الكاتب والباحث طارق المعروفي يكتب : الدَّارِجَنْسِيَّة

جسر التواصل16 مارس 2026آخر تحديث :
الكاتب والباحث طارق المعروفي يكتب : الدَّارِجَنْسِيَّة

طارق المعروفي 

ظاهرة غريبة أصبحت تنتشر بشكل واسع بين فئة كبيرة من الشباب، وهي كتابة الدارجة المغربية بالحروف اللاتينية في وسائل التواصل والرسائل وحتى في بعض الأعمال الدراسية. وهذه الظاهرة لم تعد مقتصرة على فئة محدودة من الشباب الذين قد يكون مستواهم التعليمي ضعيفاً أو لم يكملوا دراستهم، بل امتدت بشكل مدهش إلى طلبة التعليم العالي، أي إلى فئة يُفترض أنها الأكثر تعليماً وقدرة على التعبير السليم.
في البداية، كان من الممكن تفسير هذه الظاهرة بالجهل، أو ضعف التكوين اللغوي لدى بعض الشباب، لكن المفاجأة كانت حين نلاحظ أن طلاباً وطالبات في الجامعات والمعاهد العليا يكتبون بنفس الطريقة، مستعملين الدارجة المغربية بحروف لاتينية.
وإذا عدنا إلى الماضي القريب، فإننا نجد أن الأمر كان مختلفاً تماماً. فعندما كنا في سنوات التعليم الابتدائي، كنا قادرين على كتابة جمل صحيحة باللغة العربية الفصحى، بل وكنا نتعلم كذلك الكتابة باللغة الفرنسية. وكنا نكتب الرسائل إلى الوالدين والأقارب، و نقرؤها للكبار ، ونعبّر عن أفكارنا ومشاعرنا بلغة واضحة ومفهومة. أما اليوم، فأصبح من الصعب على كثير من التلاميذ في المستوى الابتدائي أن يكتبوا جملة سليمة باللغة العربية أو حتى اللغة الفرنسية، وكأن مهارة الكتابة قد تراجعت بشكل مقلق.
ولا يمكن فهم هذه الظاهرة دون التوقف عند الهجمة التي تعرضت لها اللغة العربية في السنوات الأخيرة، حيث بدأ البعض يروج لفكرة أن المغاربة لا يفهمون العربية الفصحى، وأن الحل هو استعمال الدارجة في كل شيء. وهكذا بدأت الدارجة تتسلل إلى الفضاء العام، أولاً في الإعلانات التجارية، حيث ظهرت كلمات وعبارات مكتوبة بالدارجة وبحروف لاتينية. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الظاهرة إلى ما يشبه العدوى الثقافية التي انتشرت بسرعة بين الشباب، حتى أصبحت أمراً عادياً في التواصل اليومي.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية، وجد هذا الأسلوب أرضاً خصبة للانتشار، فأصبح كثير من الشباب يكتبون الدارجة المغربية بالحروف اللاتينية في الرسائل والمنشورات والتعليقات. ولم يتوقف الأمر عند حدود الحياة الخاصة، بل تسلل إلى المؤسسات التعليمية نفسها، حتى أصبح من المألوف أن نجد طالباً في مستوى جامعي يكتب بهذه الطريقة التي لا تنتمي إلى أية لغة أدبية أو علمية واضحة.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة، ليس مجرد استعمال الدارجة في الحديث اليومي، فذلك أمر طبيعي في حياة الناس، وإنما الخطير هو أن تتحول إلى أسلوب كتابة بالحروف اللاتينية و الأرقام ، وأن يصل هذا الأسلوب إلى فضاءات كان يُفترض أن تكون حصناً للعلم والمعرفة، مثل المدارس والمعاهد والجامعات. فكيف يمكن لطالب في أعلى مستويات التعليم أن يعجز عن كتابة فكرة بسيطة بلغة سليمة، ويستبدلها بعبارات دارجة مكتوبة بحروف أجنبية؟
إن هذا الوضع يدعونا إلى وقفة تأمل صادقة. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي وعاء الفكر، وهوية الأمة وذاكرتها الثقافية. وعندما يبتعد الشباب عن لغتهم ويستبدلونها بكتابة مشوهة، فإنهم يضعفون قدرتهم على التعبير الدقيق وعلى التفكير المنظم.
لذلك فإن المسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع ككل. فلابد من إعادة الاعتبار للقراءة والكتابة بلغة سليمة، وتشجيع الشباب على المطالعة والتعبير، وتذكيرهم بأن اللغة ليست مجرد حروف تُكتب في الهاتف أو في مواقع التواصل، بل هي أساس الثقافة والمعرفة.
وفي النهاية، ينبغي أن ندرك أن الأمة التي تفرّط في لغتها، فإنها تفرّط في جزء من هويتها. والطالب الذي يتخلى عن لغة العلم والتفكير، يحرم نفسه من أداة أساسية للفهم والإبداع. فلنراجع أنفسنا قبل أن نجد جيلاً كاملاً عاجزاً عن كتابة جملة سليمة بلغة واضحة و سليمة. ولنتذكر أن اللغة ليست مجرد رموز، بل هي جذور وهوية وتاريخ. ومن ضيّع لغته ضيّع جزءاً من نفسه، و أصبح في متاهات ما يسمى ب ” الدَّارِجَنْسِيَّة “.
 

Views: 66

الاخبار العاجلة