
الحسين السطاتي شيخ العيطة

تداول حديثا بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي خبرا مفرحا للفنان المغربي، مفاده أن هناك دعم رمضاني ومساعدة من طرف الدولة لهذه الشريحة المنسية من المجتمع المغربي، هذه الفئة التي ظلت معطلة ومشلولة عن العمل لأكثر من سنة، منذ إعلان الحجر الصحي، الذي تفرضه حالة الطوارئ الصحية لتفادي انتشار عدوى وباء كورونا المستجد “كوفيد19″، إلى يومنا الحاضر، ومازالت تنتظر أن يسمح لها باستئناف أنشطتها الفنية، والمطلوب في هذا الخبر السعيد من الفنانين ومن بينهم الموسيقيين والأشياخ العيطيين أن يعجلوا بتسجيل أنفسهم بأقرب مقاطعة أو قيادة أو باشوية يوجد بها مقر سكناهم عبر ربوع المملكة .. هلت الوجوه بشرا ورقصت القلوب نشوة بالنبأ العظيم، وأخيرا جاء الفرج وسيتم الاعتراف بالفنان المغربي، وسيعوض عن أيام عطالته، كما أنه سيجد ما يملأ به قفة رمضان في ظل غلاء المعيشة وارتفاع لهيب أسعار الخضر والفواكة، وتكاليف ضروريات العيش خلال هذا الشهر الكريم..
وبدأت الأحلام والمتمنيات، هناك من الفنانين من ذهب في حلمه أن الدعم سيكون بملايين الدراهم مثل ما حصل عليه بعض الفنانين المحسوبين خلال السنة الفارطة، وهناك من ظن أن الدعم سيكون حسب الشهرة، وآخرون تمنوا أن يكون الدعم حسب نسب المشاهدة على مواقع التواصل الاجتماعي.. المهم تبادلت الأماني وتبودلت التهاني، واستبشر خيرا أصحاب الرقص والأغاني.
لقد كل ومل الكثير من الفنانين الموسيقيين المغنيين بسبب الظروف المعيشية القاهرة التي كابدوها من جراء جائحة “كورونا”، والحالة المادية المزرية التي وصلوا إليها، ومازالت معاناتهم وأزمتهم مستمرة، دون سند أو دعم من جهة، ودون أن يلتفت أحد إلى هذه الشريحة المتضررة من الوباء..علما أن أكثرهم مسؤولين عن أسر ويجرون وراءهم سنين طويلة من العمل الفني ينشرون المتعة والفرح..ويرسمون البِشر على ملامح الوجوه، ويخلقون السعادة بين الناس…صبروا وطال صبرهم لأكثر من سنة، في ظل انعدام أي دعم حكومي، إنه العام الثاني على التوالي الذي يقضي فيه الكثير من الفنانين الموسيقيين شهر رمضان بحثا عما يمكنه أن يسد رمقهم ورمق أسرهم وأطفالهم، بعد أن أهملتهم الجمعيات والمحسنون والوزارة الوصية والحكومة والدولة..وتنكر لهم الأصدقاء والأصحاب، وأدبر عنهم الأهل والأحباب، وقد اضطر كثير منهم إلى بيع آلاتهم الموسيقية وهناك من باع كل شيء ولم يجد ما يواجه به قساوة الحياة، ومنهم من تشتت شمل أسرته.. فلجأ البعض منهم مرغما إلى التسول في الأزقة والدروب وبالأسواق الأسبوعية.. حيث مسموح للفنان الموسيقي المغربي بالتسول في الحافِلات وعلى مثن الطرامواي وفي الأسواق العمومية، في المقابل يمنع عليه العمل في الحفلات والأعراس والأفراح.. وكأن “كورونا” عدوانية سادية، تكره الفرح والفرجة والمرح، وتحب القهر والاذلال والفقر، تود أن ترى الفنان الموسيقي المغني يتعذب محتقرا ذليلا يتوسل ويتسول، ولا ترغبه أن يكون متمتعا منعما، عاملا ناشطا ونشيطا فعالا في المجتمع..
وبصفتي فنان شعبي شيخ للعيطة مغني وكومنجي ل”رباعة الشيخات”، ورئيس لفرقة موسيقية عيطية، تقاسمت المعلومة المتعلقة بهذا الدعم الوهمي المزعوم مع أفراد المجموعة، ومع فنانين موسيقيين آخرين علني أصل إلى سند مرجعي أو كتاب يزكي صحة هذه المعلومات، وكي أعرف الوثائق المطلوب من الفنان الإدلاء بها لإثبات هويته الفنية، فلم أتلقى أي جواب شافي من أي فنان ولا أية جهة رسمية، نقابية كانت أو وزارية..وفي يوم الثلاثاء واحد وعشرين أبريل الجاري توجهت مباشرة إلى مكتب الضبط والمكتب الثقافي بعمالة الصخيرات تمارة، فأكد لي المسئولون عن الشأن الثقافي بهذه المؤسسة انعدام أي خبر حقيقي، وبأنهم لم يتوصلوا بأية إرسالية في هذا الشأن…وفي يوم الغد صباحا توصلت بمكالمة من المقدم عون السلطة المحلية يطلب مني أن ألتحق به بمقر الباشوية مصحوبا ببطاقة الفنان، كما أضاف لي بأن مجموعة من الفنانين الموسيقيين يدلون بوثائقهم الفنية لكي يتوصلوا بالدعم الفني، وكثيرة هي التساؤلات والأسئلة التي أتمنى أن تجيب عليها الجهة الوصية على هذا القطاع الحيوي ومنها،:كيف يمكن لإدارات عمومية رسمية أن تجمع ملفات فنية من عند الفنانين دون التثبت من وجود إرسالية أو سند مرجعي ينص على ذلك؟ وإلى متى سيظل الفنان المغربي ومنه الموسيقي المغني يعمل في عشوائية وظلمة دون وضوح وشفافية؟ ومن هو هذا الفنان الذي يستحق هذا الدعم؟ وهل الفنان الموسيقي المغني الذي لم تسعفه الظروف إلى التوصل ببطاقة الفنان من وزارة الثقافة لا يعد فنانا رغم أن الكثير من هؤلاء هم الذين يستحقون لقب فنان مبدع عن جدارة واستحقاق؟.
إلى حين أن تجد الجهات الوصية على القطاع الفني أجوبة عن هذه الأسئلة، سيظل الفنان المغربي مبدعا طموحا، يغني ويرقص ويعيط، سيبقى متفائلا بغد أجمل، طموحا وأمله في الله لا يخيب، وقد سبق لي وأن أدليت في تصريحات صحفية أن فن العيطة صالح لكل زمان ومكان، بما فيه من حكم وعِبر وأمثلة وقيم إنسانية.. وتستحضرني أبيات من عيطة “الغزال” المرساوية، وهي عيطة عاطفية وجدانية وايروتيكية، تضم بين أبياتها نسيبا وغزلا، ولوما، وعتابا، ورثاء، ووجعا، وشجنا، وابتهالا إلى الله عز وجل وتوسلا إليه، تجمع في نصها بين الديني والدنيوي، في جدلية المقدس بالمدنس، حيث يبدو الشاعر العيطي فيها بالمقطع الأخير منها، كمتصوف متعبد زاهد، يعلن للمتلقي دينه بصفته إنسان مسلم مؤمن، يوحد الله ويطلب هدايته وعفوه، ويرجو مغفرته وتوابه، ويبته شكواه ومناجاته، وهو ملجأه الوحيد في محنته وشدته وعذابه، وهذا مقطع من هذه العيطة الرائعة:
أهياوين أهياوين..ايلي ياييلي
سمعتو علاش عيطت أنا…هيا واهيا
سيادي لا اله إلا الله…ايلي ياييلي
ياو النبي رسوال الله…هيا واهيا
يا مالي المعبود الله والنبي سيدي ها بابا…سيرا واهيا
مالي المعبود الله…لا ثاني سواه يا سيدي…واهيا واهيا
ما لي نمجد ونعبد…سيدنا محمد يا سيدي…سيرا واهيا
مالي مزين الصلاه…على النبي سيدي يا سيدي…وايلي ياييلي
بابا بكايا وشكايا…عليك مولايا يا سيدي…سيرا واهيا
مالي بكايا وشكايا …على صحاب الحال أبابا…ايلي ياييلي
راه قادر ربي يعفو…على اللي تلفو يا بابا…سيرا واهيا
سيدي اللي ما ينسانا…العالي مولانا يا بابا…ايلي ياييلي
دبا مول الجود يجود…ربنا موجود يا سيدي…سيرا واهيا
بابا الله يجعل تقليدي…عليك يا سيدي يا مالي…وهيا واهيا
يا مرضي صعيب…أهيا واهيا…ياو حالي غريب…هايلي هياييلي
يا المولى يا المولى …أنت عالم بالحال….وايلي هياييلي وأنت تسوَط وتعفو…
ونختم بمقطع صغير من عيطة “عريس الخيل” المرساوية، وهي أبيات زجلية تنضح بالأمل والتفاؤل بغد أفضل، وأن بعد العسر يسرا:
الحبيب يا الحبيب… الكية جديدة وبضاض صعيب…هيا واهيا
الحبيب يا الحبيب…لا تخيب فراج الله قريب… ايلي يا ييلي
سيدي ايلا كنتي فنان…سمع النغمة وتبع الميزان…هيا واهيا
علاش الهم ولحزان..ايلا خيابت دابا تزيان….وايلي هيا ييلي.
وفي انتظار أن يتحقق هذا الحلم، كيفما كانت قيمة هذا الدعم، فإنه على الأقل سيكون دعما نفسيا معنويا، أقول لكم رمضان كريم وكل عام وأنتم والفنان المغربي والعيطة بخير.
Views: 13






