عميد الأدب العربي… لقبٌ صنعته الصحافة أم شهادةٌ من التاريخ؟

جسر التواصل3 أكتوبر 2026آخر تحديث :
عميد الأدب العربي… لقبٌ صنعته الصحافة أم شهادةٌ من التاريخ؟

عبد العزيز الخطابي
·ثمة ألقاب تولد من المؤسسات. وألقاب تولد من الشعوب. وألقاب تولد من الصحافة ثم يكبر بها الزمن حتى ينسي الناس لحظة ولادتها. ولعل لقب «عميد الأدب العربي» واحد من أكثر الألقاب التي تحتاج إلى العودة إلى أصلها. لا لتجريد طه حسين من مكانته. وإنما لتحرير التاريخ من الأسطورة. واللقب من القداسة التي أضفاها عليه الزمن.
فالسؤال ليس: هل كان طه حسين أديبًا كبيرًا؟ فهذه مسألة أخرى لها أدلتها وكتبها وتأثيرها في الثقافة العربية. والسؤال ليس أيضًا: هل كان مفكرًا مؤثرًا؟ فهذا ثابت في تاريخ الفكر العربي الحديث. وإنما السؤال الأكثر دقة هو: هل كان طه حسين قد مُنح رسميًا لقب «عميد الأدب العربي»؟ ومن الجهة التي منحته إياه؟
هنا تبدأ المفاجأة.
طه حسين لم يدخل التاريخ سنة 1932 باعتباره «عميد الأدب العربي» لقد كان قبل ذلك. وبصورة رسمية. عميدًا لكلية الآداب في الجامعة المصرية. وتوثق سيرة طه حسين في مجمع اللغة العربية بالقاهرة أنه عُيّن عميدًا لكلية الآداب سنة 1928. ثم جُدد تعيينه سنة 1930. وفي 3 مارس 1932 صدر قرار بنقله من كلية الآداب إلى وزارة المعارف. ثم أُحيل إلى التقاعد في 29 مارس من السنة نفسها.
وهنا يجب أن نتوقف.

فالمنصب كان واضحًا: عميد كلية الآداب.
لم يكن هناك منصب اسمه «عميد الأدب العربي»
لم تكن هناك أكاديمية عربية اجتمعت وانتخبت طه حسين عميدًا للأدب.
لم تكن هناك جامعة دولية أعلنت هذا اللقب.
ولم يصدر مرسوم أو قرار رسمي يقول إن طه حسين أصبح «عميد الأدب العربي»
الذي حدث كان أكثر بساطة. وأكثر إثارة في الوقت نفسه.
عندما فقد طه حسين عمادة كلية الآداب. لم تفقده الصحافة العمادة. بل نقلتها من المكان إلى الرمز؟ ومن الكلية إلى الأدب كله.
وهنا ولد اللقب.
بل إن طه حسين نفسه حسم جانبًا مهمًا من هذه القصة في حواره مع فؤاد دوارة. المنشور في كتاب «عشرة أدباء يتحدثون» فعندما سُئل عن مناسبة لقب «عميد الأدب العربي» قال إن اللقب أُطلق عليه شعبيًا بعد أن أبعده صدقي باشا عن الجامعة سنة 1932، وإن صحف المعارضة هي التي لقبته «بعميد الأدب العربي. وليس عميد كلية الآداب وحدها»
وهذه الشهادة لا ينبغي المرور عليها مرورًا عابرًا.
لأن صاحب اللقب نفسه يقول لنا من أين جاء اللقب.
طه حسين لم يقل إن جامعة منحته إياه.
لم يقل إن أكاديمية عربية اختارته.
لم يقل إن الأدباء العرب اجتمعوا وانتخبوه.
بل قال إن صحف المعارضة أطلقت عليه اللقب.
وهنا تنقلب الحكاية كلها.
فالعمادة الأصلية كانت حقيقية ومؤسسية: عمادة كلية الآداب.
أما العمادة الجديدة فكانت صحفية ورمزية: عميد الأدب العربي.
كان الرجل عميدًا لكلية، فجاءت الصحافة وحوّلت العمادة من وظيفة إلى استعارة.
وهذا هو جوهر المسألة.
ففي 3 مارس 1932 نشرت «المقطم» خبر قرار وزير المعارف نقل طه حسين من كلية الآداب إلى وزارة المعارف. وتؤكد المصادر التي عادت إلى الخبر الصحفي الأصلي أن الأزمة أثارت احتجاج الطلاب وأساتذة الجامعة. ثم اتسعت إلى الصحافة والرأي العام.
كانت السلطة تريد إخراج طه حسين من موقعه الجامعي. لكن الصحافة المعارضة فعلت شيئًا أكثر ذكاءً من مجرد الدفاع عنه: نزعت منه العمادة الإدارية ومنحته عمادة رمزية.
كأن الصحافة قالت للسلطة. في معناها السياسي لا بالضرورة في عبارة حرفية موثقة: تستطيعون أن تنزعوا منه كرسي العميد. لكنكم لا تستطيعون أن تنزعوا منه رمزيته.
ومن هنا جاءت قوة اللقب.
لقد تحولت الهزيمة الإدارية إلى انتصار رمزي.
وتحول قرار النقل من نهاية وظيفة إلى بداية أسطورة.
وهذه من المفارقات التي يصنعها التاريخ كثيرًا: السلطة تستطيع أن تسلب الإنسان منصبه. لكنها لا تستطيع دائمًا أن تتحكم في المعنى الذي تمنحه الجماعة لذلك الإنسان بعد فقدان المنصب.
لكن المشكلة تبدأ عندما ننسى أن اللقب كان نتاج تلك اللحظة. ونبدأ في التعامل معه بعد عشرات السنين وكأنه منصب قائم بذاته، وكأن هناك مؤسسة اسمها «عمادة الأدب العربي» لها قانون وناخبون ومدة ولاية وآلية ترشيح.
لا شيء من ذلك حدث.
اللقب وُلد في الصحافة.
ثم انتقل من الصحافة إلى الكتب.
ومن الكتب إلى المناهج.
ومن المناهج إلى الذاكرة الجماعية.
ثم أصبح بعض الناس يتعاملون معه وكأنه حقيقة فوق التاريخ.
وهنا تتحول الصحافة إلى مؤسسة. ويتحول الوصف إلى منصب. ويتحول الرمز إلى سلطة.
وهذه ليست مشكلة طه حسين وحده؟ إنها مشكلة الثقافة العربية مع الألقاب.
فكم من لقب صحفي أصبح مع الزمن حقيقة لا يسأل أحد عن أصلها؟
وكم من وصف أطلق في لحظة انفعال سياسي أو ثقافي تحول بعد عقود إلى «حقيقة» يتوارثها الناس دون أن يسألوا: من قال ذلك أول مرة؟ ومتى؟ ولماذا؟
إن التاريخ لا يطلب منا أن نهدم الرموز. لكنه يطلب منا أن نعرف كيف صنعت الرموز.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية قصة «عميد الأدب العربي»
فإذا كان اللقب قد جاء من الصحافة. فإن قيمته التاريخية لا تتساوى مع قيمة جائزة أكاديمية أو اعتراف دولي.
نوبل. مثلًا. جائزة لها مؤسسة وآلية ترشيح واختيار وإعلان.
أما «عميد الأدب العربي» فليس جائزة. ولا وسامًا. ولا درجة علمية. ولا منصبًا جامعيًا.
إنه لقب ثقافي نشأ في سياق سياسي وصحفي محدد.
وهذا لا يقلل من شأنه بوصفه لقبًا تاريخيًا. لكنه يمنعنا من منحه سلطة لم تكن موجودة عند ولادته.
والأهم من ذلك أن الاعتراف بقيمة طه حسين لا يحتاج إلى أسطورة اللقب.
فالرجل ترك كتبًا وأفكارًا ومواقف وآثارًا لا يستطيع لقب وحده أن يصنعها.
وإذا كان طه حسين عظيمًا. فإن عظمته ينبغي أن تُقرأ في «الأيام» و«في الشعر الجاهلي» و«مستقبل الثقافة في مصر»، و«حديث الأربعاء» وفي مشروعه النقدي والفكري والجامعي. وفي أثره في تحديث دراسة الأدب العربي.
أما أن نقول إن قيمته تثبت لأنه «عميد الأدب العربي» فنحن نقلب العلاقة بين الرجل واللقب.
طه حسين هو الذي أعطى اللقب قيمته التاريخية، وليس اللقب هو الذي صنع قيمة طه حسين.
وهنا يجب أيضًا أن نكون منصفين في مسألة أخرى.
هناك روايات لاحقة تقول إن الطلاب. أثناء احتجاجهم على إبعاده. حملوه على الأعناق ولقبوه «عميد الأدب العربي» وقد وردت هذه الرواية في بعض الكتابات الصحفية والتاريخية.
لكن عندما نملك شهادة مباشرة من طه حسين نفسه تقول إن صحف المعارضة هي التي أطلقت عليه اللقب. فإن الباحث ينبغي أن يكون حذرًا في تقديم الرواية الطلابية باعتبارها حقيقة نهائية.
قد يكون الطلاب رددوا العبارة أو ساهموا في انتشارها. وقد تكون الصحافة قد التقطت التعبير وصاغته وعممته. وقد تكون الروايات اللاحقة قد مزجت بين الاثنين.
لكن الشيء الذي يمكن قوله بثقة أكبر هو أن اللقب لم يكن منصبًا أكاديميًا. وأن طه حسين نفسه نسب إطلاقه إلى صحف المعارضة.
وهذا يكفي لتصحيح كثير من الرواية المتداولة.
إن الفرق بين «عميد كلية الآداب» و«عميد الأدب العربي» ليس مجرد فرق لغوي صغير.
إنه الفرق بين وظيفة لها مؤسسة ولقب له ذاكرة.
الأولى يمكن أن يصدر بها قرار تعيين. ويمكن أن تنتهي بقرار إعفاء.
أما الثانية فتولد في الصحافة. ثم تعيش في أذهان الناس.
ولذلك فإن طه حسين فقد العمادة الأولى سنة 1932. لكنه احتفظ بالثانية إلى نهاية حياته. بل وبعد وفاته.
والأكثر إثارة أن طه حسين عاد لاحقًا إلى عمادة كلية الآداب نفسها؟ فقد عاد إلى الجامعة وتولى العمادة مرة أخرى في النصف الثاني من الثلاثينيات. وتشير المصادر إلى توليه العمادة من 1936 إلى 1939، بل أعيد اختياره لاحقًا. وإن لم تستمر ولايته بسبب موقف الحكومة.
وهكذا أصبحت المفارقة أكثر وضوحًا:
عاد طه حسين إلى عمادة كلية الآداب. لكن لقب «عميد الأدب العربي» الذي ولد عندما فقد العمادة لم يعد بحاجة إلى كرسي جامعي.
لقد أصبح اللقب مستقلًا عن الوظيفة التي اشتُق منها.
وهنا بالضبط يجب أن يتوقف المؤرخ لحظة.
لأن السؤال لم يعد عن طه حسين فقط. بل عن الطريقة التي نصنع بها السلطة الرمزية في الثقافة العربية.
من يمنح الألقاب؟
هل الصحافة؟
هل الجمهور؟
هل النقاد؟
هل الجامعات؟
هل المؤسسات الثقافية؟
أم أن الزمن وحده يمنح اللقب شرعيته. لمجرد أنه كرره ملايين المرات؟
إذا كان الزمن هو الذي يمنح الشرعية. فإن كل لقب يتكرر طويلًا يمكن أن يتحول إلى حقيقة. حتى لو لم تكن وراءه مؤسسة واحدة.
وهذا خطر على التفكير النقدي.
فالثقافة الحية لا تقدس ألقابها؟ بل تسأل عن مصادرها.
ولا تهدم رموزها؟ بل تفكك الطريقة التي صنعت بها الرموز.
ولا تنتقص من الكبار؟ بل تمنع الألقاب من أن تصبح بديلًا عن الإنجاز.
ولهذا فإن إعادة النظر في «عميد الأدب العربي» ليست معركة ضد طه حسين. وإنما هي دفاع عن طه حسين نفسه من أن يتحول إلى مجرد لقب.
فطه حسين أكبر من أن يُختصر في كلمتين.
وإذا كان لقب «عميد الأدب العربي» قد صنعته صحف المعارضة في لحظة تاريخية سنة 1932. فإن تاريخ طه حسين الحقيقي صنعته عقود من الكتابة والتعليم والبحث والصراع الفكري.
الصحافة صنعت اللقب. لكن طه حسين صنع المكانة.
وهذه ربما هي الحقيقة الأكثر إنصافًا للرجل.
فلا حاجة إلى أكاديمية وهمية لنمنحه مكانته. ولا إلى لقب أسطوري لنثبت أثره.
إنما الحاجة إلى قراءة ما كتب. ومناقشة ما قال، ونقد ما أخطأ فيه. والاعتراف بما أنجزه.
أما «عميد الأدب العربي»، فيبقى كما ولد أول مرة:
لقبًا صحفيًا رمزيًا خرج من أزمة طه حسين مع السلطة سنة 1932. ثم حمله التاريخ طويلًا حتى بدا لكثيرين وكأنه منصب رسمي.
لكن التاريخ، حين نعود إلى بداياته، يقول شيئًا أبسط:
كان طه حسين عميدًا لكلية الآداب. ثم فقد العمادة، فجاءت الصحافة ومنحته عمادة الأدب.
ومن هنا تبدأ الحكاية… ومن هنا أيضًا يجب أن يبدأ السؤال.

الاخبار العاجلة