أديس أبابا – أبرز رئيس المحكمة الدستورية، محمد أمين بنعبد الله،أمس الجمعة بأديس أبابا، دور القضاء الدستوري كركيزة أساسية في مسار بناء الدولة المغربية الحديثة، وذلك خلال الندوة الدولية الرابعة لمؤتمر الهيئات القضائية الدستورية الإفريقية.
وقال السيد بنعبد الله، في كلمة ضمن أشغال هذه الندوة المنعقدة تحت شعار” الدستورية وبناء الدولة”، إن “القضاء الدستوري في المغرب يشكل أحد الأعمدة الأساسية في مسار بناء الدولة الحديثة، وهو المسار الذي عرف تطورا ملحوظا منذ إحداث المجلس الدستوري سنة 1994، إلى غاية ترسيخ المحكمة الدستورية بموجب دستور 2011”.

وأوضح أن هذا التطور لم يكن مجرد تحول مؤسساتي في البنية الدستورية، بل كان تحولا في الفلسفة الدستورية ذاتها، حيث أصبح القضاء الدستوري فاعلا حقيقيا في توجيه الحياة السياسية والتشريعية، وضبط توازن السلط، والمساهمة في تكريس دولة الحق والقانون.
وأشار، في هذا الصدد، إلى أن القضاء الدستوري المغربي لم يعد مجرد هيئة رقابية محدودة التأثير، وإنما أصبح مؤسسة محورية ذات سلطة مرجعية في تفسير الدستور، وفي حماية الحقوق والحريات، وتأمين الشرعية الدستورية للعمل التشريعي والتنظيمي، مبرزا أن التجربة المغربية خلال العقود الثلاثة الأخيرة أكدت أن بناء الدولة لا يقوم فقط على النصوص الدستورية، بل يتطلب أيضا قضاء دستوريا فعالا قادرا على تفعيل هذه النصوص، وتأويلها، وتصحيح الانحرافات التي قد تمس جوهر النظام الدستوري أو تؤثر على استقرار المؤسسات.
وسجل رئيس المحكمة الدستورية أن القضاء الدستوري المغربي ساهم، من جهة، في حماية سمو الدستور عبر ممارسة الرقابة القبلية على دستورية القوانين، بما مكن من ضمان مطابقة التشريعات لمبادئ الدستور وحماية المواطنين من أي مساس بحقوقهم، ومن جهة أخرى، في حماية المؤسسات وضمان سيرها السليم، من خلال أساسا الحفاظ على الشرعية الدستورية للمؤسسات المنتخبة، وتحديد مجال القانون والتنظيم، وهو ما يعكس المكانة المركزية للمحكمة الدستورية في الهندسة الدستورية للدولة.
كما أبرز السيد بنعبد الله الدور المتنامي للقضاء الدستوري في ترسيخ الديمقراطية التشاركية والحكامة الجيدة، خصوصا مع بروز آليات جديدة كالمبادرة التشريعية الشعبية، والملتمسات، والعرائض، والتي “أصبح القضاء الدستوري من خلالها ضامنا لحسن ممارستها ومانعا لأي انحراف في تطبيقها”.
وأشار، في السياق ذاته، إلى “مساهمة المحكمة الدستورية في تأطير الجهوية المتقدمة، وفي ضبط العلاقة بين الدولة والمجالس الترابية، من خلال قراراتها المتعلقة بالقوانين التنظيمية للجماعات الترابية، ولا سيما في إطار امتدادات الجهة داخل منظومة الدولة الموحدة والمتوازنة، والمغرب يتأهب لاعتماد نظام الحكم الذاتي بمناطقه الجنوبية المسترجعة منذ سنة 1975”.
كما أكد المسؤول القضائي المغربي أن الاجتهاد الدستوري المتراكم أصبح يشكل “رصيدا دستوريا” يمثل جزءا لا يتجزأ من مسار بناء الدولة، غير أنه شدد على أن فعالية القضاء الدستوري تظل رهينة بتعزيز الوعي لدى الفاعلين، ولا سيما السياسيين.
وشدد على أن القضاء الدستوري، باعتباره الحارس الأمين للدستور، يبقى إحدى أهم الضمانات لتحقيق انتقال دستوري ديمقراطي فعلي، باعتباره المؤسسة القادرة على ضمان التوازن الدقيق بين مختلف السلط، وعلى حماية الوطن والمواطنين من أي تجاوز قد يمس جوهر الدولة وبثوابتها.
وخلص رئيس المحكمة الدستورية إلى أن بناء الدولة في المغرب له ارتباط بشكل وثيق بفعالية المحكمة الدستورية، وبقدرتها على مواصلة أداء دورها بكل استقلالية وموضوعية وجرأة، في إطار من الانسجام مع النص الدستوري وروحه، وفي خدمة دولة قوية وعادلة تستند إلى الدستور وسيادة القانون.
وتروم هذه الندوة الدولية دراسة العلاقة بين الدستورية وبناء الدولة في البلدان الإفريقية بشكل معمق، في أفق المساهمة في تعزيز الحكامة الديمقراطية على مستوى القارة.
ويتضمن برنامج الندوة جلسات تتناول عدة قضايا من بينها، “الدستورية وبناء الدولة في إفريقيا”، و”أنظمة المراجعة الدستورية، سيادة القانون وحقوق الإنسان”، و”الأنظمة الدستورية الإفريقية والتنمية السوسيو-اقتصادية”، و”دور المؤسسات القضائية”.
وبالإضافة إلى رؤساء المحاكم الدستورية بالعديد من الدول الإفريقية، تعرف الندوة مشاركة قضاة وخبراء قانون وعدد من ممثلي المنظمات الدولية.
Views: 31
























