أخطر ما في الحرب ليس السلاح… بل الأفكار التي تمهد لتقسيم البلاد

جسر التواصل16 مارس 2026آخر تحديث :
أخطر ما في الحرب ليس السلاح… بل الأفكار التي تمهد لتقسيم البلاد

د. عمر زكريا أبو القاسم ـ الرباط
في زمن الحروب تتغير مفردات اللغة وحمولتها. ما كان يُعد في الأمس خطاباً متطرفاً يصبح اليوم رأيا قابلاً للنقاش. وما كان يُقال في الهامش يتحول فجأة إلى حديث يتردد في الفضاء العام. هكذا بدأنا نسمع اليوم دعوات صريحة أو شبه صريحة لتقسيم السودان، يروج لها بعض الناشطين، من أمثال عبد الرحمن عمسيب وحياة عبد الملك، تحت لافتات مثل “دولة النهر والبحر”.
هذه ليست مجرد آراء غاضبة في زمن الحرب، بل خطاب سياسي خطير يقوم على منطق الإقصاء وإعادة تعريف الوطن على أساس جهوي وعنصري.
من نقد الهيمنة إلى خطاب الكراهية
لا أحد ينكر أن السودان عانى لعقود من اختلالات كبيرة في توزيع السلطة والثروة، وأن بعض الأقاليم ـ ومنها دارفور ـ شعرت بالتهميش والظلم. لكن تحويل هذا التاريخ المعقد إلى خطاب يقول إن الحل هو عزل مناطق أو قبائل أو إقامة دولة خاصة بها، ليس معالجة للمشكلة بل انتقال بها إلى مستوى أخطر.
إن نقد هيمنة النخب شيء مشروع، أما الدعوة إلى إعادة تشكيل الدولة على أساس إثني أو جهوي فهو خطاب يقود حتماً إلى تفكيك المجتمع نفسه، وهذا مرفوض جملة وتفصيلا.
التاريخ لا يكتب بهذه البساطة
السردية التي يروج لها دعاة “دولة النهر والبحر”، تقوم على فكرة أن بعض القبائل في شمال السودان تحالفت مع الاستعمار ثم ورثت الدولة بعد الاستقلال.
لكن هذه الرواية، رغم جاذبيتها السياسية، تختزل تاريخاً شديد التعقيد.
السودان بعد الاستقلال لم تحكمه قبيلة واحدة، بل تعاقبت عليه انقلابات عسكرية وصراعات حزبية شاركت فيها قوى من مختلف الأقاليم.
إن تحويل التاريخ إلى قصة أخلاقية بسيطة عن جلاد وضحية، قد يكون مفيداً في التعبئة السياسية، لكنه ليس أساساً لبناء مستقبل دولة.
الطريق الذي قاد إلى الانقسام
قبل سنوات قليلة فقط عاش السودان تجربة قاسية عندما وقع انفصال جنوب السودان. يومها أيضاً بدأت الفكرة بخطاب يروّج لفكرة إن التعايش أصبح مستحيلاً.
ومع مرور الوقت تحولت تلك الفكرة إلى واقع سياسي وجغرافي.
والتاريخ يعلمنا أن الأفكار الانفصالية تبدأ بكلمات وتنتهي، غالباً، بخرائط جديدة.
الصمت الرسمي يثير الشكوك
إن القلق الذي يطرحه كثير من السودانيين اليوم هو أن هذا الخطاب ينتشر ويتمدد دون رد واضح من المؤسسات المرتبطة بالحكومة في بورتسودان.
حتى لو لم تكن هذه الدعوات تمثل سياسة رسمية، فإن الصمت عنها قد يفسَّر كنوع من التساهل أو التغاضي، وهو أمر خطير في لحظة تعيش فيها البلاد حرباً وجودية.
الدولة التي تقاتل للحفاظ على بقائها لا يمكن أن تسمح بانتشار خطاب يشكك في وجودها نفسه.
السودان ليس مجموعة جزر منفصلة
الحقيقة الاجتماعية التي يتجاهلها دعاة التقسيم هي أن السودان بلد شديد التداخل، فقد امتزجت القبائل والمجتمعات عبر قرون من الهجرة والتجارة والمصاهرة.
ولم تعد ثمة حدود واضحة يمكن أن تفصل بين شمال خالص أو غرب خالص أو وسط خالص.
وأي محاولة لرسم حدود على أساس الهوية ستقود ببساطة إلى حروب جديدة حول الأرض والموارد والانتماء.
المعركة الحقيقية
المعركة الحقيقية في السودان ليست بين الشمال والغرب، ولا بين قبيلة وأخرى، بل بين فكرة الدولة الجامعة وفكرة تفكيكها إلى كيانات متناحرة.
إذا انتصرت فكرة التقسيم فلن تتوقف عند حد.
اليوم قد تكون “دولة النهر والبحر”، وغداً قد تظهر دولة دارفور، وبعدها دولة الشرق، حتى يتحول السودان إلى فسيفساء من الدول الضعيفة المتصارعة.
كلمة أخيرة
الغضب مفهوم في زمن الحرب، والمرارة التي يشعر بها كثير من السودانيين نتيجة عقود من الظلم هي إحساس حقيقي. لكن تحويل هذا الغضب إلى مشروع لتقسيم البلاد ليس حلاً، ولا ينبغي أن يكون، بل هو وصفة مؤكدة لمستقبل أكثر دموية.
إن السودان يحتاج إلى إصلاح عميق في نظام الحكم، وإلى عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والمواطنة المتساوية. أما الطريق الذي يبدأ بالدعوة إلى تقسيم الوطن فلن يقود إلا إلى مزيد من الخراب.
فالأوطان لا تنهار فقط عندما تهزم جيوشها، بل تنهار أيضاً عندما يقتنع أبناؤها بأن الوطن لم يعد يستحق أن يبقى واحداً.

 

Views: 61

الاخبار العاجلة