الكاتب والباحث طارق المعروفي يكتب في حديث الاثنين “المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط: هل يواكب تحولات القراءة أم يكرر نفسه؟”

جسر التواصل3 مايو 2026آخر تحديث :
الكاتب والباحث طارق المعروفي يكتب في حديث الاثنين “المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط: هل يواكب تحولات القراءة أم يكرر نفسه؟”

طارق المعروفي


·يعتبر المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط من أبرز المواعيد الثقافية في المغرب، حيث يلتقي الناشرون والكتاب والجمهور حول جديد الإصدارات الفكرية والأدبية. غير أن هذا الحضور المتجدد يطرح سؤالا جوهريا: هل الهدف منه تشجيع القراءة ؟ أم الترويج للكتاب؟ أم مجرد الحفاظ على تظاهرة سنوية أصبحت تقليدا ثابتا؟
في دورة 2026، يتكرر لدى عدد من الزوار شعور بالألفة التي تقترب من التكرار، إذ يبدو المعرض أقرب إلى مكتبة كبرى مفتوحة؛ أروقة متشابهة وأجنحة مصطفّة، إلا أن المعرض يطرح في شكله العام تحديا حقيقيا في ظل التحولات التي يعرفها عالم القراءة وأساليب التفاعل الجديدة مع المعرفة.
فالقارئ اليوم لم يعد يكتفي بالاقتناء، بل يبحث عن تجربة. غير أن المعرض، بصيغته الحالية، يظل موجها أكثر للمهنيين وبعض المهتمين، دون أن ينجح بالقدر الكافي في استقطاب فئات أوسع، خاصة الأطفال والشباب، الذين يحتاجون إلى صيغ تفاعلية مبتكرة من أجل جلبهم و الاقتراب إلى تطلعاتهم.
إن فئة الشباب، التي غالبا ما تبقى على الهامش، تحتاج إلى إدماج حقيقي عبر أنشطة أقرب إلى عالمها، مثل مسابقات الكتابة، وفضاءات التعبير الحر، ولقاءات تفاعلية مع فاعلين ثقافيين معاصرين. وبالموازاة مع ذلك، يمكن إعادة إحياء فنون الحكي التقليدي وتوظيف الموسيقى والتراث المغربي بشكل تفاعلي، بما يمنح الثقافة المحلية بعدا أكثر دينامية وتأثيرا.
إن الإشكال لا يكمن في ندرة المحتوى، بل في طريقة تقديمه. فبين منطق العرض ومنطق التجربة مسافة كبيرة، وهي المسافة التي لم ينجح المعرض بعد في تجاوزها بشكل كامل. إذ يمكن تخيّل تحولات نوعية تنقل هذا الحدث إلى مستوى أكثر حيوية: فضاءات موضوعاتية غامرة مستوحاة من عوالم الأدب، عروض حكي ، ومسرحيات قصصية، وورشات إبداعية تتيح للزوار، خصوصا الأطفال والشباب، أن يصبحوا شركاء في إنتاج المعنى لا مجرد متلقين له.
كما أن هناك بعض الملاحظات التنظيمية التي تظل حاضرة بقوة.من بينها الحضور اللافت للهيئات والمؤسسات الرسمية التي تستفيد من مساحات مهمة داخل المعرض، لا لعرض إصداراتها إذا كانت فعلا تقوم بذلك، بل للتعريف بأنشطتها رغم توفرها أصلا على منصات رقمية خاصة.وهنا يتساءل المرء ما الفائدة من تواجد هذه المؤسسات الرسمية في معرض للكتاب .
كما تثير بعض اختيارات “التكريم” تساؤلات حول معاييرها، خاصة حين يتم إغفال الفاعلين الناشطين ، والجمعيات المنشغلة و المشتغلة بالثقافة و الكتاب و لها من الإصدارات و المنشورات ما يفي بالقصد ، مقابل تكريمات تبدو أحيانا خارج السياق الثقافي المنتظر.
أما على مستوى البرمجة الثقافية، فإن كثافة الندوات والمحاضرات رغم غناها، تجعل من الصعب تتبعها بالشكل المطلوب، مما يفقدها جزءا من أثرها المفترض. وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة توزيع الزمن الثقافي بشكل أكثر توازنا، يتيح للزائر التفاعل الفعلي بدل الاكتفاء بالمرور السريع.
في النهاية، يمتلك المعرض إمكانيات كبيرة، سواء من حيث البنية أو تنوع المشاركين. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في ما يُعرض، بل في كيف يُعاش. فبين “معرض للكتاب” و”تجربة حول الكتاب”، تكمن مسافة حاسمة، قد تكون هي المفتاح لإعادة تعريف هذا الحدث، وتحويله من موعد سنوي متكرر إلى فضاء ثقافي نابض بالحياة، قادر على إلهام أجيال جديدة وربطها بالكتاب بشكل أعمق وأكثر إبداعا.

Views: 26

الاخبار العاجلة