
عمر عاقيل

فارق كبير بين الإصلاحات الفورية والسريعة التي يخضع إليها منتخبنا الوطني لكرة القدم بين فترة وأخرى، وما يفترض أن يحدث ويستمر معه لفترات طويلة بغية تحقيق نتائج ايجابية، بهدف التغيير في الأسلوب التكتيكي الذي يتبعه ويرتبط ارتباطا وثيقا بفكر المدرب ورؤيته الصحيحة التي يعتقد بأنها الأنسب والأنجع والتي تبنى عليها أمال المنتخب في المحافل الخارجية.
الفارق الذي أتحدث عنه يرتبط بمدى الإستراتيجية التي يجب أن تتوفر فيها الشروط الملائمة التي يمكن لها أن تغير من واقع الحال الذي يعيشه المنتخب من حيث البناء والطريقة والتقبل والتطبيق واﻹنسجام وصولا إلى الإستقرار الذي يبحث عنه المنتخب ويريد أن يظهر بأفضل صورة وأبهى حلة، وهو يدخل غمار المشاركة القارية.
بيد أن ما حدث اليوم في رحلة منتخبنا القارية، هو الهراء بعينه والمهزلة بمعناها الأدق فلا “خليلوزيتش” يعلم ماذا يريد من لاعبيه، ولا اللاعبين يفهمون ماذا يريد منهم مدربهم، نعم هذا هو بالضبط الوصف الأكثر دقة لما حدث من مهزلة الإقصاء، فالمدرب احتار في تحديد نتيجة عدم استطاعته توظيف المجهودات الفنية ومنها افتقار المنتخب إلى الحس التهديفي، ما خلق أزمة فعلية بغياب الثبات وعدم الإستقرار وفقدان اﻹنسجام، ناهيك عن الشرود الذهني الذي أصاب الكثير منهم.
وفي تصوري الشخصي أن المنتخب الوطني تأثر مسبقا قبل أن يدخل الحدث القاري، من سخط واضح وأساليب الضغط وطرق اﻹلتفاف على الحقيقة بالشكل الذي يوصلنا إلى قناعة تامة أن كل تلك الإرهاصات أكلت من جرف المنتخب وجعلته يواجه الإقصاء، وبالتالي وصل إلى ما وصل إليه، واقحم في أحوال هو في غنى عنها تماما، بعدما حوله وحيد إلى حقل تجارب بسبب غياب الإستقرار عنه في المدة التي مضت.
نعلم تماما أن مباراة من قبيل مباراة مصر لن تخرج عن إطارها الفني وتدخل في أعماق الحالة النفسية بين اللاعبين، إذ أنها دائما ما تكون فرصة لإثبات الذات وتحقيق الجدارة ويكون فيها عامل الشحن المعنوي والبناء النفسي، المؤثر الأكبر في النتيجة، بيد أن لاعبينا أضاعوا (الخيط والعصفور)، إذ كانوا عاجزين عن مجاراة منتخب الفراعنة أو مواجهته أو الضغط على مرماه طيلة زمن شوطي اللقاء، حتى أنهم فشلوا في فك طلاسم الطريقة الدفاعية التي اعتمدها المنتخب المصري وأخفقوا تماما في الحصول على شفرة العمق الدفاعي المتين الذي أقره مدربهم البرتغالي.
ولعل من بين الأخطاء الفادحة التي وقع بها، وحيد، هي اختياره لأسلوب لعب عقيم أمام فريق عنيد، وقبلها قناعته غير المجدية بتشكيلة أربكت حسابات الجميع، عقب التغييرات غير المبررة التي أجراها على التي سبقها من مباريات، وهو ما جعل الجميع يتساءل..عن سر إشراك منير الحدادي، مثلما فشل في إخراج لاعبا من قيمة بوفال كان يشكل ورقة ضغط على الفراعنة، وإذا ما علمنا أن ما حصل في الكاميرون كان أشبه بالفشل الفعلي لسوء القراءة وعدم جدية البحث عن النتيجة المرجوة وهو الفوز، وخوضه لمباراة بهكذا اسلوب نتيجة اختياراته العقيمة، فإن ذلك كله فتح لنا بوابات من الإستفسارات حول عدم قناعة المدرب باللاعبين الذين وضع ثقته بهم، وزجه بعناصر، لم تكن بالأصل ملبية لطموحاته، وعليه فإن المنطق يحتم علينا القول أن هناك ارتباكا قد حصل ليس في ملعب المباراة، بل على دكة البدلاء أيضا، خاصة وأن هناك لاعبين كان لتواجدهم سلبية كبيرة على خطوط اللعب، ومع ذلك استمروا في اللعب، بينما أخرج المدرب لاعبين كنا بحاجة ماسة لبقائهم على أمل التعديل.
حينما كنا نؤشر خلال المباريات اﻹقصائية أن هناك خلل عميق يتعلق بموضوع فني بحت وأن كل تلك التجارب السابقة وما رافقها من تجريب اللاعبين، وعدم الثبات والإستقرار على تشكيلة معينة، وعدم استدعاء لاعبين، والمناداة على آخرين أقل مستوى، كانت بعض المغالطات تأتي لتربط مشكل المنتخب بقضايا بعيدة عن لب المشكل.
وللأمانة فإن العلة الحقيقية كانت بتحول قائمة المنتخب الوطني إلى حقل تجارب، وكأن التجريب أصبح السمة الواقعية للاعبي المنتخب، فلا تشكيلة محددة من لاعبين ولا ثبات واضح في أسلوب اللعب، ولا انسجام فعلي بين خطوط المنتخب، ولا ترابط حقيقي بين اللاعبين أنفسهم.
وحينما كنا نقول أن المشكلة الفنية في الأداء هي في غياب الهداف، أو اللاعب الذي يمكنه إنهاء الهجمات بالشكل الصحيح على مرمى المنافس، فإن الداء كان يصل إلى غياب الإلمام عند لاعبينا بمجرد عبور الكرة منتصف ساحة الفريق الخصم، كانت المعضلة تظهر بمحاولة لاعبينا التخلص من الكرة بأي شكل لأنهم يفتقرون إلى التكتيك الصحيح ببناء الهجمة المنسقة.
وحتى نظهر الحقيقة كاملة، فإن الضبابية كانت عنوانا ملازما للأهداف التي كان يفترض وضعها بعين الإعتبار لكون خليلوزيتش اعتمد على اﻹندفاع والبناء النفسي أكثر من أي وقت مضى في كل المواجهات التي خاضتها عناصر منتخبنا وكان من الواضح أن الفريق يلعب وفقا لأساليب أكل عليها الدهر وشرب، بل كشفت لنا مباريات المنتخب انهيار مستوى اللياقة البدنية عند الكثير من اللاعبين في مشهد أضحى مألوفا، وهو ما يعني أن المشكلة كانت مرتبطة بالأصل بأمور تتعلق بعدم توزيع المجهود بالشكل الصحيح على زمن المباراة.
خروجنا أمام مصر أظهر لنا إمكانياتنا الحقيقية، اختصر لنا الكثير من المشاكل تتعلق بترنح منتخبنا في الكاميرون، والمحصلة فشل ذريع في تجاوز دور الثمن، خسارة مؤلمة ومحزنة أمام مصر وهوية ضائعة ومفقودة منذ سنوات لأسود الأطلس وبصمة غير مفهومة لمدرب لا يعلم ماذا يريد وواقعية ساذجة في المطالبة بالفوز واللعب بلاعبين يفتقدون لعنصر المنافسة، وغياب النضوج الفكري لدى اللاعبين.
لا أريد أن أكون قاسيا أكثر، لكنها الحقيقة التي تجرعناها بمرارة ونحن نشاهد المنتخب وهو يعاني ولا يتمكن من مجاراة أقوى المنافسين الأفارقة، وكل ذلك يدفعنا للمطالبة بإجراء تقييم واقعي ومتجرد بعيدا عن اﻹنحياز للوصول إلى القيمة الفعلية لما أصاب المنتخب من هزة غير قابلة للمزايدة.
أعتقد أنه بات من الضروري جدا التفكير اليوم، بشكل عملي، أكثر من اﻹفتراضات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، البحث عن إصلاحات واقعية عن طريق التركيز على مباراة السد أمام الكونغو الديمقراطية المؤهلة لكأس العالم، وقراءة الأمور بالشكل الفعلي بدلا من الخوض في مزايدات وشعارات لن تأتي إلينا سوى بالخراب الكروي، إذ من المهم جدا تقبل ما حصل شريطة إيجاد موطىء قدم في نهائيات كأس العالم المقبلة.







