أزمة تسويق

جسر التواصل22 أكتوبر 2021آخر تحديث :
أزمة تسويق

عمر عاقيل

يبدو أن أندية كرة القدم المغربية باتت في أمس الحاجة، بإحداث ثورة في ثقافة الإحتراف والنهج، لأن ما تعيشه أغلبها من أزمات مالية قد تعصف بمستقبل الكثير منها، واقع بات مريرا ومقلقا، وجاءت موضة العقوبات والغرامات المتكررة التي تصدرها لجنة النزاعات التابعة للجامعة، والمحكمة الدولية لتكشف عن وهن منظومة الإحتراف في الأندية المغربية التي ما تزال بعيدة كل البعد عن الإحتراف الحقيقي، كما كشفت أيضا عن وجود خلل في منظومة الكرة المغربية لا بد من رصده ومعالجته، وهي مسؤولية مشتركة بين الجامعة والأندية.
يكفي المتابع المغربي لتشخيص واقع الكرة أن يرصد المديونية الكبيرة التي تتخبط فيها أندية البطولة الإحترافية، ويكفي الراصد أن يمتع ناظريه بقرارات وعقوبات وغرامات تضرب صناديق الأندية وأطرها من لاعبين ومدربين، بسبب غياب الفكر الإحترافي لتلك الأندية التي سمحت للاعب أو مدرب أجنبي بالتشهير بها في ردهات محكمة الاتحاد الدولي، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل عن كيفية تعامل الأندية مع تلك العقوبات، وعن كيفية تأمين تلك المبالغ الكبيرة التي تفوق قدرات صناديقها التي تعاني أصلا من عجز كبير.
تسديد المستحقات للاعبين والمدربين أمر مستحيل قياسا بإمكانات الأندية، وبالتالي تعريضها لمزيد من العقوبات في حال التزمت الجامعة بتطبيق التعليمات حرفيا، الأمر الذي يدفع الإدارات لسلك سبل أخرى غير مضمونة النتائج، وتتمثل في انتهاج سياسة التقسيط حتى استخلاص ذمة الفريق من الديون العالقة، أو الصبر لحين انفراج الأزمة المالية وهو أمر مستبعد إذا ما استمرت سياسات الأندية على ما هي عليه، لأنها لم تتبع منظومة إحترافية متكاملة ترتكز في الأساس على تحديد سقف أدنى لأجور اللاعبين، ولا يمكنها وضع سقف أعلى، كون العملية ترتبط بقواعد السوق، والتي يحكمها طلب الأندية، وجودة ومستوى اللاعبين، الذين هم في حاجة ماسة لهم، وفقا للحالة التنافسية في البطولة الوطنية.
الأندية المغربية تسير نحو الهاوية، بسبب غياب الفكر الإحترافي بالدرجة الأولى، وغياب المصادر المالية القادرة على تغطية جزء من نفقاتها، وهي مسؤولية تتحملها الإدارات بالشراكة مع جامعة الكرة المطالبة بتعزيز الشراكة الفعلية مع الأندية والتواصل معها، ليس فقط بالكلام والتنظير، بل بتجسيد ذلك على أرض الواقع، من خلال مساعدتها في البحث عن مصادر تمويل، أو حتى عقد محاضرات في الجانب التسويقي، أملا في المساعدة على الخروج من عنق الزجاجة.
العديد من الأندية تعيش أزمة مالية خانقة، لأن إيراداتها أقل بكثير من نفاقها نتيجة اعتمادها الكلي على مستشهرين بإيرادات لا تكفي لتغطية مصاريفها ومن جامعة كرة القدم فيما يخص حقوق البث التلفزيوني، مع توقف مداخيل الجمهور بسبب جائحة كورونا، إضافة أنها تفتقد لسياسة استثمار مثمرة في حدود ضيقة جدا من قبل أندية محدودة تعتمد على شعبيتها في تسويق نشاطاتها، بالتأكيد ينتج ذلك عن ضعف التخطيط أولا، وعدم القدرة على التسويق والبحث عن مصادر دخل جديدة ودائمة أسوة بما يجري في أكبر الأندية العربية، حيث يعتبر التسويق الرياضي مصدرا رئيسا يسهم بنسبة كبيرة في موازنات أندية كرة القدم، ما يخلق نوعا من الإستقرار الذي يسهم كثيرا في تقدم اللعبة واستقرارها وارتفاع مستواها، خاصة وأن الإحتراف احتراف متكامل لا يتأرجح بين الهواية واﻹحتراف بين فترة وأخرى.
المشكلة ليست في حجم الديون التي تتخبط فيها معظم الأندية، المشكلة برأيي تتمركز حول غياب التنظيم الإداري الواضح، تنظيم يجعل من امر المراجعة والتدقيق المالي أمرا صعب الحدوث بشكل مستقل وأمين فلا الجماهير ولا المنخرطين يملكون الحق والسلطة في المساءلة والرقابة، رغم كون التقارير المالية ضرورة ومتطلب تحت لائحة تراخيص الأندية إلا أن الجهة المهتمة والمستفيدة من تلك التقارير غير واضحة.
وبرغم أن الأندية مطالبة بأن تقدم تقارير عن حالتها المالية المستقبلية خلال جموعها العامة الا أن المسير المغربي يظل أسير التفكير المرحلي فهو يعلم أن كل ما عليه فعله وأقصى ما يجب أن يركز عليه مرحلته الإدارية هو إبرام العقود مع أبرز النجوم المحلية، ويوافق على الشروط الجزائية المبالغ فيها، ويمارس كل ما بدا له باسم ذلك النادي وليس هناك جهة رقابية لها الحق في مساءلته ومناقشته عما كلف خزينة النادي من أموال، بل أشك أن أحدا أهتم بذلك ونبه مسبقا دون أزمة، وبعد أن تحدث الأزمة ويخرج الرئيس من المشهد منتصرا بتحقيق رغباته الشخصية، تبقى أعباء النادي ومشاكله عبئا على خلفه لحل ازمته وتلافي اي اشكالات تعرض مستقبل النادي لمراحل أصعب من التخبطات الفنية والإدارية.
من يرى في الذي أكتبه ضربا من التفلسف الذي يدمن وضع خرائط لأندية مغربية مثالية لا وجود لها إلا في الخيالات، لوجود ما لا يسمح به منطق المقارنة من فوارق كبيرة بينها وبقية الأندية العربية، هو من أولئك الذين يبيعون الناس اليأس قبل الوهم، فالأندية المغربية اليوم مهما حققت من نتائج ايجابية خارجيا وإن كان بين بيئاتنا الرياضية مجتمعة اختلافات بنيوية، لا تقف بمنأى عن اليقين من أن هناك حاجة ماسة لتغيير المنظومة برمتها، التغيير الذي يذهب رأسا إلى القواعد فيضع لها أساسات جديدة، والتغيير الذي يهدف إلى ربط الممارسة الكروية بكل أضلاعها أفقيا وعموديا بسياسات متطابقة تتكامل ولا تتقاطع والتغيير الذي يقطع مع وصول السطحيين والفارغين من كل محتوى والفاقدين للشغف إلى مراكز القرار والتغيير الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة، التغيير من كل الشوائب التي أنتجت لنا تهميشا مريرا لكثير من مفاصل اللعبة في مقابل تسلل بعض الوجوه التي لا يرجى منها الإصلاح، لأنها أساس ما تم ارتكابه من أخطاء.
سأكتفي بما هو مفهوم وما يفهمه من يدرك تقاطع المصالح داخل الكرة، ولهذا لن تصيبني المفاجأة إذا فشلت الجامعة في توجهها تماشيا مع ما جاءت به من إصلاحات، وهذه نقطة لا أتمناها، ولكن يجب حسابها والتحسب لها.

Views: 15

الاخبار العاجلة