تذكرة بمليون حلم… عندما تصبح كرة القدم مشروعًا عقاريًا!

جسر التواصل13 يونيو 2026آخر تحديث :
تذكرة بمليون حلم… عندما تصبح كرة القدم مشروعًا عقاريًا!

عبد العزيز الخطابي
·
كان المغاربة يعتقدون أن أصعب ما يمكن أن يشترونه هو شقة صغيرة على أطراف المدينة. بعد سنوات من الادخار والقروض والوعود المؤجلة. لكن يبدو أن الزمن تغير. وأصبح امتلاك مقعد في مباراة كرة قدم لا يقل صعوبة عن امتلاك أربعة جدران وسقف.
لم يعد السؤال: “هل لديك تذكرة للمباراة؟” بل أصبح: “هل بعت سيارتك أم اكتفيت برهن أحلامك؟”
في زمن التضخم. ارتفعت أسعار الخضر واللحوم والمحروقات. فتأقلم المواطن على مضض. لكن أن يصل ثمن تذكرة مباراة إلى أرقام تجعل المواطن يحسب عدد الكلى التي يمتلكها قبل التفكير في الشراء. فذلك يدخل في باب الخيال الرياضي أكثر منه في باب التشجيع.
أصبح المشجع المغربي مطالبًا بأن يكون خبيرًا اقتصاديًا قبل أن يكون عاشقًا لكرة القدم. يجلس أمام شاشة هاتفه. لا لمتابعة تشكيلة المنتخب. بل لحساب ما إذا كان شراء التذكرة سيحرمه من أداء إيجار المنزل أو أقساط المدرسة أو فاتورة الكهرباء.
المفارقة أن كرة القدم كانت دائمًا رياضة الفقراء قبل الأغنياء. في الأزقة الشعبية لا تحتاج إلى تذكرة ولا إلى مقعد مرقم. يكفي حجران ليصبحا مرمى. وكرة مهترئة لتبدأ بطولة كأس العالم الخاصة بالأطفال.
أما اليوم. فقد أصبحت الكرة ترتدي ربطة عنق. وتسير في الممرات المخصصة لكبار الشخصيات. بينما يقف المشجع البسيط خلف الحواجز الإلكترونية يتابع الأسعار وكأنه يراقب مؤشرات البورصة.
قد يقال إن السوق يحكمه العرض والطلب. وإن من يدفع هذا المبلغ يفعل ذلك بإرادته. وهذا صحيح من الناحية الاقتصادية. لكنه لا يمنع من طرح سؤال بسيط: هل ما زالت كرة القدم رياضة تجمع الناس. أم أصبحت سلعة تفرق بينهم؟
كيف يمكن لعائلة مكونة من أب وأم وطفلين أن تحضر مباراة واحدة إذا كانت تكلفة الجلوس في المدرجات تعادل ميزانية شهر كامل؟ هل المطلوب أن يختار الأب بين تشجيع المنتخب أو شراء مستلزمات أبنائه؟
حتى السخرية أصبحت عاجزة عن مواكبة الواقع. فمن يدفع مبلغًا ضخمًا ليشاهد مباراة قد تنتهي بالتعادل السلبي، يشبه من يشتري سيارة فاخرة ليكتشف أنها بلا محرك. الفارق الوحيد أن السيارة ستبقى معه سنوات. أما صافرة الحكم فستنهي كل شيء خلال ساعتين.
الغريب أيضًا أن الجماهير هي التي صنعت شعبية اللعبة. وهي التي تملأ المدرجات بالألوان والهتافات. لكنها أصبحت اليوم آخر من يستطيع الدخول إليها. وكأن المسرحية تُقام من أجل الجمهور. لكن الجمهور الحقيقي ممنوع من الحضور.
إذا استمرت الأسعار في الصعود بهذا الشكل فقد نرى قريبًا عروضًا ترويجية من البنوك: “احصل على قرض لمدة عشرين سنة. وتمتع بمشاهدة مباراة واحدة مع إمكانية التقسيط المريح.” وربما ستظهر شركات عقارية تعلن: “اشتر شقة واحصل على تذكرتين مجانًا لمباراة الموسم.”
المؤسف أن الرياضة التي كانت مساحة للفرح الجماعي بدأت تتحول إلى امتياز طبقي. حيث يجلس في المدرجات من يستطيع الدفع. بينما يكتفي ملايين العشاق بمتابعة المباراة من المقاهي أو أمام شاشات المنازل. وهم يرددون أن حب الوطن لا يحتاج إلى تذكرة. لكن حضور المباراة يبدو أنه يحتاج إلى حساب مصرفي استثنائي.
لا أحد يعترض على تنظيم مباريات عالمية أو تحقيق عائدات مالية. فذلك جزء من صناعة الرياضة الحديثة. لكن نجاح أي حدث رياضي لا يقاس فقط بالأرباح. بل بقدرته على الحفاظ على جمهوره الحقيقي، ذلك المواطن الذي كان يهتف للمنتخب قبل أن تصبح أسعار التذاكر خبرًا اقتصاديًا أكثر منها خبرًا رياضيًا.
وفي النهاية. يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام مباراة لكرة القدم أم أمام مزاد علني للفوز بحق الجلوس على مقعد لمدة تسعين دقيقة؟
قد يسجل المنتخب هدفًا يسعد الملايين. لكن الأسعار الحالية سجلت هدفًا آخر في مرمى المواطن البسيط. هدفًا لا يحتاج إلى تقنية حكم الفيديو للتأكد من صحته. لأنه واضح في جيب كل مغربي يحلم فقط بأن يشجع منتخب بلاده من داخل الملعب، دون أن يشعر أنه على وشك شراء شقة أو الاستثمار في مشروع عقاري.
 
 

Views: 5

الاخبار العاجلة