسة البصر (عتمة، نجمة)، وحاسة الشم (شذى، تفوح)، وحاسة السمع (ترانيم، تشدو، سيمفونية، تنهيدة).
● خلاصة
خلاصة القول، يتبين جليا مدى السوداوية التي تطغى على النص، هذه السوداوية التي كسرت أفق التوقع الرومانسي مخلفة فجوات نصية تعتمد على درجة وعي القارئ حتى يملأها، ويتمكن من إتمام دلالتها، وبالتالي يصبح هو القنديل الذي سيضيئ عتمة تلك الأغاني مستعينا بتجاربه الإنسانية.
قصيدة: أشواق مبتورة
______________________
سماءات عشقك ياسيدتي
شمطاء عابسة بليدة
ليس من قنديل شوق يضيء
عتمة أغانيها الزهيدة
شذى ريحان نورها تلوك في
فم غيمة ولع بلهاء عنيدة
كخريف وردة تتلو ترانيم
ذبولها العسير بجهيدة
تفوح منها دموع زنابق وجد
هار أوراقها فراشاتها شريدة
وعلى فراش كوابيسها الكاشرة
في أحضان الارق تزفر تنهيدة
تشدو لحن أشواقها المبتورة
على أنغام سيمفونية فريدة
ترمرم مراجيح أحلامها الرديئة
على أكتاف نجمة عشق بديدة
الشاعر علي عمر
Views: 30
























