
:طارق المعروفي

في الأشهر الأخيرة، وجدتُ نفسي بين الحضور في محاضرةٍ لم تكن عابرة في أثرها ولا عادية في موضوعها. كانت عن “الهوس الهوياتي”؛ ذلك السؤال المُلِحّ الذي يختفي خلف الشعارات، ويتسلّل إلى تفاصيل حياتنا اليومية دون أن نستشعره دائمًا. خرجتُ من القاعة وأنا أحمل أكثر من ملاحظاتٍ عابرة، حملتُ أسئلةً مربكة وتأملاتٍ عميقة دفعتني إلى إعادة التفكير في معنى أن ننتمي، وأن نختلف، وأن نُعرِّف أنفسنا في عالمٍ يضيق أحيانًا بتعدّده.
ومن هنا، أجدني اليوم أعود إلى تلك المحاضرة، لا لأعيد سردها كما قيلت، بل لأقارب مضمونها من الزاوية التي أراها، ومن المنظور الذي تشكّل لديّ بعد تأمّلٍ ومساءلة. فالهوس الهوياتي ليس مجرد مفهوم نظري، بل حالة نفسية وثقافية تستحق أن نُمعن النظر فيها، وأن نفتح حولها نقاشًا صريحًا وهادئًا في آنٍ واحد.
الهوية عنصر أساسي في تكوين الفرد والمجتمع؛ فهي تمنح الإنسان شعورًا بالانتماء، وتربطه بلغةٍ وتاريخٍ وثقافةٍ وقيمٍ مشتركة وذاكرة و عادات و تقاليد … . غير أنّ هذا الانتماء المشروع قد ينقلب، في بعض السياقات، إلى ما يُسمّى بالهوس الهويّاتي: أي المبالغة في التمسّك بالهوية إلى حدّ يجعلها محور التفكير والحكم على كل شيء.
إن الهوس الهويّاتي لا يعني حبّ الهوية أو الاعتزاز بها، بل يعني تضخيمها وتحويلها إلى معيار وحيد للشرعية والتفاضل. ففي هذه الحالة، يُختزل التاريخ في صراع دائم بين “نحن” و“هم”، وتُفسَّر الأحداث من زاوية إثبات التفوّق.
و من أبرز مظاهر الهوس الهويّاتي:
تضخيم الفوارق الثقافية أو العِرقية وجعلها حواجز مطلقة.
ربط الانتماء الوطني أو الاجتماعي بهوية محدّدة دون غيرها.
استحضار الماضي بصورة مثالية في بعض الأحيان لتبرير مواقف الحاضر.
إنّ التمييز ضروري بين الاعتزاز المتوازن بالهوية والهوس بها. الاعتزاز يرسّخ الثقة والانفتاح، ويعترف بتعدّد الروافد الثقافية. أمّا الهوس، فإنه يسعى إلى تجميد الهوية في قالبٍ واحد، ويعاملها كحقيقة مطلقة غير قابلة للنقاش.
في النهاية، تبقى الهوية قيمة إيجابية حين تكون إطارًا للتعارف والتكامل، لا ساحةً للصراع والإقصاء. والمجتمع القوي، هو الذي يدرك أن هويته ليست جدارًا يعزله عن العالم، بل نافذة يطلّ منها عليه بثقةٍ واتزان.
Views: 26






