الكاتب والباحث طارق المعروفي  يكتب في حديث الاثنين : سقوط الرسالة في التلفزة المغربية

جسر التواصل6 أبريل 2026آخر تحديث :
الكاتب والباحث طارق المعروفي  يكتب في حديث الاثنين : سقوط الرسالة في التلفزة المغربية

طارق المعروفي 

شهدت التلفزة المغربية، منذ نشأتها، تحولات عميقة تعكس في جوهرها تحولات المجتمع نفسه، غير أن المقارنة بين ماضيها وحاضرها تكشف عن مفارقة مؤلمة، بل ويمكن القول إنها تعكس تراجعا واضحا في الرسالة الإعلامية التي كان يُفترض أن تظل وفية لأدوارها التربوية والتثقيفية.
في ستينيات وسبعينيات وحتى ثمانينيات القرن الماضي، كانت التلفزة المغربية نافذة حقيقية على المعرفة، ومنبرا راقيا يجمع بين الترفيه والتثقيف. لم يكن المشاهد آنذاك مجرد مستهلك سلبي، بل كان مشاركا في تجربة تعليمية غير مباشرة، يتلقى من خلالها جرعات منتظمة من الوعي والمعرفة. برامج الأطفال كانت تُصاغ بعناية لتنمية قدرات الناشئة، وتعزيز خيالهم، وغرس القيم النبيلة في نفوسهم. أما الشباب، فكان لهم نصيب من برامج تحفّز التفكير والمنافسة الشريفة، مثل برامج المسابقات المدرسية التي كانت تقوم على المعرفة والذكاء، وتزرع روح الاجتهاد والطموح و المنافسة. .
كما لم تغب البرامج الثقافية التي كانت تقدم للمشاهد محتوى غنيا في مختلف المجالات، من الأدب إلى التاريخ، ومن العلوم إلى الفنون. وكانت المسرحيات الأسبوعية، والسهرات المتنوعة، فضاءات حقيقية للإبداع الفني الراقي، حيث تُعرض أعمال تحمل رسائل إنسانية عميقة، وتُسهم في الارتقاء بالذوق العام.
غير أن المشهد اليوم يبدو مختلفا إلى حدٍّ يثير القلق. فقد تحولت التلفزة، في كثير من الأحيان، من وسيلة تنوير إلى أداة تسطيح، ومن منبر للمعرفة إلى منصة للتفاهة. لم تعد البرامج تسعى إلى تثقيف المواطن، بقدر ما أصبحت تلاحق نسب المشاهدة بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب الجودة والمحتوى. فانتشرت برامج تروّج للسطحية، وتُعلي من شأن الإثارة الفارغة، وتُغرق المشاهد في دوامة من الضحك الساذج والمواقف المصطنعة.
وفي خضم هذا التراجع، يبرز موقف شائع لدى فئة من المشاهدين، خاصة من الطبقة المثقفة والواعية، يتمثل في مقاطعة التلفزة المغربية، بدعوى رداءة برامجها وانحدار محتواها. غير أن هذا الامتناع، وإن بدا في ظاهره موقفا احتجاجيا مشروعا، فإنه يطرح تساؤلًا عميقا: أليس هذا بالضبط ما يخدم توجهات القائمين على هذه القنوات؟ إذ يبدو أن الخطاب الإعلامي الحالي، لا يستهدف العقول الناقدة بقدر ما يتوجه نحو فئات يسهل التأثير عليها وتوجيهها، عبر محتوى سطحي يكرّس الاستهلاك السلبي ويحدّ من التفكير النقدي. وهنا تتجلى خطورة الانسحاب، لأنه يترك المجال فارغا أمام خطاب أحادي ، يهيمن على وعي فئات واسعة من المجتمع. ثم إن الأمر لا يتعلق بقنوات خاصة تملك حرية التوجه وفق منطق السوق، بل بتلفزة عمومية تُموَّل من جيوب المواطنين، وهو ما يمنح هذا الأخير الحق الكامل، بل الواجب، في النقد والمساءلة والمطالبة بإعلام يحترم ذكاءه ويعكس انتظاراته.
كما أصبح التركيز منصبا بشكل مفرط على ما يُسمى بالنجومية، حيث يتم تقديم أشخاص يفتقرون في كثير من الأحيان إلى القيمة الفكرية أو الفنية، على أنهم قدوات، في حين يتم تهميش الكفاءات الحقيقية. كما هيمنت أنماط معينة من الغناء والمحتوى الترفيهي الذي لا يحمل رسالة، بل يساهم في تكريس الرداءة وتطبيعها.
إن هذا التحول لا يمكن اعتباره مجرد صدفة، بل يبدو وكأنه نتيجة خيارات إعلامية تبتعد عن تطلعات المواطن، ولا تعكس حاجياته الحقيقية في التعلم والتثقيف. فبدل أن تكون التلفزة أداة لبناء الوعي، أصبحت في كثير من الأحيان عاملًا في تكريس الجهل والبلادة، وإبعاد المشاهد عن التفكير النقدي.
ومع ذلك، فإن النقد هنا لا يعني الدعوة إلى رفض الحاضر بشكل مطلق أو التعلق المرضي بالماضي، بل هو دعوة صريحة لإعادة الاعتبار لدور التلفزة كوسيلة تنويرية، توازن بين الترفيه والتثقيف، وتحترم عقل المشاهد. فالمجتمع المغربي، كما كان في الماضي، لا يزال في حاجة إلى إعلام يرتقي به، لا إعلام ينحدر به.
إن استعادة وهج التلفزة المغربية رهين بإرادة حقيقية لإصلاح المحتوى، وإعادة الاعتبار للكلمة الهادفة، والفكرة العميقة، والإبداع المسؤول. فالإعلام ليس مجرد مرآة للمجتمع، بل هو أيضا أداة لتشكيله وتوجيهه، فإما أن يكون في خدمة الوعي، أو يصبح، لا قدر الله، في خدمة الانحدارو الانحطاط .

Views: 18

الاخبار العاجلة