الكاتب والباحث طارق المعروفي يكتب في حديث الاثنين :الهواتف الذكية والتعليقات الغبية

جسر التواصل10 نوفمبر 2025آخر تحديث :
الكاتب والباحث طارق المعروفي يكتب في حديث الاثنين :الهواتف الذكية والتعليقات الغبية

 طارق المعروفي 
حين يتكلم الفراغ:
.مأساة التعليقات و التفاهة.
في زمنٍ صار الهاتف الذكي فيه امتدادًا للعقل الإنساني، لم يعد الصمت خيارًا متاحًا. فكل من يملك جهازًا صغيرًا في جيبه صار يرى في نفسه ناقدًا، ومفكرًا، وخبيرًا في كل المجالات. ومع كل صورة تُنشر، أو حدث يُعرض، تتدفق التعليقات كما يتدفق السيل.لكن للأسف، أغلبها منحط و لا يحمل من الذكاء إلا إسمه، ومن الذوق إلا قشرته.
صار المشهد اليوم صاخبًا إلى حدٍّ يصعب معه الإصغاء لصوت العقل. هناك فئة من مستعملي الهواتف، لا شغل لهم إلا التعليق على كل ما يرونه، وكأنهم مُكلّفون بمهمة الردّ على الكون. غير أن ما يثير الدهشة والحزن معًا، هو أن تلك التعليقات تكشف عن انحطاطٍ فكري وأخلاقي عميق، وعن مستوى من الجهل يجعلنا نتساءل: كيف تحوّل الهاتف الذكي إلى منبر للأغبياء، بدل أن يكون وسيلة للمعرفة؟
لقد صار التعليق عند البعض وسيلة لإثبات الوجود، حتى لو كان الثمن هو إهانة الآخرين، أو نشر السخافة، أو الدفاع عن أفكار تافهة لا تقوم على منطق. وكأنهم يقولون: “أنا أعلق، إذن أنا موجود”.
لكن أي وجود هذا الذي يُبنى على التفاهة؟ وأي رأي هذا الذي لا يضيف أي شيء إلا الضجيج و الانحطاط و البلادة ؟
الأدهى من ذلك قد يكون وراء هذا الانحطاط أحيانًا أيادي خفية، وشركات متخصصة تعمل على توجيه الرأي العام، وبثّ الجهل والسطحية في المجتمعات. تنشئ حسابات مزيفة، تزرع التعليقات المستفزة، وتدفع الناس إلى الجدال العقيم، لأن الفوضى تدرُّ أرباحًا، والتفاعل الأجوف يعني مزيدًا من الإعلانات والمكاسب.
لم تعد بعض المنصات تبحث عن الحقيقة، بل عن أكثر ما يثير الجدل ويشعل التعليقات، مهما كانت سخيفة أو مضللة.
ليس كل حدث ينتظر تعليقنا، ولا كل صورة تحتاج رأيًا. أحيانًا، يكون الصمت أبلغ من ألف جملة، وأرقى من ألف تعليق.
إنّ الكلمة مسؤولية، والتعليق شهادة فكرية على من يكتبه.
إن الكلمة، وإن كانت مجرّد حروف على شاشة، قد تُظهر معدننا الحقيقي، وترسم ملامح فكرنا أمام العالم. لهذا يتعين أن نجعل من حضورنا الرقمي أثرًا طيبًا لا صدىً أجوف، ومن تعليقاتنا قيمة مفيدة لا ضوضاء و لا غباوة، حتى تكون تعليقاتنا ذكية مثل هواتفنا .

الاخبار العاجلة