
بقلم. عبد العزيز الخطابي

في عالم السياسة، نجد أنفسنا في مطبخ كبير يعج بالفوضى، حيث تُعد الوجبات بعناية تحت إشراف طهاة اعتادوا على الخبث أكثر من الطهي. إنهم مثل سحرة يختبئون خلف أضواء المسرح، يتلاعبون بالمكونات، ويدّعون تقديم أشهى الأطباق، بينما نكتشف بعد كل قضمة أنها كانت مجرد كومة من الوعود غير المحققة، مضافًا إليها قليل من التوابل الفاسدة.
في هذا المطعم الفاسد، الأطباق تتكرر بانتظام، تمامًا مثل الوجوه التي تعود علينا كل انتخابات. هل نحن ضيوف على مأدبة دائمة، أم أننا سجناء في سجنٍ مترف من الأوهام السياسية؟ ننتظر بحماس ما يُقدّم لنا، لكن ما نخرج به في النهاية هو خيبة أمل تجوب بين أروقة قلوبنا. مع كل وجبة جديدة، نشعر وكأننا نغوص أعمق في هذا المطبخ الفوضوي، الذي يحتقر فضيلة الشفافية، ويتحدى قيم الشجاعة.
ألسنا كزوار في مطعم غريب، حيث يُطلب منا دفع ثمن الوجبات الفاسدة، بينما يدعي الطهاة أنهم يحضرون لنا طعامًا شهيًا؟ مع كل استحقاق انتخابي، يتجدد الأمل، لكن سرعان ما يُخيب هذا الأمل عندما نجد أنفسنا نعيد الابتعاد من هذا المطبخ الكريه، نبحث عن خُبز يُشبع جوعنا للمصداقية والعدالة.
إذاً، في هذا المقال، سننطلق في رحلة عبر أروقة هذا المطبخ الفاسد، لنكشف عن عجائب السياسة المغربية، ونلمس العمق الفلسفي لهذه المهزلة التي تُدعى الديمقراطية. فهل ستحمل لنا الأيام المقبلة طهاة مدركين لأهمية الجودة بدلًا من الكمية؟ أم سنظل ضحايا لوصفات سخيفة تُعدّ بعناية، لكنها تُطعم الفساد بدل الحرية؟
في خضم المشهد السياسي المغربي، نجد أنفسنا، نحن المواطنين، مقسومين إلى فئتين: من يأكل المرارة، ومن يتابع المطبخ من بعيد. لكن، هل فكرنا يومًا فيما يُطهى في هذا المطبخ؟ يبدو أن الأمر ليس أكثر من وجبة فاسدة تتكرر كل عدة سنوات، مع إضافة بسيطة من التوابل السياسية!
إنها حقًا مأساة أن نعايش أحزابًا تتكون من نفس الوجوه، تدّعي تحسين أحوالنا، بينما نحن نكافح من أجل العثور على شيء صالح للأكل. كل حزب يأتي بوعده السحري، لكن الفولكلور السياسي المغربي يكشف عن إعدادات مضحكة ومكونات ناقصة. فأين هو الطاهي القادر على تحقيق التغيير؟ ربما تخرجوا جميعًا من مدارس خاصة لا تعرف سوى مبدأ “افعل ما تشاء، لكن تأكد أن هناك من سيتحمل المسؤولية.”
تظهر النقابات العمالية، التي أُسست لحماية حقوق العمال، كأن لها قائمة طعام خاصة بها: “وجبة الاحتجاج، مع صلصة المماطلة”. يعتقد مروجو هذه النقابات أنهم يمثلون صوت الشعب، لكن عندما نتوغل في التفاصيل، ندرك أن المظاهر تخفي فسادًا عميقًا. كيف يمكن للقادة النقابيين أن يرتبوا اتفاقيات مع الشركات الكبرى على حساب العمال، ثم يُصدروا بيانات تتحدث عن الدفاع عن الحقوق، في ظل تلقيهم رواتب ضخمة تعكس “التضامن” المزعوم؟
لننظر إلى الفساد الذي أصبح بمثابة خزان سياسي يتغذى عليه الجميع. كلما مرّت مرحلة انتخابية، نجد أن الفساد قد طُهِي بصورة جيدة، لدرجة أنه أصبح جزءًا لا يتجزأ من الطبق. المواطنون هم من يدفعون ثمن هذه الوجبات الفاسدة من جيوبهم، بينما الأحزاب والنقابات يتظاهرون أنهم طهاة بارعون، رغم أن أحدًا لا يستطيع لمس الأطباق التي يقدمونها.
ثم يأتي السؤال الأخطر: لماذا يظل المغاربة عالقين في هذا المطبخ الفوضوي؟ الجواب بسيط: إننا نواصل التصويت لنفس الأحزاب، ونعطي الفرصة نفسها لكل من يوهمنا بوجبة أفضل. هل لدينا القدرة على تغيير قائمة الطعام؟ أم أننا سنظل في الانتظار حتى تأتي الحكومة المقبلة لتحضر لنا “الفطائر الديمقراطية”، بينما تستمر في خدمة المصالح الخاصة؟
وبناءً على ذلك، نحتاج إلى طهاة جدد، ليس فقط لتغيير الوجوه، بل لتغيير أسلوب الطبخ. إن الابتكار والإصلاح هما ما ينقصنا. دون ذلك، سيستمر الطعام في الفساد، وسنظل ننتظر وجبة تلبي أحلامنا.
لكن، في هذه الأجواء، علينا جميعًا أن نكون مراقبين يقظين. يجب أن نكون أكثر وعيًا بشأن ما يُقدم لنا، وعلينا أن نطالب بوجبات صحية ودسمة تعبر عن تصوراتنا وآمالنا. فهل نجرؤ على ذلك؟ أم سنظل نتذوق نفس الطبخة المكررة ونستسلم لنفس المآسي، بينما ننتظر الأمل أن يحضر إلى مائدة الفساد؟
في هذا السياق، يُعتبر الصمت المريب من قبل الجماهير مكونًا آخر من مكونات هذه الوجبة. كأننا نعيش في دوامة من اليأس، حيث يفضل البعض مراقبة الأحداث من بعيد، وكأنهم مجرد مشاهدين في فيلم ممل. لقد ترسخ الاعتقاد لدى الكثيرين بأن أصواتهم لن تُحدث فرقًا، مما يجعلهم كقطع شطرنج بلا تحرك، يتلقون تحركات اللاعبين في المطبخ دون استجابة.
ثم هناك صحن الاحتجاجات الباهتة، الذي يُقدَّم في كل مرة كبديل للغضب الشعبي. رغم الصرخات في الشوارع، نجد أن الاحتجاجات تتحول إلى نقرات على لوح شطرنج، يتم تحريكها بمهارة من قبل الأوساط السياسية لاستغلال الغضب كمجرد وسيلة لتهدئة الواقع دون معالجة جوهر المشكلة.
ولا يمكن أن نغفل البهرجة الإعلامية، التي تُضاف كديكورات فوق طاولة الطعام. حين نتناول الأخبار، نشعر وكأننا في عالم موازٍ، بينما يعيش المواطن العادي في واقع مزدحم بالمشكلات، ونجد أنفسنا غارقين في أخبار لا تعكس ما يحدث، بل تساهم في إلهاء الناس عن وجبات الفساد المقدمة.
مع التسرُّب السياسي، تُعمي الأضواء الساطعة بعض الأشخاص عن الحقيقة. فنجد أنفسنا نقبل مصائرنا وكأنها الأقدار، لكن علينا أن نعيد النظر في كيفية إدارة الأمور. لقد آن الأوان لنُظهر كجمهور فعال يُطالب بالحق في وجبة سياسية حقيقية، حيث نملك القدرة على الاختيار بين الأصناف الصحية، بعيدًا عن التوابل الفاسدة.
فهل نُعيد صياغة مفاهيم المطبخ السياسي المغربي، أم سنظل نغرق في بحر من الفساد بلا نهاية؟
* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر جسر التواصل






