(“مشاهد في الزحام” المشهد 21 في الصمت و الوحدة ، زحام آخر …) للكاتب والشاعرعبد العزيز حنان

جسر التواصل25 أبريل 2022آخر تحديث :
(“مشاهد في الزحام” المشهد 21 في الصمت و الوحدة ، زحام آخر …) للكاتب والشاعرعبد العزيز حنان

عبد العزيز حنان
الدار البيضاء في 24 أبريل 2022

 
الزمن ؛ قبل صلاة المغرب .
المكان ؛ المسجد الكبير على أطراف الحي .
خفت الحركة في هذا الوقت فالغالبية حول موائد الإفطار إلا من قلة فضّلت الصلاة بالمسجد على البيت . و كالعادة لم يخلُ الفضاء أمام المسجد من بعض الباعة و عدد من المتسولين . كان المؤذن قد انتهى من الآذان و بدأ في إقامة الصلاة ، و أنا أدلف المسجد لفت انتباهي شخص جالس في مكان منزوي خارج المسجد . هيأته لا تدل على كونه من الباعة و لا من المتسولين بلباس تقليدي أنيق و على رأسه طاقية مراكشية .
بعد الصلاة دفعني الفضول إلى إلقاء نظرة على المكان فوجدت الرجل مازال في جلسته . تقدمت نحوه سائلا :
– سيدي ، أنت بخير ؟
رفع نحوي رأسه و لم ينبس بكلمة ، ثم عاد لوضعه . أعدت السؤال في اقتضاب : – الحمد لله .
رجل ستيني بوجه يشع بياضا تزينه حمرة ظاهرة لكن بعينين أشد احمرارا . طلبت منه أن يرافقني لمشاركتي الإفطار ، رفع ناظريه إلي و أردف :
– بارك الله فيك . دعني في جوار بيت الله أحتاج لهدوء و راحة أكثر .
ألححت عليه ، و بقدر الإلحاح بقدر إصراره على المكوث بذات المكان . تسارعت الأسئلة و الاحتمالات حول الرجل عن سبب وجوده بالمكان . أقسمت عليه أن يقاسمني وجبة الفطور ، فأقسم علي بعزة الله و جلاله أن أتركه و شأنه . تحركت خطوتين لكني تراجعت و عدت إليه مذكرا إياه أنني أقسمت و طلبت ألاّ يجعلني أحنث . على مضض تحرك معي هاتفْت المنزل من أن ضيفا سيفطر معي . و بدأ هو الحديث دونما سؤال :
– كنت محتاجا لهواء نقي و هدوء لن يكون إلا في هذه الفترة الزمنية .
فعلا ، كان صادقا في قوله و وصفه للحظة . دلفنا البيت ، طلب سجادة لصلاة المغرب و بعدها بدأنا وجبة الفطور بعدما أزال الطاقية المراكشية . و إذا بي أجدني أسأله : – أنت أخو فلان ؟؟؟
رفع رأسه و ردّ بالإيجاب . رحبت به ثانية رنّ هاتفه فأغلقه . و بدأنا وجبة الإفطار الرمضانية لينطلق في الحديث دون سؤال أو استيضاح مني .
– انتبه أخي ، حين يحال الواحد منا على التقاعد يصدق فيه العبارة التي حذفتها مؤخرا وزارة التربية الوطنية ( تمّ التشطيب عليكم …….) . تصبح خارج معادة الحياة و أقرب إلى الموت . كل كلامك يصبح متجاوزا و متخلفا … و كل ملاحظاتك هي في نظر من يعيشون معك مجرد خرَف ما بعد الستين .
يمكن توظيفك في بعض مهام التبَضُّع ليس إلا .
هادئا كان يتكلم و بتقطع لم يكن يحتاج لسؤال مني و إنما يتوقف ليسترسل في الكلام .
– كل أفكارك تسبح في سجلات الماضي و لليس مطلوب منك إلا الصمت و الاستجابة المادية بلا تردد أو استفسار . فلا حق لك في الاحتفاظ بما تتحصّله من المعاش . شيء مؤلم و كاسر حين يُتعامل معك كأي مكون رخيص في البيت . و حين تستأسد الزوجة و يتنمّر الأبناء .
كنت أقاطعه مطالبا إياه بالإفطار محاولا التخفيف من الغصة التي أحي أنها تخنقه . ليتابع .
– حين يصل العنف اللفظي مداه تجد نفسك أمام خيارين : إما الانسحاب بهدوء حتى لا ترد العنف بعنف أكبر أو تصعيد الموقف و طلب النجدة من الأمن ليبدأ مسلسل ما كان ليخطر على البال .
ما الذي حدث في أُسرنا لنصل لهذا الحضيض من السلوك في العلائق ؟؟؟
ماذا بقي من أخلاقنا ين يُعامَل الآباء بهذا الشكل حتى لو كانوا على خطأ ؟؟؟
أين نحن من وصايا لقمان لابنه كما جاء في القرآن الكريم ؟؟؟ <<< وَوَصَّيْنَا اَ۬لِانسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ وَهْناً عَلَيٰ وَهْنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِے عَامَيْنِۖ أَنُ اُ۟شْكُرْ لِے وَلِوَٰلِدَيْكَۖ إِلَيَّ اَ۬لْمَصِيرُۖ (13) وَإِن جَٰهَدَٰكَ عَلَيٰٓ أَن تُشْرِكَ بِے مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٞ فَلَا تُطِعْهُمَاۖ وَصَاحِبْهُمَا فِے اِ۬لدُّنْي۪ا مَعْرُوفاٗۖ>>>
مشهد مؤلم حقا ما كنت أظن أني سأصادفه في هذا الشهر الفضيل و في هذه العشر الأواخر .
هدأ قليلا من روعه ، استغفر الله و استطرد .
– ما فعلنا هذا بوالدينا و لا كنا عاقّين فرحمتك يا أ لله …
كلن وقت صلاة العشاء قد اقترب نهضنا معا و في الطريق توالت حسرته في الكلام حتى أني كنت ألامس حجرة الدمع في صوته ، متتبعا نصائحه خصوصا و أنني مشرف على اللإحالة على التقاعد .
تساءلت : هل تغيرت القيم في أوساطنا لهذه الدرجة المرعبة ؟؟؟ هل هز ما تبثه القنوات الإعلامية من خلال الأشرطة و البرامج أصاب قيمنا في مقتل ؟؟؟
هل وصلت غربتنا عن أنفسنا و قيمنا و ديننا و إنسانية لهذه الدرجة ؟؟؟
مشهد قد يبدو غريبا و بعيدا عن الزحام لكنه موجود و في زحام اللهاث الذي أصبحنا نعيشه إلا من رحم ربك .
قد أكون أنا ، و قد تكون أنت ، و قد يكون جيل الآباء القادمين ، فلا تستصغروا التحولات و التي للإعلام المزيف و البرامج و المسلسلات دور مهم فيها .
اللهم إنا نسألك اللطف و حسن الخاتمة .

Views: 26

الاخبار العاجلة