
بقلم . عبد العزيز الخطابي

حين كان العقلُ مسلمًا لا عربيًا: كيف أضاءت عبقريةٌ متعددةُ الأعراق طريقَ العالم… ثم انطفأت في موطنها؟
ليس من الدقة التاريخية. ولا من النزاهة الفكرية. أن نربط العبقرية بعرقٍ أو لغةٍ أو جغرافيا بعينها. فالحضارات الكبرى لا تُبنى بالدم. بل تُبنى بالأفكار. وما يُعرف اليوم بـ“العباقرة المسلمين” لم يكونوا كتلةً عرقية واحدة. ولا امتدادًا لقومية محددة. بل كانوا تعبيرًا عن لحظة إنسانية نادرة، حيث اجتمع الفارسي والأمازيغي والتركي والأندلسي والعربي داخل فضاء حضاري واحد. يتكلم لغة العلم. ويؤمن بأن الحقيقة لا وطن لها.
في تلك اللحظة التاريخية التي امتدت لقرون. لم يكن الإسلام مجرد دين. بل كان إطارًا معرفيًا مفتوحًا. يسمح بامتصاص الفلسفة اليونانية. والرياضيات الهندية. والحكمة الفارسية. ثم إعادة صياغتها في مشروع فكري جديد. لم يكن النقل مجرد تقليد. بل كان تمهيدًا لخلقٍ جديد. وهنا تحديدًا تبدأ الحكاية: حكاية العقل المسلم الذي لم يكن عربيًا بالضرورة. لكنه كان عالميًا بالمعنى العميق للكلمة.
لقد شكّل ابن سينا نموذجًا لهذه العالمية؟ فهو ابن بيئة فارسية، لكنه كتب بالعربية. وتأثر بأرسطو. ثم تجاوزه. لم يكن “القانون في الطب” مجرد موسوعة طبية. بل كان إعلانًا عن ولادة عقل منهجي. يربط بين التجربة والتأمل. بين الجسد والنفس. بين العلم والفلسفة. هذا الكتاب لم يبقَ حبيس العالم الإسلامي. بل هاجر إلى أوروبا. حيث أصبح مرجعًا جامعيًا لقرون. وكأن أوروبا كانت تتعلم كيف ترى الإنسان من خلال عيون عالم مسلم.
وبالمثل. فإن الخوارزمي لم يكن مجرد رياضي. بل كان مؤسسًا لمنطق جديد في التفكير. الجبر. الذي ابتكره. لم يكن فقط فرعًا من الرياضيات. بل كان ثورة في التجريد. حيث أصبحت الأعداد رموزًا. وأصبحت المسائل قابلة للحل عبر منهجية عقلية دقيقة. من اسمه وُلدت كلمة “Algorithm” التي تقوم عليها الحضارة الرقمية اليوم. وكأن عبقريته ما زالت تعمل بصمت في كل جهاز حديث.
أما ابن الهيثم، فقد كان لحظة انكسار في تاريخ المعرفة القديمة. حين رفض نظريات اليونان حول الرؤية. لم يفعل ذلك بدافع الرفض. بل بدافع الشك المنهجي. لقد أدخل التجربة كحَكَمٍ بين الفكرة والحقيقة. واضعًا بذلك الأساس لما سيُعرف لاحقًا بالمنهج العلمي. لم يكن هذا مجرد إنجاز علمي. بل كان تحولًا فلسفيًا عميقًا: من التأمل إلى الاختبار. من الظن إلى البرهان.
وفي الفلسفة، يبرز ابن رشد كصوتٍ جريء دافع عن العقل في وجه التأويلات الضيقة. لم يكن يرى تعارضًا بين الدين والفلسفة. بل كان يرى أن الحقيقة واحدة. وأن الطرق إليها متعددة. شروحه لأرسطو لم تكن مجرد نقل. بل كانت إعادة بناء. وقد عبرت هذه الشروح إلى أوروبا. حيث ساهمت في تحرير العقل الغربي من قيود اللاهوت المغلق.
لكن هذه المسيرة لم تكن خطًا مستقيمًا. فقد جاء أبو حامد الغزالي ليطرح سؤالًا مقلقًا: هل يمكن للعقل وحده أن يبلغ الحقيقة؟ في نقده للفلاسفة. لم يكن يهدم الفلسفة بقدر ما كان يضع حدودًا لها. محذرًا من غرور العقل. هذا التوتر بين العقل والإيمان لم يكن ضعفًا. بل كان دليلًا على عمق التجربة الفكرية الإسلامية. التي لم تكن تخشى مساءلة نفسها.
ومن زاوية أخرى. يظهر ابن خلدون كعقلٍ سبق عصره. لم يكتب التاريخ كحكاية. بل كعلم. بحث في أسباب قيام الدول وسقوطها. وربط ذلك بالبنية الاجتماعية والاقتصادية. كان يرى أن الحضارة كائن حي. يولد وينمو ثم يشيخ ويموت. هذه الرؤية الديناميكية للتاريخ هي ما جعلته مؤسسًا لعلم الاجتماع. قبل أن يُعرف هذا العلم في أوروبا بقرون.
إذا تأملنا هذه النماذج. سنكتشف حقيقة صادمة: العبقرية الإسلامية لم تكن عربية خالصة. بل كانت متعددة الأعراق. لكنها موحّدة في المنهج. اللغة العربية كانت وعاءً. لكنها لم تكن المصدر الوحيد. الإسلام كان إطارًا. لكنه لم يكن قيدًا. وهذا ما جعل تلك الحضارة قادرة على الإبداع.
لكن كيف انتقلت هذه العبقرية إلى الغرب؟
لم يحدث ذلك عبر “سرقة” بالمعنى البسيط. بل عبر عملية تاريخية معقدة من الترجمة والتفاعل. في مراكز مثل طليطلة، تُرجمت الكتب العربية إلى اللاتينية. وبدأت أوروبا تكتشف عالمًا جديدًا من المعرفة. لم تكن هذه الكتب مجرد نصوص. بل كانت مفاتيح لفهم الطبيعة. والإنسان، والكون. ومن هنا بدأت أوروبا تبني نهضتها، مستفيدة من هذا الإرث. لكنها لم تتوقف عنده. بل طورته وأضافت إليه.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: لماذا استمر الغرب في التقدم. بينما توقف العالم الإسلامي؟
الجواب لا يكمن في الماضي، بل في كيفية التعامل معه. الغرب تعامل مع المعرفة كعملية تراكمية. بينما تحوّل الماضي في العالم الإسلامي إلى ذاكرة مقدسة. يُستحضر للفخر لا للبناء. حين يتحول التراث إلى نهاية بدل أن يكون بداية، تتوقف الحركة.
لقد فقد العقل المسلم. في مراحل لاحقة. شرطه الأساسي: الحرية. لم يعد السؤال مرحبًا به كما كان. ولم يعد الشك فضيلة كما كان عند ابن الهيثم، ولم يعد العقل شريكًا للوحي كما كان عند ابن رشد. وهنا بدأ الانطفاء.
إن استعادة الحديث عن “العباقرة المسلمين” لا يجب أن يكون مجرد تمجيد للماضي. بل يجب أن يكون نقدًا للحاضر. فهؤلاء لم يكونوا عظماء لأنهم مسلمون فقط، بل لأنهم كانوا أحرارًا في التفكير. شجعانًا في السؤال. ومنفتحين على العالم.
التاريخ لا يظلم أحدًا، لكنه لا ينتظر أحدًا أيضًا. من يتوقف عن الإنتاج. يُستبدل. ومن يكتفي بالبكاء على ما أخذ الآخرون. ينسى أن السؤال الأهم ليس: ماذا أخذوا؟ بل: لماذا لم نعد نُنتج؟
لقد كان العقل يومًا مسلمًا… لا لأنه ينتمي إلى دين. بل لأنه كان منفتحًا. باحثًا، قلقًا. وحيًا. وربما يكون التحدي اليوم هو أن نعيد لهذا العقل حياته. لا أن نعيد سرد سيرته فقط.
غير أن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الحنين أو المقارنة السطحية بين “ماضٍ مجيد” و“حاضر متعثر” بل يجب أن يتوغل أعمق: ما الذي يجعل العقل ينتج؟ وما الذي يجعله يتوقف؟ هل العبقرية لحظة استثنائية في التاريخ. أم أنها نتيجة شروط يمكن إعادة بنائها؟
إذا تأملنا التجربة التي أنجبت ابن سينا والخوارزمي وابن الهيثم، سنكتشف أنها لم تكن معجزة مفاجئة، بل كانت ثمرة بنية حضارية كاملة: انفتاح على الآخر. احترام للعلم. رعاية للمترجمين. ووجود مؤسسات تُشبه ما نسميه اليوم “مراكز بحث” لم يكن العالم يعمل في فراغ. بل في شبكة من التفاعل المعرفي. حيث تُناقش الأفكار. وتُختبر، وتُنقَّح.
في تلك اللحظة. لم يكن السؤال “من أنت؟” بل “ماذا تضيف؟” ولهذا استطاع أمازيغي مثل ابن خلدون أن يؤسس علمًا جديدًا، وأن يقرأ التاريخ بمنطق لم يسبقه إليه أحد. واستطاع أندلسي مثل ابن رشد أن يحاور أرسطو وكأنه معاصر له. لا تلميذًا متأخرًا عنه. هذه الجرأة المعرفية لم تكن لتولد في بيئة تخاف السؤال.
لكن ما حدث لاحقًا لم يكن مجرد “تراجع طبيعي” بل كان تحوّلًا عميقًا في بنية العقل ذاته. حين يُستبدل السؤال باليقين. ويُستبدل البحث بالتلقين، يتحول العقل من أداة إنتاج إلى أداة حفظ. وهنا تبدأ الحضارة في التآكل. لا من الخارج. بل من الداخل.
لقد دخل العالم الإسلامي. في مراحل معينة. في ما يمكن تسميته “زمن الشرح على الشرح” حيث لم يعد الهدف إنتاج معرفة جديدة. بل تفسير ما قيل سابقًا. لم يعد الفارابي ممكنًا. ولا جابر بن حيان. لأن البيئة التي تسمح بولادة هؤلاء قد اختفت. لم يعد هناك فضاء يسمح بالخطأ. ولا مؤسسات تحتضن التجريب. ولا سلطة تقبل النقد.
في المقابل. كانت أوروبا تعيش مخاضًا مختلفًا. لم تكن أفضل في البداية. لكنها امتلكت شجاعة القطيعة. حين ترجمت أعمال ابن رشد، لم تتوقف عنده. بل تجاوزته. وحين قرأت ابن الهيثم، لم تكتفِ بالإعجاب. بل حولت منهجه إلى قاعدة علمية. الفرق لم يكن في الذكاء، بل في الاستمرارية.
وهنا تتجلى مفارقة فلسفية عميقة: الحضارة التي تعلّم غيرها كيف يفكر. قد تتوقف عن التفكير، بينما يستمر التلميذ في التقدم. وكأن المعرفة، مثل النار، لا تبقى في مكان واحد؛ تنتقل إلى حيث تجد الوقود.
إن اختزال المشكلة في “الآخر أخذ منا” هو تبسيط مريح، لكنه غير دقيق. فالمعرفة لا تُسرق. بل تُكتسب. والغرب لم يكتفِ بالأخذ. بل أضاف، وابتكر. وراكم. أما العالم الإسلامي. ففي لحظة ما، فقد إيمانه بالفعل المعرفي نفسه، أو على الأقل، فقد شروطه.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل يمكن استعادة تلك الروح؟
الجواب لا يكمن في استنساخ الماضي. بل في فهمه. فـابن خلدون نفسه كان سيحذرنا من وهم التكرار. لأنه يرى أن لكل عصر شروطه. لا يمكن أن نعيد إنتاج العبقرية بنفس الأدوات القديمة. لكن يمكن أن نستعيد المبادئ: حرية التفكير. قيمة العلم. والانفتاح على الآخر.
إن العبقرية ليست جينًا وراثيًا. بل هي بيئة. وإذا كانت تلك البيئة قد أنتجت يومًا علماء غير عرب. لكنهم مسلمون. فإن التحدي اليوم ليس في إثبات هويتهم، بل في استعادة قدرتنا على إنتاج أمثالهم. بغض النظر عن أصولهم.
لقد كان المشروع الحضاري الإسلامي. في جوهره. مشروعًا إنسانيًا. لم يكن يسأل عن العرق. بل عن الفكرة. لم يكن يخاف من الفلسفة. بل يحاورها. لم يكن يرى في العلم تهديدًا. بل طريقًا للفهم.
وربما تكون المأساة الحقيقية اليوم ليست في أننا فقدنا أولئك العباقرة. بل في أننا فقدنا الشروط التي تصنعهم.
فالعقل الذي أنجب الخوارزمي لا يموت، لكنه قد يصمت. والعقل الذي أبدع عند ابن الهيثم لا يختفي. لكنه قد يُهمَّش. وما بين الصمت والتهميش. تضيع قرون من الإمكان.
إن استعادة هذا العقل ليست مهمة أكاديمية فقط. بل هي مشروع وجودي. لأن الأمم لا تُقاس بما تتذكره. بل بما تُنتجه. ولا تُقاس بما كان لديها. بل بما تستطيع أن تكونه.
وفي النهاية. قد لا يكون السؤال: لماذا تقدم الغرب؟
بل السؤال الأصدق: لماذا توقفنا نحن عن البدء من جديد؟
Views: 36







