الوافي الرحموني

الحلقة السابعة عشرة
مَكْسر عَلاَّلشْ :
سُمي بهذا الاسم نسبة ” لأولاد سي علال الذين يعود أصلهم إلى الشرفاء العلمين ، لكنهم آثروا أن يجتمعوا ببعضهم في حي الطوالبة ، فتبادلوا أراضيهم مع أبناء عمومتهم من الشرفاء الرحمونيين ، و لا تزال الوثائق العدلية الموجودة بمستودعاتهم تثبت هذا التبادل …”
كان لهذا المَكسر أهمية بين المنتفعين من الساقية كلها ، باعتباره يشكل نقطة الوسط ، وتستفيد من منسوب مائه أراضٍ كثيرةٌ يمينا و شمالا ، و يطل على الجهة الوسطى للقرية، و منذ بداية شهر ماي من كل سنة يُرفع نداء ترميم الساقية و تجديدها و تنظيفها بصوت عال، يصل إلى البيوت والحقول، النداء هو : ” وَا عَلَيْكُمْ المَعْزَلْ – وَا عَلَيْكُمْ المَعْزَلْ – وَا عَلَيْكُمْ المَعْزَلْ “؛ يرفع هذا النداء بعد صلاة المغرب للإخبار بعمل الغد ، و يكرره المنادي يوم العمل في حدود وقت الضحى بعد قضاء السكان لأشغالهم و عودة القطعان من المراعي إلى إسطبلاتهم . بعد صلاة الظهر، يلتحق كل المعنيين بالساقية بهذا المكان في جو مفعم بالفرح و المرح لاستبشارهم بعودة الساقية التي ستزرع الحياة في كل شيء؛ بما في ذلك العيون التي يتراجع منسوبها ، و المروج التي تذبل أعشابها …، يترأس هذا الجمع أعيان القرية ، في طليعتهم شيخ الفرقة و المقدم و رئيس الجماعة ، يتوزعون عليها في صف طويل كالنمل المتحرك الذي لا يكل و لا يمل ، فجأة يلتحق بهم الأطفال بقارورات الماء لري حناجرهم بمياه العيون الباردة ، طبعا لا يخلو هذا العمل الجماعي الدؤوب من مشاهد فلكلورية و حماسية ، كما لا يخلو من مستملحات ؛ فيتحمس المتميزون منهم لإطلاق العنان لحناجرهم للإفصاح عما بدواخلهم ، فيصدرون مواويل جبلية عاطفية تلهب معاول فؤوس المشتغلين، لذلك فإن ترميم الساقيـة و تنظيفهـا يعتبر فرصـة للمصالحـة مع الذات ، بل هـو فرصة للتطهيـر و الذوبان فــي الجماعة .
يستأنفون العمل في اليوم التالي من الساعة العاشرة صباحا إلى بُعيْد وقت العصر، طبعا يأخذون قسطا للراحة وقت الظهيرة، لتناول وجبة غذائية خفيفة عبارة عن رغيف خبز محشو بالزبدة و المربى (الكونفتور) و كأس شاي، يوفر الأعيان نفقتها من أداء المتغيبين عن الحضور ، بهذه الوجبة الغذائية المتواضعة يرد العاملون الأنفاس عن الإجهاد الذي تُسببه لهم خندق ( فريقش و خندق موعلي) ، فيضطرون إلى شق ممر الساقية من جديد بتلك المنعرجات و تمتينها بالخشب والحجارة وأكياس التراب ، غالبا ما يحدث هذا التخريب بسبب السيول القوية في السنوات الممطرة .
من مكسر أغرينسف إلى الوادي تبقى مسافة قصيرة يخصون لها نصف يوم ، جلهم يتوجهون مباشرة إلى فم الساقية لربطها بماء النهر، و هنا يواجهون صعوبات تحتاج منهم جهدا جهيدا بسبب التقاء نهر لوبر بالوادي المنحدر من رأس الماء الذي يعبث بالساقية في فصل الشتاء و يقطع رأسها و يحولها عينا على أثر . يستجمع سكان القرية جهودهم وكأنهم رجل واحد، يبنون في الحين سورا من الصخور الصوان بالمعبر الأول، ثم يتكتلون على فم الساقية و يشدون وثاقها جيدا بالنهر تحت شعار ” اللهم صل عليك آ رسول الله …” يُتوِّجون هذه النتيجة بكؤوس الشاي، و الخبز المحشو بالزبدة و الكونفيتور، و أحيانا يتكرم عليهم محسن من أصحاب القطعان بجدي ذي قرنين أملحين، فيُطهى على نار هادئة ، و يأكلون منه جميعا، فيختمون مجمعهم بالدعاء له و لقطيعه بأحسن الدعوات ، ثم يعودون مع الساقية المتدفقة بالمياه، و في مقدمتهم فلول الأطفال وهم يتسابقون مع الدفقة الأولى ليبشروا أهاليهم بالضيف العزيز الذي يزرع الحياة في مغروساتهم و عيونهم وآبارهم … و يحيي الأرض بعد موتها .
تنعش مَنْزلة علالش أراضي حَيَّيْنِ أساسيين هما حي علالش، و حي الريف السفلي ؛ بالنسبة للأول تتمركز فيه عائلة أساسية تنتمي لآل الرحموني ، يتواجدون على الساقية مباشرة ، قبل أن تسافر إلى مجراها الأخير؛ منهم أسرة الفقيه محمد بن سلام من آل الهاشمي الرحموني الذي حفظ كتاب الله بمسجدي سي الدوييب و أخوباع ، إنه الفقيه الذي انتقل إلى مدينة الرباط و لا يزال بها، اشتغل إماما بمسجد السُّنة مدة طويلة إلى أن أقعدته الشيخوخة ، وهو الآن في حدود التسعين من عمره أو يزيد عنها قليلا ، أطال الله عمره . و بجوار منزل أبيه نجد بيت ابن عمه الفقيه الجليل محمد بن الهاشمي الرحموني العلمي الذي حفظ على يده القرآن كثيرٌ من أبناء القرية ، و غيرهم من طالبي المعروف، و قد ذكره العلاَّمة محمد بن صالح في مؤلفه ” توثيق وبيان في ذاكرة أمم عظام ” باعتباره حفظ عليه كتاب الله إلى جانب فقهاء آخرين بمسجد سي الدوييب ، و ذلك قبل أن ينتقل إلى مدينة شفشاون بزاوية سيدي بلحسن ليعلم ويحفظ القرآن لفائدة الأطفال. من صلب هذا الفقيه ازداد العلامة و الشيخ الحاج مصطفى الرحموني العلمي الذي أتم دراسته العليا بمكة و المدينة المنورة ، و الآن هو رئيس الجالية المسلمة بإسبانيا، وعضو المجلس الأوروبي للإفتاء ببروكسيل ، يسهر في كثير من الأحيان على مرافقة الحجاج المسلمين الإسبانيين إلى الديار المقدسة ، حتى يقوموا بمناسك الحج على الوجه الصحيح ، و له مواعظ و دروس دينية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إنها متاحة لمن يرغب في الاطلاع عليها، نفعهم الله ببركته .
تنزل هذه الساقية بمنحدر يتولد عنه خرير قوي يطير صداه المنعش في الفضاء ، يمر بجوار منازل أبناء و أحفاد الفقيه سي احمد ابن الحاج محمد الرحموني ، عرف هذا الرجل بامتلاكه تلك الرحي/ الأرحي الأربعة التي خربها المهاجمون الغماريون في أواخر عصر السيبة ، و بعد ذلك تمكن من إعادة واحدة منها صانها أبناؤه ، و ظلت تشتغل إلى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي ، مثلما كانت له طاحونة زيتون ظلت هي الأخرى تشتغل إلى حدود سنة 2000م .

.
(طاحونة زيتون كانت في ملك سي احمد بن الحاج محمد تعرضت للإهمال بحي علالش)
تميز هذا الرجل في حياته بالجهاد في سبيل الله والوطن ، يُحكى عنه رحمه الله أنه كان قناصا ماهرا في الإيقاع بالأعداء المهاجمين، و بالتالي كسب تجربة في علاج الجرحى و استخراج الرصاص من أطرافهم بواسطة الفتيل و الزيت و النار، و حسب شهادة ابنه عبد الله : ” كان يؤتى بالجرحى ليلا إلى بيته محمولين على البغال ، و أحيانا كان يتجشم عناء السفر إلى المناطق المجاورة لعلاج من أقعده الرصاص ببيته، أو أصابه جرح عميق في أحشائه ، كما كان يخيط الجروح بحبال رقيقة مشكلة من أمعاء الأرانب … ” .
من صلبه خرج عدة أبناء بعضهم حفظ كتاب اللــه بمسجد العرب ، أخص بالذكر ابنَيْه عبد اللــه ( السابق الذكر ) و الطيب؛ بهذا الحي اتهم المعمرون و أذنابُهم ابن أخيه سلام بالتستر على السلاح، بعد تمكن الإسبان من العودة لشفشاون للمرة الثانية سنة 1924 ؛ و حسب شهادة ابنه المصطفي : ” بعدما رُفع نداء جمع السلاح و تقديمه طواعية للإسبانيين، بحي الجويمعة بمدخل القرية ، و لما نفي حيازتَه ، ضربوه هناك ضربا مبرحا أمام الملأ لتخويف المتنكرين لحيازته ، لم يكفهم ذلك بل قيدوه و اقتادوه إلى سجن القصبة ، قضى بداخله أياما عصيبة تحت الاستنطاق و التعذيب ، مما أثر على صحته، فخرج من السجن فاقد الصوت ، و طاردته تلك العاهة طوال حياته ، فلم يكن يتكلم إلا بصعوبة ” .
Views: 29
























