
جسر التواصل/ الرباط: الحسين بلهرادي
السرد الحقيقي هو الذي يثير الأسئلة داخل القارئ، الذي يجعله في حالة متواصلة من التأمل والتأهب لمعرفة المصائر، وهو كذلك الذي تتوفر فيه الدلالات والمعاني والعلامات التي يلتقطها المتلقي لكي تضيء له الكثير من الجوانب المظلمة والفجوات التي تركها المؤلف متعمداً احتراماً لقارئه الذكي، تلك هي الروايات التي تخلد في عقول وقلوب البشر لأنها أفلحت في رصد الواقع واقتربت من التعبير عن عوالم الإنسان المتنوعة.
كل هذه الحقائق موجودة في رواية «العهود»، للكندية مارغريت آتوود، الصادرة في نسختها العربية عن دار روايات في طبعتها الأولى عام 2021، بترجمة: إيمان أسعد.

هذا العمل السردي المميز، طرحت الكاتبة الكثير من الأسئلة المتعلقة بالبطلة، استفهامات تخص المرأة وقضيتها بل وقضاياها، لتعود بعدها المؤلفة، بعد أكثر من 30 عاماً، على الجزء الأول، لتحاول الإجابة عن تلك الأسئلة الإنسانية الحارقة التي حيرت القراء، ولكن ماذا فعلت آتوود؟ لقد طرحت المزيد من الأسئلة، وذلك هو دور المثقف والكاتب، أن يطرح السؤال الصحيح لكي يشكل حالة من الاهتمام بالموضوع.
لقد انتظرت كل هذا الوقت القصير..من السبت الماضي الى اليوم..مدة بقيت فيها اطرح الكثير من الاسئلة على نفسي وعلى العديد من حضروا معي في الحفل الذي نظمته جمعية أولاد زيد للتنمية الرياضية والاجتماعية على شرف ابناء المنطقة الذين نالوا شهادة البكالوريا..ومعهم الذين حصلوا على اعلى المعدلات..في الإعدادي والابتدائي..بدوار الهراردة بقبيلة أولاد زيد،قيادة أولاد أفرج بإقليم الجديدة..
وأنت تقف أمام هؤلاء الفتية..تسترجع ذكريات الماضي البسيط..الذي عشت وسطه..والذي يحتاج الى روايات وروايات…زمن الفقر والمعاناة والخصاص ولكن حضور العزيمة والإرادة وغيرها من العوامل..ذوبت كل الجبال الشاهقة..
وأنت تقف أمام وجوه هؤلاء الأبرياء..تترجم لغة السكوت والصمت والحلم الدراسي الذي يراود كل فتاة..
من بين الفتيات اللواتي الحاضرات” بشرى بحار” نجلة أخينا وصديقنا حسن بحار..المعروف بابتسامته الدائمة.. وقف الجميع منبهرا..عندما نطقت بالمعدل الذي حصلت عليه..لقد تجاوز معدل 19..وهي التي تتابع دراستها في إعدادية عبد الله العروي..رفقة بنت عمها خديجة بحار..رفيقة دربها..التي تسير على نفس المنوال.
بشرى تقطع المسافة بين الاعدادية ومنزل السكن..ذهابا وايابا..رفقة العديد من أبناء الدوار..على الأرجل..في حالة تطرح أكثر من علامة استفهام؟.
بشرى بحار واحدة من البطلات المجتهدات .. العصاميات.. الحالمات..الوفيات..المخلصات..المهذبات
بشرى نموذج لفتاة من العالم القروي..الذي يحتضن الذهب الخالص..العالم المنسي الذي يحتاج إلى الدعم والتشجيع..والمساندة قصد مواصلة رحلة الألم والأمل..
بشرى نجلة صديقنا حسن.. الباحث على لقمة العيش بالحلال..وبعرق جبينه.. تلك الفتاة شبه المتكاملة ولا كمال إلا لله سبحانه وتعالى.
البعض يريدون أن يقلدوا..فيصبحون نسخة بشرى بحار..لكن هذه الموهوبة لا تشبه إلا نفسها
بشرى هي بشرى بحار، وحين تنطلق كتاباتها ينطق الإبداع.
لقد قدمت بشرى رسالة واضحة لا تحتاج لتفسير أو تأويل بأنها جاهزة للمنافسة على أعلى المراتب.. ومن يقل غير ذلك ويصف هذه الكلمات بالمبالغة فإنه بالتأكيد لم يقرأ الرسالة التي بعثتها بشرى بعد حصولها على هذا المعدل الممتاز.
قبل الختام
هناك فرق بين (فقاعة الصابون) التي لا تكتب تاريخا، وتصنع مؤقتا وتختفي من المشهد بعد الابتعاد، وإن بقيت لا تعدو نشازا، وبين أولئك الكبار الذين حفروا أسماءهم بأحرف من ذهب، ونجحوا في تخليد اعمالهم أرقاما وتاريخا وبصمة.
ختام الكلام
لم يعد الجاهل عدوا لنفسه، وفقا للحكمة الشهيرة، بل عدوا للمجتمع، لأن الجاهل أصبح يمتلك أدوات فاعلة لتجهيل الآخرين بسبب تطور وسائل التواصل، وأمثال هؤلاء تنطبق عليهم أبيات الشاعر العباسي صالح بن عبدالقدوس
وإن عناء أن تـفـهـم جاهـــلا
فيحسب جهلا أنـه منك أفهـم
متى يبلغ البنيان يوما تمامـــه
إذا كنت تبنيه وغيرك يهــدم
Views: 15







