
بدر شاشا

في زمن أصبحت فيه المعلومات تتسارع بسرعة الضوء، وفي عصر تتشابك فيه التكنولوجيا مع الحياة اليومية، يبدو أن التفاهة أصبحت تتربع على عرش الاهتمام، متفوقة على كل ما هو علمي، معرفي، وثقافي. في العالم العربي والعالم أجمع، نجد أن السطحي، السهل، والمبتذل هو ما يملأ الشاشات، وتحتله منصات التواصل الاجتماعي، بينما تُهمش المقالات المعمقة، المعلومات الدقيقة، والأفكار العلمية التي تحتاج إلى تفكير وتأمل. هذا الواقع لا يقتصر على الترفيه فحسب، بل يمتد إلى التعليم، الثقافة، وحتى إلى إدارة المعلومات في حياتنا اليومية.
كثير من الشباب يتصفح الإنترنت ويقضي ساعات طويلة في متابعة محتوى تافه، مقاطع قصيرة لا تضيف شيئًا إلى الفكر، ولا تغذي العقل، ولا تطور الشخصية. هذا المحتوى يستهلك الوقت والطاقة، ويجعل العقل يعتاد على السطحية، بعيدًا عن التحليل، النقد، والاستنتاج. بينما المقالات العلمية، الثقافية، والفكرية، والتي تحتاج وقتًا للقراءة والتفكير، تجد القليل من المتابعين، ونادرًا ما يُشاركها الناس، حتى وإن كانت مفيدة. هناك تناقض صارخ: كلما زاد الاهتمام بالمبتذل، كلما قل الاهتمام بالعلم والمعرفة.

هذا الانتشار للتفاهة لا يحدث صدفة. الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في العالم العربي والعالم عامة، أصبحت تُصمم لتزيد المشاهدات والإعجابات، وليس لنشر العلم والفائدة. المشاهدات تُترجم إلى أرباح، والإعلانات تتكاثر، لذلك يُفضل المحتوى السهل، القصير، والمثير للفضول على المحتوى العميق، الطويل، والمفيد. وهكذا يصبح العلم حبيس المقالات الجادة، بينما تنتشر التفاهة في كل مكان: في الفيديوهات، الصور، التعليقات، وحتى في الأخبار الملفقة أحيانًا.
الأمر الأكثر خطورة هو أن هذا الانتشار للتفاهة لم يعد يقتصر على الترفيه فقط، بل امتد إلى الثقافة والمجتمع. المفاهيم، القيم، والأفكار يتم تشكيلها الآن بناءً على ما يُعرض على الشاشات، وليس على المعرفة الحقيقية أو التجارب العلمية. في المدارس، الجامعات، وحتى في المجتمعات، نجد أن المعلومات الخاطئة أو السطحية تنتشر أسرع من المعلومات الدقيقة. الطلاب أصبحوا أكثر تعلقًا بالمواضيع الشائعة والمسلية، وأقل اهتمامًا بالبحوث العلمية، الكتب المعمقة، والمقالات الدقيقة التي تصقل الفكر.
حتى المقالات والمعلومات المهمة تواجه مشكلة كبيرة: قلة الطلب والبحث عليها. القارئ يبحث عن السريع، السهل، والممتع، ويتجاهل المقال المفصل الذي يحتاج إلى وقت وتركيز. وهذا لا يعني أن الناس لا يملكون القدرة على التفكير، بل أن البيئة الرقمية التي نعيش فيها تعاقب العقل على التركيز، وتجعل التفاهة أكثر جاذبية من العلم والمعرفة.
على المستوى العالمي، نجد أن هذه الظاهرة ليست حكراً على العالم العربي، بل هي حقيقة في كل مكان. في الدول الكبرى، حيث التكنولوجيا والإعلام متقدمان جدًا، نجد أن البرامج الترفيهية والمحتوى المبتذل تحصد ملايين المشاهدات، بينما البحوث العلمية، المقالات الفكرية، والتحليلات الدقيقة تجد جمهورًا محدودًا. الأمر يشبه معركة مستمرة بين التفاهة والفائدة، بين السطحية والعلم، ويبدو أن السطحية غالبًا هي المنتصرة في هذه المعركة بسبب سرعة انتشارها وسهولة استهلاكها.
من ناحية أخرى، انتشار التفاهة له أثر نفسي واجتماعي على الأجيال الجديدة. الأطفال والشباب يتعلمون التفاعل مع العالم من خلال السطحية، يصبح لديهم صعوبة في التركيز، التفكير النقدي، والتحليل العميق. المعرفة تصبح مرتبطة بالترفيه، وليس بالبحث والفهم. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن المجتمعات قد تفقد قدرتها على التمييز بين الحقيقة والزيف، بين العلم والتفاهة، وبين المعرفة الحقيقية والمعلومة السطحية.
الحل ليس مستحيلاً، لكنه يحتاج إلى وعي جماعي وإصلاح ثقافي وتقني. يجب على وسائل الإعلام العربية أن تدعم المقالات العلمية والثقافية، وأن تشجع على القراءة والتفكير العميق، وليس فقط على المشاهدات والإعجابات. على الأفراد أن يتحملوا مسؤولية وعيهم الفكري، وأن يسعوا لإعطاء العلم والمعرفة الأولوية في حياتهم اليومية، سواء من خلال القراءة، المشاركة في النقاشات الفكرية، أو البحث عن المصادر الصحيحة والموثوقة.
التفاهة لن تختفي، ولن تنقرض لأنها ممتعة وسريعة الانتشار، لكنها لن تكون سيدًا على العلم إذا أُعيد توازن الاهتمام بين المعرفة والترفيه. العالم العربي بحاجة إلى ثقافة جديدة، ثقافة تقدر المقال الطويل، التحليل العميق، والمعرفة الدقيقة، وتعيد احترام العلم والفكر في زمن غلبت فيه السطحية. إذا نجحنا في ذلك، سنعيد للعقل مكانته، وللثقافة قيمتها، وسنخلق مجتمعًا قادرًا على التقدم والتطور الحقيقي بعيدًا عن التفاهة المهيمنة. التفاهة أكثر انتشارًا اليوم، لكنها ليست النهاية. العلم والمعرفة، مهما قل طلبها، لها جمهورها الحقيقي، وهي دائمًا من يترك أثرًا خالدًا على المجتمعات، على التفكير، وعلى المستقبل. المهم أن يُعيد الإنسان ترتيب أولوياته، ويختار بين المتعة السريعة التي تموت بعد لحظات، والمعرفة التي تبقى، تُصقل العقل، وتبني حضارة حقيقية.
Views: 50







