وطن الذي ابتلعته الوعود: كيف تحولت الأحزاب إلى مصانع للكلام وأصبح المواطن آخر من يعلم؟

جسر التواصل3 يونيو 2026آخر تحديث :
وطن الذي ابتلعته الوعود: كيف تحولت الأحزاب إلى مصانع للكلام وأصبح المواطن آخر من يعلم؟

عبد العزيز الخطابي

في السياسة. هناك أكاذيب صغيرة وأكاذيب كبيرة. وهناك نوع ثالث أكثر تعقيداً وخطورة لا يُبنى على الكذب المباشر. بل على الوعد الدائم. والوعد الدائم هو أخطر أشكال الخداع السياسي. لأنه لا يقول للمواطن إن الحقيقة غير موجودة. بل يقنعه بأن الحقيقة قادمة غداً. وإذا لم تأتِ غداً فستأتي بعد سنة. وإذا لم تأتِ بعد سنة فستأتي بعد انتخابات جديدة. وإذا لم تأتِ بعد الانتخابات فستأتي مع حكومة أخرى. وهكذا يتحول المستقبل إلى مستودع ضخم لتخزين الوعود المؤجلة. بينما يتحول الحاضر إلى مقبرة للأحلام الصغيرة التي يموت أصحابها وهم ينتظرون.
هذه هي القصة الحقيقية التي يعيشها جزء كبير من المواطنين في علاقتهم بالأحزاب السياسية. ليست المشكلة في وجود الأحزاب. فالأمم الحديثة لا تُبنى من دون مؤسسات سياسية. وليست المشكلة في التعددية. فالتعددية مكسب حضاري وإنساني. ولكن المأساة تبدأ عندما تصبح الأحزاب موجودة شكلاً وغائبة فعلاً. حاضرة في الصور واللافتات والندوات. وغائبة في حياة الناس اليومية.
لقد نجحت الأحزاب خلال العقود الماضية في تحقيق إنجاز استثنائي لا تدرسه كتب العلوم السياسية كثيراً. وهو قدرتها العجيبة على جعل المواطن يفقد الثقة في الجميع في الوقت نفسه. اليساري يتهم اليميني، واليميني يتهم اليساري، والإسلامي يتهم العلماني، والعلماني يتهم الإسلامي. والمعارض يتهم الحكومة. والحكومة تتهم الظروف. والظروف تتهم الأزمات العالمية. لكن المواطن الذي يقف في نهاية هذا السلسلة الطويلة من الاتهامات لا يجد أحداً يعترف له بحقيقة بسيطة: أن حياته لا تُقاس بالشعارات. بل بالنتائج.
لقد قيل للمغاربة لعقود إن التعليم أولوية وطنية. حتى كاد المواطن يعتقد أن المدرسة أصبحت أهم من الهواء والماء. عشرات الخطط والإصلاحات والاستراتيجيات واللجان والتقارير والندوات والمؤتمرات. لكن التلميذ المغربي ما زال في قلب المعركة نفسها. وكأن المدرسة تحولت إلى مختبر سياسي ضخم تُجرَّب فيه النظريات أكثر مما تُدرَّس فيه العلوم. يدخل الطفل إلى المدرسة فيجد إصلاحاً جديداً. ويغادرها ليجد إصلاحاً آخر. ثم يكبر ليكتشف أن أبناءه يدرسون داخل إصلاح ثالث. بينما لا يزال السؤال الأول معلقاً: لماذا لم نصل بعد إلى المدرسة التي نحلم بها؟
أما الصحة. فهي قصة أكثر سخرية من أن تُكتب بلغة عادية. فالمواطن يسمع كل يوم عن الحق في العلاج. لكنه يكتشف أن المرض في بعض الأحيان أسرع من الإجراءات. وأن الألم أكثر تنظيماً من المؤسسات. وأن الانتظار أصبح جزءاً من الوصفة الطبية غير المكتوبة. ولعل أكثر المفارقات قسوة أن الإنسان قد ينجح في مقاومة المرض. لكنه يجد صعوبة أكبر في مقاومة البيروقراطية.
وفي الفلاحة. التي توصف بأنها عماد الاقتصاد الوطني. يعيش الفلاح البسيط بين مطر لا ينزل وسوق لا يرحم وتكاليف لا تتوقف عن الصعود. أما في الصيد البحري. فإن المواطن الذي يعيش في بلد يمتلك واجهتين بحريتين وثروة سمكية هائلة قد يشعر أحياناً بأن السمك كائن أسطوري لا يراه إلا في نشرات الأخبار أو موائد الأغنياء.
لكن المأساة لا تكمن فقط في هذه الاختلالات. بل في الطريقة التي يتم بها تفسيرها. فكلما فشل مشروع قيل إن المشروع كان جيداً لكن الظروف كانت سيئة. وكلما تعثرت خطة قيل إن الفكرة كانت ممتازة لكن التنفيذ كان ناقصاً. وكلما ظهرت أزمة قيل إنها نتيجة تراكمات الماضي. وهكذا يتحول الماضي إلى متهم دائم لا يملك حق الدفاع عن نفسه. بينما يظل الحاضر بريئاً مهما كانت الأدلة ضده.
إن أخطر ما أصاب الحياة السياسية ليس الفشل في حد ذاته. فالفشل جزء من التجربة الإنسانية. بل فقدان القدرة على الاعتراف بالفشل. فالسياسي الذي لا يعترف بخطئه يشبه طبيباً يرفض الاعتراف بمرض المريض. ويصر على أن الجثة بصحة جيدة لكنها تحتاج فقط إلى المزيد من الوقت.
ولعل أكثر ما يثير السخرية أن الأحزاب التي تتقاتل فيما بينها قبل الانتخابات تكتشف فجأة بعد الانتخابات أنها قادرة على التعايش بل وحتى التعاون. الأحزاب التي كانت تصف بعضها البعض بالخطر على الوطن تصبح قادرة على الجلوس حول الطاولة نفسها. والبرامج التي كانت تُعتبر كارثية تتحول إلى مشاريع قابلة للنقاش. والخطوط الحمراء التي كانت تملأ الخطب تختفي كما تختفي آثار الأقدام فوق الرمال بعد أول موجة.
هنا يبدأ المواطن في الشك ليس في الأشخاص فقط. بل في معنى اللعبة كلها. فإذا كانت الخلافات الحادة تختفي بهذه السرعة. فهل كانت خلافات حقيقية أم مجرد عروض انتخابية؟ وإذا كانت المبادئ قابلة للتبديل بهذه السهولة، فما الذي يبقى من السياسة غير البحث عن المواقع والمقاعد؟
أما النقابات. التي كان يفترض أن تكون حصن الطبقات العاملة وصوت الموظفين والعمال. فقد وجدت نفسها هي الأخرى داخل دوامة الشك. فأصبح المواطن يتساءل: هل ما زالت النقابة تدافع عن العامل أم أصبحت تدافع عن موقعها داخل المشهد السياسي؟ وهل ما زال النضال الاجتماعي هدفاً أم أصبح وسيلة تفاوض داخل لعبة أكبر؟
وسط كل هذا الضجيج. وُلد ما يمكن تسميته بـ”الجهل المقدس” ذلك النوع من الجهل الذي لا يكتفي بعدم المعرفة. بل يحارب المعرفة نفسها. جهل يطلب من المواطن أن يصفق دون أن يسأل. وأن يؤمن دون أن يناقش. وأن يختار دون أن يحاسب. جهل يجعل الولاء أهم من الكفاءة، والانتماء أهم من الإنجاز. والشعار أهم من الحقيقة.
وهكذا تحولت السياسة في نظر كثير من الناس إلى مسرح كبير. تتغير فيه الديكورات باستمرار. وتتبدل فيه الوجوه والألوان والشعارات. لكن النص يبقى هو نفسه. المواطن يعرف الحوار قبل أن يبدأ. يعرف الوعود قبل أن تُقال. يعرف الأعذار قبل أن تُصاغ. يعرف نهاية المسرحية قبل رفع الستار.
وعندما يصل مجتمع إلى هذه المرحلة. فإنه لا يفقد ثقته في حزب معين أو في حكومة معينة. بل يفقد ثقته في الفكرة نفسها. في فكرة أن السياسة يمكن أن تكون أداة للتغيير. في فكرة أن الانتخابات يمكن أن تصنع فرقاً. في فكرة أن المؤسسات وجدت لخدمة الناس لا لإدارة انتظارهم.
ومع ذلك. فإن السؤال الأكثر إيلاماً ليس لماذا فشلت الأحزاب في تحقيق ما وعدت به. بل لماذا أصبح المواطن مضطراً في كل مرة إلى خفض سقف أحلامه حتى يناسب سقف الواقع؟ لماذا يطلب الناس اليوم خدمات أساسية بدل أن يحلموا بمشاريع كبرى؟ لماذا أصبح النجاح السياسي يُقاس أحياناً بقدرة المسؤول على حل مشكلة كان يفترض ألا تكون موجودة أصلاً؟
ربما لأن الأزمة الحقيقية لم تعد أزمة أحزاب فقط. بل أزمة ثقافة سياسية كاملة. ثقافة جعلت الكلام أرخص من الخبز. والوعد أسهل من الإنجاز. والخطاب أسرع من الفعل.
وهكذا يستمر المشهد: أحزاب تعد.وحكومات تبرر. ونقابات تفاوض. ومواطن ينتظر. ينتظر منذ سنوات طويلة حتى أصبح الانتظار نفسه مؤسسة وطنية غير معلنة. وربما لو أُجريت انتخابات بين الوعود والإنجازات. لفازت الوعود بأغلبية ساحقة. ولشكلت الحكومة بمفردها. ولحصلت على ولاية جديدة من دون منافسة.
أما المواطن. ذلك البطل المجهول في هذه الرواية الطويلة. فقد تعلم درساً قاسياً من التاريخ: أن أخطر أنواع الفقر ليس فقر المال. بل فقر الثقة. لأن الأمة التي تفقد ثقتها في السياسة لا تخسر انتخابات فقط. بل تخسر جزءاً من إيمانها بالمستقبل نفسه.

Views: 11

الاخبار العاجلة