
عبد العزيز الخطابي

في السياسة الدولية لا تُقاس الاتفاقات بعدد البنود التي تحملها. بل بحجم التحولات التي يمكن أن تصنعها. ومن هذا المنطلق. تبدو مذكرة التفاهم الموقعة بين جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية أكثر من مجرد وثيقة لوقف إطلاق النار أو إطار أولي للتفاوض؟ فهي تحمل في طياتها مشروعاً لإعادة صياغة واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً وتأثيراً في النظام الدولي منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979.
فالوثيقة. بما تضمنته من التزامات سياسية وأمنية واقتصادية ونووية. توحي بأن الطرفين وصلا إلى قناعة مفادها أن كلفة المواجهة أصبحت أكبر بكثير من كلفة التسوية. وأن استمرار الصراع المفتوح لم يعد يخدم المصالح الاستراتيجية لأي منهما في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.

ويبدو واضحاً أن المذكرة لم تُصغ بوصفها اتفاقاً لاحتواء أزمة عابرة . وإنما باعتبارها خارطة طريق لإنهاء مرحلة كاملة من الصدامات والعقوبات والضغوط العسكرية التي استمرت لعقود. فإعلان الوقف الدائم للعمليات العسكرية. والالتزام بعدم استخدام القوة أو التهديد بها. واحترام السيادة ووحدة الأراضي. يمثل انتقالاً من منطق الردع إلى منطق إدارة المصالح. وهو تحول نادر في منطقة اعتادت أن تُدار أزماتها بالسلاح أكثر مما تُدار بالدبلوماسية.
ولا يقل الملف النووي أهمية عن بقية الملفات. إذ يبدو أن الوثيقة تحاول الوصول إلى معادلة توازن دقيقة تمنح إيران حقها في برنامج نووي سلمي. مقابل تقديم ضمانات دولية واضحة بعدم إنتاج أو حيازة أسلحة نووية. مع إخضاع المواد المخصبة لإجراءات رقابية وآليات متفق عليها تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وهي صيغة تعكس إدراكاً متبادلاً بأن الحلول العسكرية لم تعد قادرة على إنهاء هذا الملف. وأن التسوية السياسية أصبحت الخيار الأكثر واقعية.
وفي الجانب الاقتصادي. تكشف المذكرة عن تحول لا يقل أهمية عن الجانب الأمني. فالتعهد برفع العقوبات. والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة. والسماح بتصدير النفط والمنتجات البتروكيماوية. إلى جانب الحديث عن برنامج اقتصادي تتجاوز قيمته 300 مليار دولار لإعادة إعمار وتنمية الاقتصاد الإيراني. يشير إلى أن الاقتصاد أصبح أداة رئيسية لبناء الثقة بين الطرفين. وأن واشنطن تدرك أن أي اتفاق طويل الأمد لن يكون قابلاً للحياة من دون منح طهران متنفساً اقتصادياً يعيد دمجها في الأسواق العالمية.
كما أن البنود المتعلقة بأمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز تحمل أبعاداً تتجاوز العلاقة الثنائية بين البلدين. إذ تمس أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها حساسية بالنسبة لأسواق الطاقة الدولية. ومن شأن أي تفاهم مستقر بشأن أمن الملاحة أن ينعكس مباشرة على حركة التجارة العالمية وأسعار النفط. وأن يقلل من احتمالات التصعيد العسكري الذي ظل يهدد المنطقة خلال السنوات الماضية.
وتكشف القراءة السياسية للمذكرة أن الطرفين يحاولان بناء اتفاق تدريجي يقوم على مبدأ “الخطوة مقابل الخطوة” حيث يرتبط الانتقال إلى المفاوضات النهائية بتنفيذ مجموعة من الالتزامات الأولية. وهو ما يعكس رغبة واضحة في تجنب تكرار تجارب سابقة انهارت بسبب غياب الثقة المتبادلة أو التراجع عن التعهدات السياسية.
ومع ذلك. فإن الطريق نحو اتفاق نهائي لن يكون مفروشاً بالسهولة التي توحي بها النصوص الدبلوماسية. فهناك حسابات داخلية لدى كل طرف، ومصالح إقليمية ودولية متشابكة. وأطراف ترى في استمرار التوتر ضمانة لموازين القوى الحالية. وهو ما يجعل أي تقدم في هذا المسار مرهوناً بقدرة واشنطن وطهران على تجاوز الضغوط السياسية وتحويل الالتزامات المكتوبة إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ.
ومن اللافت أن المذكرة لا تتحدث عن هدنة مؤقتة. بل عن إعادة ترتيب العلاقة بالكامل. من خلال اتفاق نهائي يُعتمد بقرار ملزم من مجلس الأمن الدولي. الأمر الذي يمنحه ثقلاً قانونياً وسياسياً غير مسبوق، ويجعله جزءاً من منظومة الأمن والاستقرار الدوليين. وليس مجرد تفاهم ثنائي محدود.
وفي حال نجاح هذا المسار. فإن الشرق الأوسط قد يكون أمام بداية مرحلة جديدة تتراجع فيها لغة المواجهة لصالح منطق التسويات الكبرى، وتتقدم فيها المصالح الاقتصادية على حساب الصراعات العسكرية. بما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل الخريطة السياسية والأمنية للمنطقة بأكملها.
إن ما تحمله هذه المذكرة لا يقتصر على إنهاء حرب أو رفع عقوبات أو تسوية ملف نووي. بل يتجاوز ذلك إلى محاولة كتابة فصل جديد في العلاقات الدولية، عنوانه أن أكثر الخصومات استعصاءً يمكن أن تتحول إلى طاولة تفاوض عندما تدرك القوى الكبرى أن الاستقرار أصبح مصلحة مشتركة. وأن السلام. مهما كان معقداً. يظل أقل كلفة من حرب لا رابح فيها.
Views: 14






