عندما يزعجك التاريخ… لا تحارب الأرقام! كيف أصبح المغرب الاستثناء الذي أربك الروايات القديمة في كأس العالم؟

جسر التواصل7 يوليو 2026آخر تحديث :
عندما يزعجك التاريخ… لا تحارب الأرقام! كيف أصبح المغرب الاستثناء الذي أربك الروايات القديمة في كأس العالم؟

عبد العزيز الخطابي

هناك نوعان من البشر في كرة القدم: من يشاهد المباريات. ومن يشاهد ما يريد أن يراه فقط.
الفئة الأولى تفرح، تحزن. تنتقد، وتصفق عندما يستحق الخصم التصفيق. أما الفئة الثانية. فهي تمتلك موهبة خارقة في اختراع الأعذار بسرعة تفوق سرعة الكرة نفسها. فإذا فاز منافسهم، فالسبب الحظ. وإذا كرر الفوز. فالسبب التحكيم. وإذا استمر في النجاح سنوات. أصبح السبب المؤامرة الكونية التي اجتمعت فيها الفيفا. والقرعة. والطقس وربما دوران الأرض حول الشمس.
لكن المشكلة الوحيدة التي تواجه هذه المدرسة الفكرية هي أن التاريخ لا يقرأ التعليقات. ولا يتابع البرامج الرياضية. ولا يمتلك حسابًا على مواقع التواصل الاجتماعي.
إنه يسجل الوقائع… ثم يغلق الدفتر.
ومنذ انطلاق كأس العالم سنة 1930. كانت إفريقيا تدخل البطولة وهي تحمل أحلام أكثر من مليار إنسان. قارة تفيض بالمواهب. لكنها كثيرًا ما اصطدمت بجدار اسمه “الأدوار الإقصائية” ظل ربع النهائي لعقود طويلة أشبه بباب إلكتروني لا يفتح إلا بكلمة سر لا يعرفها أحد.
وفي عام 1990. جاءت الكاميرون لتكسر القفل لأول مرة. رقص روجيه ميلا. واهتز العالم. وأصبحت الكاميرون أول منتخب إفريقي يبلغ ربع النهائي.
مر اثنا عشر عامًا كاملة قبل أن تأتي السنغال في 2002 لتكرر الإنجاز. بعد أن أسقطت فرنسا بطلة العالم في واحدة من أكبر مفاجآت البطولة.
ثم انتظرت القارة ثماني سنوات أخرى حتى ظهرت غانا في جنوب إفريقيا 2010. وكانت على بعد لمسة واحدة من نصف النهائي. قبل أن تتحول يد لويس سواريز إلى أشهر يد في تاريخ كرة القدم بعد يد مارادونا.
بعد ذلك… عاد الصمت.
اثنا عشر عامًا أخرى مرت. بينما كانت بعض الجماهير تكتفي بالاحتفال بالتأهل إلى كأس العالم وكأنه نهاية الطريق أو تعتبر الفوز في مباراة افتتاحية إنجازًا تاريخيًا يحتاج إلى تمثال من البرونز.
ثم ظهر المغرب.
في قطر 2022، لم يدخل المنتخب المغربي البطولة وهو يحمل شعار “المشاركة المشرفة” ذلك الشعار الذي استُهلك حتى أصبح أشبه بعبارة مكتوبة على علبة منتهية الصلاحية.
دخل المغرب بعقلية مختلفة.
فأسقط بلجيكا.
وأقصى إسبانيا.
ثم أطاح بالبرتغال.
ووصل إلى نصف النهائي. ليصبح أول منتخب إفريقي وعربي يحقق ذلك.
المثير للسخرية أن بعض المحللين لم يناقشوا كيف وصل المغرب. بل انشغلوا بشرح لماذا لا يستحق الوصول!
قالوا إن القرعة خدمته.
ونسوا أن إسبانيا كانت بطلة العالم السابقة.
وقالوا إن البرتغال لم تكن في يومها.
وكأن المغرب هو من طلب منها أن تلعب مباراة سيئة.
ثم قالوا إن الإنجاز لن يتكرر…
وهنا كانت الكوميديا في أفضل فصولها.
ففي مونديال 2026 عاد المغرب مرة أخرى إلى ربع النهائي. ليصبح أول منتخب إفريقي يحقق هذا الإنجاز مرتين.
وهنا دخلت بعض الخطابات الرياضية في مرحلة الإنكار.
فالإنجاز الأول كان يمكن تسميته “صدفة”
أما الثاني. فيحتاج إلى قاموس جديد بالكامل.
فكيف يمكن أن تكون الصدفة مشروعًا يمتد لسنوات؟
وكيف يصبح الحظ ضيفًا دائمًا لا يغادر؟
وكيف تتحول المصادفة إلى عادة؟
الحقيقة المؤلمة للبعض أن كرة القدم الحديثة لا تعترف بالشعارات. بل بالمشاريع.
المغرب لم يستيقظ صباحًا ليجد نفسه في نصف النهائي. ثم في ربع النهائي مرة أخرى.
هناك عمل بدأ منذ سنوات.
هناك استثمار في مراكز التكوين.
هناك بنية تحتية.
هناك احتراف في التسيير.
وهناك رؤية واضحة لا تبحث عن تصفيق أسبوع. بل عن نتائج تعيش لعقود.
في المقابل. ما زالت بعض المدارس الكروية في إفريقيا والعالم العربي تعيش على أرشيف أبيض وأسود، تعرض لقطات قديمة كلما غابت الإنجازات الجديدة وكأن التاريخ توقف عند هدف سجله لاعب قبل ثلاثين عامًا.
لا أحد ينكر أمجاد الكاميرون ولا بطولات السنغال. ولا شجاعة غانا.
بل على العكس. تلك المنتخبات فتحت الباب.
لكن المغرب هو أول من عاد وأغلق الباب خلفه وهو يحمل مفتاح الاستمرارية.
وهذا هو الفارق بين الإنجاز والظاهرة.
الإنجاز قد يحدث مرة.
أما الظاهرة. فتحدث مرتين وثلاثًا حتى تصبح واقعًا.
وربما أكثر ما يزعج البعض ليس أن المغرب فاز.
بل أنه جعل المقارنة بالأرقام لا بالمشاعر.
فالأرقام لا تعرف التعصب.
ولا تنتمي لأي قناة رياضية.
ولا تجامل أحدًا.
هي ببساطة تقول:
الكاميرون… ربع نهائي واحد.
السنغال… ربع نهائي واحد.
غانا… ربع نهائي واحد.
المغرب… ربعا نهائي ونصف نهائي. وأول منتخب إفريقي يكرر الإنجاز.
بعدها… يبدأ الصمت.
وفي النهاية يبقى التاريخ قاضيًا لا يقبل الاستئناف.
قد تستطيع أن تنتصر في نقاش على مواقع التواصل.
وقد تكسب آلاف الإعجابات بمنشور متعصب.
وقد تقنع جمهورك بأن الأبيض أسود. والأسود أبيض.
لكنك لن تقنع صفحة واحدة في سجلات كأس العالم أن تمحو اسمًا كتب نفسه بالحبر وتستبدله بضجيج لا يعيش أكثر من أربع وعشرين ساعة.
وهكذا. بينما ينشغل البعض بتفسير نجاح الآخرين. يواصل آخرون صناعة النجاح نفسه.
والفرق بين الفريقين أن الأول يكتب التعليقات…
أما الثاني . فيكتب التاريخ.

Views: 7

الاخبار العاجلة