
عبد العزيزالخطابي جسر التواصل
في عام 1980، كانت ساحة جامع الفناء في مراكش تعج بالحياة، حيث تلتقي فيها الثقافات والأصوات من كل حدب وصوب. في وسط هذا الازدحام، جلس رجلٌ يُدعى مبارك الطيمومي، المعروف بــ “ݣريݣر”. كان يتسم بوجوده الساحر، حيث تجد أنظار الزوار تنجذب إليه كما تنجذب الأجرام السماوية إلى مركز الكون.

تعلقت بذكرياتي بتلك الأيام. كنت شابًا في مقتبل العمر، أدرس علوم الفلك والتنجيم، شغوفًا بتفاصيل السماء والأرض. كانت الأيام تمر بين كتب النجوم والهيئات السماوية، إلى أن وجدت نفسي أمام “ݣريݣر”، وقد بدأ عرضه الأول. كان يجلس على الأرض، يخط بروح من الحماس والشغف خطوطًا وأشكالًا بالطباشير، وكأنها تعبير عن عواطفه، أو ربما أراد أن يقول إن كل شكل يحمل قصة.
“تنظرون إلى السماء، لكن هل عميتم عن الأرض التي تقفون عليها؟” كانت قولته تجذب الانتباه، وتجعلني أستشعر أنني أمام شخصية ليست ككل الشخصيات. كانت لديه قدرة فائقة على تحريك مشاعرنا، وعلى استسخار أفكارنا. خلال عروضه، كانت الكلمات تتدفق كالنهر، تحمل معها دروسًا عميقة من الحياة.
مع مرور الوقت، تعمقت معرفتي به. كانت حلقاته ليست مجرد فرجة، بل دروسًا في الفلسفة والحياة. كان ݣريݣر يدعو الناس إلى التفكير في تجاربهم، ورؤية الحياة من منظور أكبر. كان يجمع بين الفن المتمثل في درجات الانفعال وبين الحكمة التي تتجلى في عالم الفلك.
“كل كوكب له تأثيره، كما لكل إنسان قصته الخاصة”، كان يتحدث بحماس عن قوة النجوم وتأثيرها على مصائر البشر. كان يُظهر كيف أن الفلك لا يحدد مصيرنا بل يعكس تجاربنا. كنا نرى فيه فيلسوفًا أكثر من كونه حلايقيًا، وكان يشجعنا على استكشاف الإمكانيات التي لا حصر لها.
عقدت صداقة قوية مع ݣريݣر، وبدأت أذهب إلى حلقاته بوصفها ملاذًا للتفكر الروحي. لقد أسس لنفسه مدرسة فكرية بيننا. عندما كان يتحدث عن العدالة الاجتماعية، كان يستند إلى معرفته بالعوامل الكونية، مُرجعًا كل معاناة إلى قوى اجتماعية أكبر. “الأرض ليست بيضاء ولا سوداء، ولكنها تتنوع بألوان الحياة وتحدياتها”، كان يقول. كان يدعو إلى التسامح وفهم الاختلافات، مؤمنًا بأن كل واحد منا يحمل نورًا خاصًا.
إحدى تلك الأمسيات، جذب انتباهي بحديثه عن الموت، حيث لم يره مجرد نهاية. “الموت هو تحول، ليس نهاية، بل بداية جديدة”، كان يمضي في قول ذلك، ما جعل الفكرة في رأسي تعكس ضوءًا مختلفًا. تلك الكلمات ساهمت في تشكيل رؤيتي حول الحياة والمصير، فشعرت بأنني أستطيع أن أنظر إلى المواقف الصعبة بصورة جديدة.
ومع تقدم السنين، بدأت ملامح التعب تظهر على وجهه، لكن روحه كانت تظل مشتعلة. استمرينا في حرص كبير على حضور حلقاته، إلا أن القلوب بدأت تدرك أن الوقت قد حان ليودعنا. حينما بدأنا نرى علامات العجز، قلت في نفسي: كيف يمكن لنجم مثل ݣريݣر أن يغيب؟
في يومه الأخير، التقيته في سيدي بنور. كان يجلس على الحصير، لكن عينيه لا تزال تتلألأ كنجوم السماء. “الموت ليس سوى فصل جديد في المسرحية، ولكن الأنساق تبقى مستمرة”، قال بابتسامة. ترك تلك الكلمات في أذني كالنقش الذي لا يُمحى. كان يعلم أنه قد يرحل، لكنه ترك فينا درسًا بأن الرحلة ليست في النهاية، بل في كل لحظة نعيشها.
في اللحظة التي ودعنا فيها، شعرت بحزن عميق. “سأجمع ما تبقى من ضوءي وأعود إلى السماء”، كانت آخر كلماته. ومع رحيله، لم يفقد ݣريݣر وضوحه في القلب، بل أضفى على الحلقات التراث الذي لا يموت.
تدريجيًا، أدركت أنني لم أتعلم فقط عن علم التنجيم أو الفلك، بل تعلمت كيف أحتفل بالحياة. علم ݣريݣر لم يكن مجرد مجموعة من الكلمات، بل كان تجربة شاملة تتعلق بعمق الروح وبمحبة المعرفة.
تظل ذكراه عالقة في قلوبنا، يدعو كل واحد منا لمشاركة حكمة السماء والأرض، وتعيش فلسفته فينا، كلما نظرنا إلى النجوم، تذكرنا كيف أن لكل نجم قصة، وكيف أن الحياة عبارة عن رحلة مستمرة، كل نقطة فيها تحمل دروسًا تستحق الاكتشاف.
Views: 49







