
عبد العزيز الخطابي

مع اقتراب نهاية كل عام وبدء آخر، يُختتم الفصل القديم بجرعة مكثفة من التهاني التقليدية: “سنة سعيدة!”، كما لو كانت هذه العبارة كفيلة بأن تمنح الناس سعادةً فورية، تقطع شكوكهم وآلامهم. لكن، هل فكر أحدنا في مدى عبثية هذا التقليد؟ ما الذي يمكن أن تضيفه الأرقام الجديدة إلى تجاربنا اليومية، عندما يبقى الفساد قائمًا والأحلام بعيدة المنال؟
في كل عام، يُقبل الملايين على هذه الطقوس كأنها طقوس دينية، ينقلب الليل إلى يوم جديد، لكن ماذا عن تلك التغيرات العميقة التي نتوقعها؟ تكاد اللغة تصبح أداة لتجميل الواقع أكثر من كونها وسيلة للتعبير عن مشاعر حقيقية. “سنة سعيدة”، نقولها في وقت نعيش فيه أوقاتاً غير سعيدة، وكأن الكلمات وحدها قادرة على تغيير مصير الأقدار.
فكر للحظة: ما هو هدف رأس السنة؟ هل هو حقًا مناسبة للاحتفال، أم مجرد وسيلة لإقناع أنفسنا بأننا نبدأ من جديد، رغم أن الواقع يحذرنا من الاستمرار في دوّامة الفشل؟ تلك اللحظة التي نرفع فيها الكؤوس ونستمتع بالحلويات ، بينما تخيم علينا مشاعر القلق والتساؤلات حول المستقبل. قد يبدو الأمر ككوميديا من تدبير الحياة، حيث نلعب أدوارًا نعرف مسبقًا عدم جدواها.

عندما نتحدث عن التغيير، نحب أن نتغنى بالتجديد. لكن كيف نتوقع التفاؤل بينما نعيش في ظل سياسات فاشلة، وفساد يمثل جزءًا من حياتنا اليومية؟ العقول المشوشة التي تقرأ “سنة سعيدة” ستجد نفسها في النهاية تتساءل: “هل نحن في العام الجديد، أم أننا عالقون في نفس الدوامة القديمة؟”
أسأل نفسي: لماذا نحتفل برأس السنة الميلادية رغم أن كثيرين منا ليس لديهم أي علاقة بهويتها الثقافية؟ هل نحن بحاجة إلى تقويم يفرض علينا عادات ليست جزءًا من تراثنا؟ بصراحة، قد يكون الاحتفال بهذه السنة مثل لبس ثوب غير مناسب لحفلة: يبدو أنه يثير الضحك أكثر من كونه مظهرًا من مظاهر الأناقة. وفي عالم حيث يُستخدم الفساد والمخدرات كطرق للهروب من واقع مُر، يصبح سؤال الهوية الثقافية أكثر إلحاحًا. كأننا نعيد إبراز تلك الهوية بألوان مبهجة، بينما نختبئ خلف قناع من السعادة المؤقتة.
وعندما تصل منتصف الليل، يبدأ الانفجار! الألعاب النارية تنطلق، ويبدأ الضجيج، ولكن وسط كل هذه الفوضى، يبدو أن قلبي ينقلب: ترى، هل حقًا سيأتي الفجر الجديد، أم أن هذا مجرد ضوء بلا حقيقة؟ وفي خضم كل ذلك، نبدأ بالتساؤل: أين السعادة التي تم الترويج لها؟ لماذا تظل رائحة الخمر والمخدرات تعبث بأحلامنا، بينما نتظاهر بأننا نسعى لتحقيق سعادة حقيقية؟
قد تكون الإجابة تكمن في شعور الانتماء، تصوّر الارتباط المشترك بالاحتفالات. لكن لنأخذ ثانية للتفكير: هل يحتاج الإنسان إلى تاريخ محدد ليشعر بالسعادة، أم أن السعادة يمكن أن تتواجد في أي لحظة من حياته؟ ربما تحتاج السعادة إلى جهد فردي، إلى وعي كامل بما يحدث من حولنا. يجب أن ندرك أن المطالبات المجتمعية ليست إلا انعكاسًا لتصوراتنا الذاتية حول ما يجب أن يكون.
وفي النهاية، وهو ما نحتاجه حقًا، هو التأمل في معنى هذه الطقوس الاحتفالية. لعل العام الجديد سيكون فرصة لنبدأ التفكير الجاد: لماذا نبقى مخدوعين بكلمات مثل “سنة سعيدة”، بينما نعيش في عالم مليء بالألم والشقاء؟ هل سنستمر في القول “سنة سعيد” دون أن ندرك أنها ليست أكثر من مجرد كذبة نحب أن نصدقها؟ علينا أن نحرر أنفسنا من هذا الفخ، لنبدأ من جديد، ولكن بحق.
فلنجعل من كل يوم فرصة للاحتفال، ولنعتمد على أنفسنا في إعادة تعريف معنى السعادة، بدلاً من الانتظار كل عام لنقول ما يعنيه الحرفان “سنة جديدة”. إن الحل ليس في الانتظار، بل في السعي نحو التغيير—فالتغيير الحقيقي يبدأ من داخلنا.
Views: 45







