انفجارا دمشق… حين يتقاطع الأمن مع السياسة في زمن الفرجة العالمية ؟

جسر التواصل8 يوليو 2026آخر تحديث :
انفجارا دمشق… حين يتقاطع الأمن مع السياسة في زمن الفرجة العالمية ؟

عبد العزيز الخطابي
ليست السياسة مجرد ما يُقال في المؤتمرات الصحفية. وليست الأحداث الأمنية مجرد وقائع تُسجل في بيانات وزارات الداخلية. ففي عالم اليوم. لكل توقيت دلالته. ولكل انفجار رسالته. ولكل صمت تفسيره. ومن هنا. فإن الانفجارين اللذين هزا العاصمة السورية دمشق بالتزامن مع الزيارة التاريخية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لا يمكن قراءتهما بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي. ولا عن لحظة يعيش فيها العالم على إيقاع كأس العالم لكرة القدم. الحدث الذي يحتكر اهتمام وسائل الإعلام والجماهير.
الصدفة في السياسة مفهوم شديد الهشاشة. فقد تتزامن الأحداث أحيانًا دون رابط، لكن السياسة تعلمنا أيضًا أن نسأل قبل أن نجيب. وأن نحلل قبل أن نستنتج. ولذلك. يصبح السؤال مشروعًا: لماذا وقع هذا الحدث في هذا التوقيت بالذات؟ ولماذا تزامن مع أول زيارة لرئيس دولة غربية كبرى إلى دمشق منذ سنوات؟ وهل كان الهدف مجرد عمل أمني معزول. أم أن الرسالة كانت أكبر من مكان الانفجار نفسه؟
في التاريخ السياسي. كثيرًا ما كانت الرسائل أهم من النتائج. فقد لا يكون المقصود إيقاع أكبر عدد من الضحايا. بل توجيه رسالة تقول إن الأمن لا يزال هشًا. وإن أي محاولة لإعادة رسم المشهد السياسي في سوريا لن تمر دون اعتراض من أطراف ترى في الاستقرار تهديدًا لمصالحها.
لكن هناك سؤالًا آخر لا يقل أهمية: لماذا في ذروة كأس العالم؟
منذ عقود. أدركت القوى السياسية أن الأحداث الكبرى تتنافس على انتباه الرأي العام العالمي. فبينما تتجه أنظار مليارات البشر إلى الملاعب. قد تمر أحداث سياسية أو أمنية بأقل قدر من التغطية. أو على العكس. قد يكتسب حدث معين اهتمامًا مضاعفًا إذا نجح في اختراق المشهد الإعلامي العالمي. هنا يصبح التوقيت جزءًا من الحدث. وليس مجرد ظرف زمني.
هل أراد منفذو هذا العمل. أيًا كانت هويتهم. أن يقولوا إن كرة القدم لا تستطيع أن تحجب أصوات الانفجارات؟ أم أن اختيار هذا التوقيت كان يهدف إلى استثمار الانشغال العالمي لتقليل الضغوط الإعلامية؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه مصادفة فرضتها ظروف ميدانية بحتة؟ لا توجد حتى الآن أدلة تجيب بصورة قاطعة. لكن هذه الأسئلة تبقى جزءًا طبيعيًا من القراءة السياسية.
زيارة ماكرون نفسها لم تكن زيارة بروتوكولية عادية. فقد حملت أبعادًا تتعلق بإعادة فتح قنوات الحوار. وبمستقبل العلاقات الأوروبية مع دمشق، وبملفات الأمن والهجرة وإعادة الإعمار. ولذلك فإن أي حادث أمني يتزامن مع هذه الزيارة يكتسب تلقائيًا بعدًا يتجاوز حدوده الميدانية.
ورغم أن السلطات السورية أكدت أن الانفجارين نتجا عن عبوتين ناسفتين انفجرتا أثناء محاولة تفكيكهما. وأن الرئيس الفرنسي لم يكن مستهدفًا بشكل مباشر، فإن الحدث أعاد طرح سؤال الاستقرار الأمني، وهو السؤال الذي سيبقى حاضرًا في أي نقاش حول مستقبل سوريا وعلاقاتها الدولية.
الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو كان يرى أن السلطة لا تُمارس فقط بالقوة. بل أيضًا بإنتاج الخطاب وصناعة المعنى. وربما يمكن إسقاط هذه الفكرة على مثل هذه الأحداث؟ فالانفجار ليس مجرد صوت. بل خطاب سياسي بوسائل مختلفة. ومحاولة لإعادة تشكيل الصورة الذهنية لدى الرأي العام. سواء نجح في ذلك أم لم ينجح.
وفي المقابل، فإن استمرار ماكرون في برنامجه وعدم إلغاء لقاءاته حمل رسالة مضادة، مفادها أن التهديدات الأمنية لن تفرض إيقاعها على القرار السياسي، وأن الدبلوماسية لا ينبغي أن تصبح رهينة للعنف.
ويبقى السؤال الأكبر. وهو سؤال فلسفي قبل أن يكون سياسيًا: هل تصنع الأحداث التاريخ، أم أن التاريخ هو الذي يختار توقيت أحداثه؟ وهل نحن أمام انفجارين عابرين في مدينة أنهكتها سنوات الحرب.أم أمام رسالة سياسية كُتبت بلغة الأمن في لحظة إقليمية ودولية دقيقة؟
لا يملك أحد الإجابة النهائية الآن. لكن المؤكد أن السياسة لا تعيش على الحقائق وحدها، بل على قراءة التوقيت، وفهم السياق. وتحليل الرسائل. وبين ضجيج الملاعب ودوي الانفجارات. يبقى العالم مطالبًا بقراءة ما وراء الخبر لأن ما يحدث في الكواليس قد يكون أحيانًا أكثر تأثيرًا مما يجري على المسرح.

 
 
 

Views: 9

الاخبار العاجلة