
طارق المعروفي

بعد أن قضى وقتا طويلا من عمره خدمة للإدارة، يحال على التقاعد ويخرج إلى عالم آخر. لقد تخلص من بذلته المعهودة، وربطة العنق المشدودة، والحذاء الامع، وأصبح يرتدي “الجاكيط” و “السبرديلة”، وربما “بيرية “فوق الرأس تغطي صلعته أو شيب رأسه. لقد تغير سلوكه، فأصبح يمشي ببطء، ويقضي الأوقات في الحديث مع الناس، وفي بعض الأحيان يتظاهر بممارسة الرياضة، وما هي إلا عبارة عن مشي على الأقدام لبعض الوقت، ثم يصل إلى المقهى المعهودة، حيث يقضي الوقت الطويل صحبة بعض الأصدقاء، يتبادلون الحديث عن الماضي وذكرياته الجميلة.
وما يألم بعض المتقاعدين، هو عندما يريدون قضاء مصلحة ما في الإدارة التي كانوا يشتغلون فيها، فيصطدمون بأناس لا يعرفونهم، فيريدون إخبار هؤلاء الجدد أنهم قضوا السنوات الطوال في تلك المؤسسة، إلا أن الرد غالبا ما يكون صادما يتميز بلا مبالاة.
وهناك في المقابل بعض المتقاعدين الذين استطاعوا أن يحققوا ما كانوا يرغبون فيه منذ زمن طويل، فانطلقوا في اتجاه الميدان الثقافي أو الرياضي أو التعليمي، وأصبح التقاعد امتدادا لحياتهم المهنية، لا يفرقون بين الماضي والحاضر.
ولكن الملاحظ، هو أن هذا المتقاعد كيفما كانت وضعيته، يستحق كل الاهتمام والتكريم والتنويه لما قدمه من تضحيات خلال ممارسة عمله، ولكن الواقع المر، هو هذا الظلم الذي ما زالت الإدارة تمارسه عليه بالرغم من تواجده خارج أسلاك الإدارة. ويتمثل ذلك فيما يسمونه بالضريبة على الدخل. كيف يعقل أن يساهم الموظف مثلا في صندوق التقاعد شهريا، وما أن يحال على التقاعد حتى يتم اقتطاع المبالغ من راتبه؟ فهل راتب المتقاعد يؤدى من ميزانية الدولة؟ أم من صندوق التقاعد الذي ساهم فيه منذ بداية حياته الإدارية؟
ولهذا يلاحظ أن الإدارة تسعى دائما إلى إحباط هذه الشريحة من الناس رغم كبر سنها، علما أنه لا يمكن الزيادة في الراتب لمواجهة الغلاء الفاحش ،وتغض الطرف عن تبذير المال العام في غير مصلحة البلاد والعباد.
و لا حاجة لنا اليوم أن نتحدث عن الاختلالات في صناديق التقاعد و الإفلاس الذي سيصيبها ،لأن ذلك سيكون موضوع حديث آخر .
ويبقى في الأخير هذا المتقاعد قاعدا إلى أن يأتي الأجل المحتوم.
Views: 12







