
عبد العزيز الخطابي

في بلدانٍ كثيرة. حين يضحك الناس. يكون ذلك لأنهم فهموا شيئاً عميقاً عن أنفسهم. أما عندنا. فيبدو أن الضحك أصبح بديلاً عن الفهم نفسه. الكوميديا المغربية. التي يُفترض أن تكون مرآةً للوعي الجماعي. تحوّلت تدريجياً إلى مرآة مُعتمة: تعكس كل شيء إلا الحقيقة. لا لأن الواقع يفتقر إلى مادة للسخرية. بل لأن من يتولون السخرية فقدوا شجاعتهم في الاقتراب من جوهره.
لنكن واضحين منذ البداية: المشكلة ليست في أن نضحك. بل في أن نضحك بطريقة تُشبه التصفيق في جنازة. ضحكٌ بلا أثر. بلا موقف. بلا ذاكرة. ضحكٌ يستهلك الواقع بدل أن يُفككه. وهنا تحديداً. تبدأ الكوميديا في المغرب بفقدان معناها. لتتحول من فنٍّ نقدي إلى وظيفة موسمية. تُستدعى في رمضان كما تُستدعى الفوانيس. وتُنسى بعده كما تُنسى الوعود.
ما يُقدَّم اليوم تحت مسمى “الفكاهة” ليس سوى إعادة تدوير لصور نمطية مستهلكة: القروي الساذج. الموظف المرتشي. الزوجة المتسلطة، الشاب العاطل الذي لا يفعل شيئاً سوى التذمر. شخصيات كاريكاتورية تُستهلك بسرعة. وتُنسى بسرعة أكبر. لأنها لا تنتمي إلى الواقع بقدر ما تنتمي إلى كسل الكتابة. الكوميديا هنا لا تخلق وعياً. بل تُعيد إنتاج الجهل في قالب مضحك.
خذ مثلاً تجربة حسن الفد التي تُقدَّم غالباً كقمة ما وصل إليه الفن الكوميدي في المغرب. لا أحد ينكر ذكاءه الفني أو قدرته على التقاط التفاصيل اليومية. لكن السؤال ليس في المهارة. بل في الجرأة. ماذا نفعل بكوميديا تُجيد وصف العطب. لكنها تتجنب مساءلته؟ ماذا نفعل بشخصية مثل “كبور” التي أصبحت. مع مرور الوقت. اختزالاً مريحاً لكل أعطاب المجتمع. بدل أن تكون مدخلاً لتفكيكها؟ الضحك هنا يتحول إلى نوع من التواطؤ: نضحك على أنفسنا كي لا نُغيّر شيئاً في أنفسنا.
الأمر لا يتوقف عند حدود النص أو الأداء. بل يتجاوزه إلى البنية التي تُنتج هذا الفن. حين يصبح الكوميدي مرتبطاً بدعم عمومي. أو بإشهارات تجارية تافهة. فإن حريته تتحول إلى امتياز مشروط. كيف يمكن لفنان يتقاضى أموالاً من نفس المنظومة أن ينتقدها بجدية؟ إنها معادلة بسيطة: كلما اقترب الفنان من مصدر التمويل. ابتعد عن مصدر الحقيقة. وهكذا. تتحول الكوميديا إلى “منتج نظيف” خالٍ من أي خطر. صالح للاستهلاك العائلي. وغير قادر على إزعاج أحد.
في هذا السياق. لا يعود غريباً أن نرى مواضيع كبرى الفقر. التعليم. الصحة. العدالة . تُختزل في نكتة عابرة. أو تُتجاهل تماماً. الكوميديا المغربية لا تفتقر إلى الجرأة فقط. بل تفتقر إلى الغضب. والغضب كما يقول ألبير كامو. هو بداية كل وعي حقيقي. حين يغيب الغضب. يتحول الضحك إلى مخدّر جماعي. يُسكّن الألم دون أن يعالجه.
لننظر إلى المفارقة الصارخة: بلدٌ يعيش على إيقاع اختلالات عميقة . بطالة. تعليم متدهور صحة هشة. تفاوت اجتماعي صارخ . ومع ذلك. لا تنعكس هذه التوترات في كوميدياه إلا بشكل سطحي. أو مُفرغ من أي حمولة نقدية. كأننا أمام مسرحية كبيرة، حيث يُطلب من الكوميديين أن يُضحكوا الجمهور دون أن يلمسوا النص الحقيقي.
هنا تحديداً. يظهر مفهوم “التهركاويت” في أكثر صوره سخرية. ليس كمصطلح شعبي يُطلق على المواطن البسيط. بل كحالة ثقافية عامة. التهركاويت هي أن تُنتج فناً بلا موقف. أن تضحك دون أن تفهم. أن تستهلك النكتة كما تستهلك الخبز دون أن تسأل من يخبزها ولماذا. التهركاويت هي أن يتحول الفنان إلى واعظ ساخر. يُلقي دروساً في “الاندماج” من موقع مريح. بينما الواقع نفسه يرفض الاندماج في أي منطق.
الأخطر من ذلك. أن هذه الكوميديا لا تكتفي بالعجز. بل تُسوّق له. تُقنع الجمهور بأن هذا هو سقف الممكن. وأن الضحك البسيط هو أقصى ما يمكن أن يقدمه الفن. وهنا، تتحول الكوميديا من أداة تحرير إلى أداة تدجين. تُعيد تشكيل الوعي الجماعي على مقاس الرداءة.
في المقابل. حين ننظر إلى تجارب عالمية. نجد أن الكوميديا كانت دائماً في قلب المعركة: تُسائل السلطة. تُحرج المجتمع. تُفكك الخطاب السائد. من جورج كارلين الذي جعل من النكتة سلاحاً ضد السياسة والإعلام. إلى ريكي جيرفيه الذي حوّل المنصات العالمية إلى فضاء للسخرية اللاذعة. ندرك أن الكوميديا ليست ترفاً. بل موقفاً.
أما عندنا، فالكوميدي الجريء هو ذاك الذي يغامر بنكتة عن “الحمّام” أو “الجار”، بينما تبقى القضايا الكبرى خارج النص. محمية بصمت جماعي يشبه التواطؤ. لا أحد يريد أن يزعج أحداً. لأن الجميع مرتبط بشيء ما: دعم، إشهار، قناة، مهرجان. أو حتى وهم الشهرة.
السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: لماذا الكوميديا المغربية ضعيفة؟ بل: من المستفيد من ضعفها؟ لأن هذا الضعف ليس صدفة. بل نتيجة بنية كاملة تُفضل الضحك الآمن على النقد الخطير. بنية تُكافئ التكرار. وتعاقب الاختلاف. وتُحوّل الفن إلى مجرد فاصل إعلاني طويل.
في النهاية. لا يمكن لفنٍ يخاف من الحقيقة أن يُنتج ضحكاً حقيقياً. الكوميديا المغربية اليوم تقف على مفترق طرق: إما أن تستعيد دورها كأداة نقد، وتدخل في مواجهة مباشرة مع الواقع، أو أن تستمر في لعب دور “المُهرّج الرسمي” الذي يُضحك الجمهور بينما تُدار الأمور في مكان آخر.
الضحك. في جوهره، فعل حرية. لكن حين يُصبح مأجوراً. يفقد حريته… ويصبح مجرد صدى باهت لواقع لا يجرؤ على مواجهته.
لكن المشكلة لا تتوقف عند حدود “من يضحك” بل تمتد إلى سؤال أكثر إزعاجاً: من يكتب هذا الضحك؟ لأن الكوميديا. في نهاية المطاف. ليست أداءً فقط. بل كتابة قبل كل شيء. والكتابة. حين تُصاب بالكسل. تُنتج ضحكاً يشبه الوجبات السريعة: يُشبع لحظة. ويُمرض على المدى الطويل. ما نراه اليوم هو فقرٌ في الخيال. أكثر منه فقرٌ في الإمكانيات. نصوص تُبنى على النكتة السهلة، لا على الفكرة العميقة. وعلى المفارقة السطحية. لا على التناقض الوجودي الذي يُفجّر الضحك من داخله.
في الكوميديا الحقيقية. الضحك ليس هدفاً. بل نتيجة. نتيجة لفهم عميق للإنسان. لضعفه. لتناقضاته. لعجزه أمام ذاته. أما عندنا. فقد أصبح الضحك هدفاً في حد ذاته، يُقاس بعدد “القهقهات” لا بعمق الأسئلة التي يتركها خلفه. وهنا يكمن الانحدار الحقيقي: حين يتحول الفن من طرح الأسئلة إلى مطاردة ردود الفعل.
ولعل أكثر ما يثير السخرية . تلك السخرية الثقيلة التي لا تُضحك . هو هذا الإصرار الجماعي على الاحتفاء بالرداءة. مهرجانات تُنظم، برامج تُموَّل. عروض تُسوَّق. وجمهور يُصفّق. وكأن الجميع متواطئ على الحفاظ على هذا المستوى. لا أحد يريد أن يقول الحقيقة البسيطة: إن ما يُقدَّم ليس جيداً بما يكفي. ليس لأننا نفتقر إلى المواهب. بل لأننا نفتقر إلى الجرأة في قول “هذا لا يليق”.
هنا. يدخل الإعلام كشريك كامل في هذه المسرحية الطويلة. بدل أن يكون وسيطاً نقدياً. يتحول إلى جهاز ترويج. يُلمّع كل ما يُقدَّم. ويُحوّل أي عرض عادي إلى “نجاح كبير”. لغة خشبية. عناوين منفوخة. واحتفاء مبالغ فيه. كأننا أمام إنجاز تاريخي. بينما الأمر لا يتجاوز “سكيتش” من خمس دقائق يُعاد تدويره كل سنة. الإعلام لا ينقل الواقع. بل يُعيد كتابته بطريقة تُناسب هذا الوهم الجماعي.
وإذا كان الفن في جوهره مرآة. فإن الإعلام هو الإطار الذي يُحيط بهذه المرآة. وحين يكون الإطار مُشوهاً. فإن الصورة كلها تختل. وهكذا. نجد أنفسنا أمام منظومة كاملة تُنتج وهماً متكاملاً: فن ضعيف. إعلام مُروّج. وجمهور مُستأنس. ثلاثية كافية لضمان استمرار نفس الرداءة. بنفس الوجوه. بنفس النكت. بنفس الضحك الذي لا يُغيّر شيئاً.
في هذا السياق. يصبح الحديث عن “العالمية” نوعاً من المزاح الثقيل. كيف يمكن لفن لم يحسم أسئلته الداخلية أن يعبر إلى الخارج؟ كيف يمكن لكوميديا لا تجرؤ على نقد واقعها أن تُقنع الآخر بأنها تحمل شيئاً يستحق المشاهدة؟ العالمية لا تُصنع بالإنتاج الغزير. بل بالصدق الفني. والصدق، للأسف. هو أول ما يتم التضحية به حين يدخل الفن في حسابات السوق والسياسة.
الأكثر إثارة للقلق هو تأثير هذا النوع من الكوميديا على الوعي الجماعي. لأن الضحك. كما قال هنري برغسون. ليس مجرد استجابة عفوية. بل آلية اجتماعية تُعيد تشكيل السلوك. حين نضحك على نفس الصور النمطية مراراً. فإننا لا نستهلكها فقط. بل نُكرّسها. وحين نُكرّسها. فإننا نُغلق الباب أمام أي إمكانية لتغييرها. الكوميديا هنا لا تعكس المجتمع. بل تُعيد إنتاجه في أكثر صوره اختزالاً.
ولأن كل شيء في النهاية يعود إلى السلطة . سلطة المال. سلطة الصورة، سلطة القبول . فإن الكوميديا تصبح جزءاً من لعبة أكبر. لعبة تُحدد ما يمكن قوله. وما يجب تجنبه. وما يُسمح بالضحك عليه، وما يجب أن يبقى خارج النكتة. إنها رقابة غير معلنة، تُمارس بلطف، لكنها فعّالة إلى حد يجعل الفنان يراقب نفسه بنفسه، قبل أن يراقبه أحد.
وهنا نصل إلى أخطر نقطة: حين يصبح الفنان رقيباً على ذاته، يفقد الفن روحه. لأن الإبداع. في جوهره، هو تجاوز للحدود، لا احترام لها. وحين تُرسم الحدود مسبقاً. يتحول كل شيء إلى تمرين في السلامة. لا في الحرية.
ومع ذلك. لا يمكن اختزال الصورة في السواد الكامل. هناك محاولات. هنا وهناك. تُحاول كسر هذا النمط. تُغامر بالخروج عن النص. تُحاول إعادة تعريف الكوميديا كفعل مقاومة لا كفعل ترفيه. لكنها تبقى محاولات معزولة. تُحاصرها نفس البنية التي تُنتج الرداءة. تحتاج إلى أكثر من موهبة؛ تحتاج إلى بيئة تسمح لها بالخطأ. بالتجريب. بالاختلاف.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس: هل يمكن إنقاذ الكوميديا المغربية؟ بل: هل هناك إرادة لإنقاذها أصلاً؟ لأن الإنقاذ يبدأ بالاعتراف. والاعتراف غائب في ظل هذا الرضا العام عن مستوى لا يليق. لا يمكن لأي فن أن يتطور وهو مقتنع بكماله الوهمي.
في النهاية. الكوميديا ليست مجرد ضحك. بل طريقة في النظر إلى العالم. وحين تكون هذه النظرة سطحية. يصبح العالم نفسه سطحياً. نحن لا نحتاج إلى مزيد من النكت. بل إلى نكتة واحدة صادقة. تُوجع قبل أن تُضحك. تُحرج قبل أن تُسلّي. وتُجبرنا على التفكير. لا على النسيان.
إلى أن يحدث ذلك. ستظل الكوميديا عندنا تدور في نفس الحلقة: تُضحكنا قليلاً، تُنسينا كثيراً، وتترك الواقع كما هو… يضحك علينا جميعاً.
Views: 59







