
عبد العزيز الخطابي
·
هناك أساطير ماتت بموت الشعوب التي صنعتها. وأخرى بقيت محفوظة في الكتب والمتاحف بوصفها آثاراً ثقافية من زمن بعيد. لكن أسطورة سيزيف تنتمي إلى فئة نادرة من الأساطير التي رفضت أن تتحول إلى مجرد ذكرى تاريخية. لقد نجت من سقوط المعابد الإغريقية. ونجت من انهيار الإمبراطوريات. وعبرت القرون والألفيات لتصل إلى الإنسان المعاصر كما لو أنها كُتبت بالأمس. والسبب في ذلك بسيط وعميق في الوقت نفسه: لأن سيزيف ليس شخصية أسطورية بقدر ما هو اسم آخر للإنسان.
في ظاهر الحكاية يبدو الأمر بسيطاً. ماكر خدع الآلهة فعاقبته بأن يحمل صخرة ضخمة إلى قمة جبل. وما إن يقترب من القمة حتى تتدحرج الصخرة نحو الأسفل. فيعود إليها ويبدأ من جديد. وهكذا إلى الأبد. لكن الأساطير العظيمة لا تعيش بسبب أحداثها. بل بسبب المعاني التي تختبئ خلفها. ولو كانت قصة سيزيف مجرد عقوبة إلهية لما استحقت كل هذا البقاء. ما جعلها خالدة هو أنها اكتشفت مبكراً ما سيكتشفه الإنسان بعد آلاف السنين: أن الحياة نفسها تشبه ذلك الجبل. وأن الإنسان يقضي عمره كله في دفع صخور لا تتوقف عن السقوط.
إن المأساة الكبرى ليست في سقوط الصخرة. بل في اكتشاف أن السقوط جزء من النظام نفسه. نحن نولد داخل عالم يعدنا بالنهايات السعيدة. يقال لنا إن الاجتهاد يقود إلى الراحة. وإن النجاح يقود إلى السعادة. وإن الثروة تقود إلى الطمأنينة. وإن الوصول إلى القمة سيضع حداً للتعب. لكن الحياة تكشف لنا شيئاً مختلفاً تماماً. فكل قمة نصل إليها تتحول إلى نقطة بداية جديدة. وكل حلم يتحقق يلد أحلاماً أخرى. وكل مشكلة نحلها تفسح المجال لمشكلات جديدة. وهكذا يتحول الوجود كله إلى حركة دائرية هائلة تشبه حركة سيزيف بين السفح والقمة.
لهذا السبب لا يعيش سيزيف في كتب الأساطير. بل في المصانع والمكاتب والحقول والمدارس والبرلمانات والشوارع. يعيش في الموظف الذي يكرر العمل نفسه آلاف المرات حتى يصبح الزمن متشابهاً. ويعيش في العامل الذي يستهلك جسده لكي يبقى على قيد الحياة. ويعيش في الطالب الذي يظن أن الشهادة نهاية الطريق ليكتشف أنها بدايته فقط. ويعيش في السياسي الذي يعد بالإصلاح ثم يجد نفسه أمام الأزمات ذاتها. ويعيش في الأمم التي تعتقد أنها تجاوزت أخطاء الماضي لتجد نفسها تعيد إنتاجها بأشكال جديدة.
إن تاريخ البشرية نفسه يمكن قراءته بوصفه تاريخاً سيزيفياً طويلاً. فالحروب تنتهي لتبدأ حروب أخرى. والثورات تنتصر لتتحول إلى أنظمة جديدة تحتاج بدورها إلى ثورات. والإمبراطوريات تصعد ثم تسقط. والحضارات تبني ما تهدمه الحضارات السابقة ثم تتركه بدورها للخراب. وكأن التاريخ لا يسير في خط مستقيم كما تخيل فلاسفة التقدم. بل يدور في حلقات متعاقبة من الصعود والانهيار.
من هنا نفهم لماذا وجد الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو في هذه الأسطورة مفتاحاً لفهم الإنسان الحديث. لقد رأى أن المشكلة الأساسية ليست في الألم أو الفقر أو الموت. بل في العبث. والعبث عنده ليس فوضى العالم فقط. بل ذلك التناقض المؤلم بين حاجة الإنسان إلى المعنى وبين صمت الكون أمام أسئلته. فالإنسان يريد تفسيراً نهائياً لوجوده. بينما العالم لا يمنحه سوى الوقائع الصامتة. يريد يقيناً مطلقاً. بينما الوجود مليء بالاحتمالات. يريد غاية أخيرة، بينما الحياة تبدو سلسلة لا تنتهي من البدايات الجديدة.
غير أن عبقرية كامو كانت في رفضه الاستسلام لهذا الاكتشاف. فبينما رأى كثيرون في العبث سبباً لليأس. اعتبره هو سبباً للتمرد. لأن الإنسان حين يدرك أن العالم لا يقدم له معنى جاهزاً. يصبح حراً في أن يصنع معناه بنفسه. وحين يعرف أن الصخرة ستسقط دائماً. يستطيع أن يتوقف عن انتظار المعجزة وأن يبدأ في ممارسة حريته داخل حدود مصيره.
ولعل أعظم لحظة في الأسطورة ليست لحظة الصعود. بل لحظة النزول. تلك اللحظة التي ينظر فيها سيزيف إلى الصخرة المتدحرجة ويعرف تماماً ما ينتظره. يعرف أن جهده ضاع. وأن العمل سيعاد من البداية. وأن النهاية لن تأتي أبداً. ومع ذلك يواصل السير. هنا تحديداً يتحول من عبد للعقاب إلى سيد عليه. لأن المأساة لا تصبح مأساة حقيقية إلا إذا سلبت الإنسان إرادته. أما عندما يختار الاستمرار رغم عبثية الوضع فإنه ينتزع من القدر آخر أسلحته.
في العمق. ليست الصخرة هي المشكلة. المشكلة هي الوهم الذي يجعلنا نعتقد أن الحياة يجب أن تكون خالية من الصخور. فكل مشروع إنساني هو صخرة. المعرفة صخرة. الحب صخرة. الحرية صخرة. العدالة صخرة. بناء الذات صخرة. حتى البحث عن السعادة هو في حد ذاته صخرة لا تتوقف عن التدحرج. وما دام الإنسان كائناً ناقصاً يسعى إلى ما هو أبعد منه. فإن الصخرة ستبقى رفيقته الأبدية.
ولهذا يمكن النظر إلى الحضارة كلها بوصفها جبلاً هائلاً يصعده البشر منذ آلاف السنين. فكل جيل يدفع الصخرة قليلاً إلى الأعلى. ثم يرحل قبل أن يرى النتيجة النهائية. العلماء يموتون قبل اكتمال المعرفة. المصلحون يموتون قبل اكتمال الإصلاح. الفنانون يموتون قبل أن تنتهي رحلة الجمال. ومع ذلك يستمر الصعود. ليس لأن النهاية مضمونة. بل لأن الحركة نفسها هي ما يمنح الوجود معناه.
إن الإنسان الذي يبحث عن حياة بلا تعب يشبه من يبحث عن بحر بلا ماء. فالتعب ليس حادثاً عرضياً في الوجود. بل جزء من بنيته الأساسية. والحياة ليست استراحة طويلة تتخللها بعض المعاناة. بل معاناة طويلة تتخللها لحظات من المعنى والجمال والحب. وما يجعل هذه اللحظات ثمينة هو أنها تظهر وسط هذا الصعود الشاق.
ربما لهذا السبب ظلت أسطورة سيزيف حية بينما ماتت أساطير كثيرة غيرها. لأنها لا تتحدث عن إله أو بطل خارق. بل عن التجربة الإنسانية في أكثر صورها نقاءً. إنها تضع الإنسان أمام حقيقته العارية: كائن يعرف أن الموت ينتظره. وأن أحلامه لن تكتمل كلها. وأن العالم لا يقدم له ضمانات. ومع ذلك يستمر في البناء والحب والعمل والأمل.
وفي النهاية. قد لا يكون سيزيف رمزاً للهزيمة كما اعتقد البعض. بل رمزاً لأعظم انتصار ممكن. انتصار الإنسان على العبث لا عبر القضاء عليه. بل عبر مواجهته. انتصاره على القدر لا عبر تغييره. بل عبر رفض الخضوع له. وانتصاره على الفراغ لا عبر العثور على معنى جاهز. بل عبر خلق معنى خاص به.
ولهذا فإن سيزيف لم يمت. إنه يستيقظ كل صباح في ملايين البشر. يخرج إلى العمل معهم. يجلس في مقاعد الدراسة معهم. يحلم ويخيب ويعود للمحاولة معهم. إنه يسكن داخل كل إنسان قرر أن يحمل صخرته مرة أخرى رغم أنه يعرف أنها ستسقط.
وربما تكون هذه هي الحقيقة الأعمق في الوجود كله: ليس الإنسان ذلك الكائن الذي يصل إلى القمة، بل ذلك الكائن الذي يواصل الصعود رغم معرفته بأن القمة ليست نهاية الطريق.
Views: 18







