الإعلام المغربي: بين المهنة والرداءة في كأس إفريقيا

جسر التواصل27 يناير 2026آخر تحديث :
الإعلام المغربي: بين المهنة والرداءة في كأس إفريقيا

عبد العزيز الخطابي

في زحام كأس إفريقيا التي احتضنتها المغرب، كان من المتوقع أن تظهر وسائل الإعلام المغربية بأبهى حلة ويُسلّط الضوء على أحد أرقى الأحداث الرياضية في القارة. لكن بدلاً من ذلك، انقلبت الأمور إلى مشهد كاريكاتيري يجمع بين الضيافة المغربية الدافئة وآخر زوايا الإعلام التي تختبئ خلف شاشاتها، مُتجاهلة كل ما هو جاد وذو مغزى.
جادلت الأفواه حول جدوى استضافة مشاهد تفاهة، فبدلاً من مناقشة التكتيكات الرياضية، استحوذت نقاشات عقيمة حول حدثٍ تافه، مثل ردود فعل لاعبٍ على تصفّح سلوكه على وسائل التواصل الاجتماعي، وكأنّ هذه التصرفات هي معيار النجاح أو الفشل.
في زمنٍ يُفترض فيه أن نشيد بالإنجازات الرياضية ونسلط الضوء على الأنشطة الثقافية، لقد انحدرنا إلى حد متابعة شجارات على المنصات الرقمية انشغل بها وهبّ الإعلام. فقد تم استحضار المؤثرين غير المعروفين بنضوجهم الفكري، في حين تم إهمال الشخصيات الإعلامية المتمرسة التي كان بإمكانها رسم صورة إيجابية عن المغرب والترويج لها في أرجاء القارة.
أما الضيافة المغربية، فكان لها نصيبها من السخرية أيضًا. تبدو وكأنها مسرحية مصطنعة، كمشهد يحاول فيه البطل إقناع الحضور بدفء مشاعره بينما كل شيء يُظهر عكس ذلك. كيف يُمنع التجريب والتعبير عن كرم الضيافة، ونجد أنفسنا أمام مشهد يتحول فيه كل تصرف عفوي بسيط إلى حديث يشوب مكان النقاش، سواء كان ذلك بسبب تصريح مدرب مصري أو تعليق غير مُوفق من لاعبٍ جزائري. باختصار، كانت ضيافة المغرب مكالمات أفضت كأنها تخدم أجندة خارجية أكثر من كونها تمثل ثقافة مغربية أصيلة.
لقد انحرف الإعلام عن دوره الحقيقي في هذه البطولة، بدلاً من توجيه الضوء نحو اللاعب المغربي الذي يركض في الملعب أو المنتخب الذي يحمل الآمال، تم تسليط الضوء على القضايا التافهة والمشاحنات. اللحظة الوحيدة التي تُعتبر نجاحًا لمؤثر، ليست حين يسجل منتخب المغرب هدفاً رائعاً، بل عندما يتحول إلى عنوان لخبر مثير، أو الدورة يعاقب فيها أحدهم بسبب تصرف غير لائق.
لا يُمكن إنكار أنه حتى بين الأسماء اللامعة في الإعلام، طرحت تساؤلات جادة، مثل: “أين كان التحليل الجيد؟” و”لماذا لم نتناول جوهر اللعبة؟” وبدلاً من ذلك، خضعوا للابتزازات الرقمية والتعليقات الجانبية التي لم تُضف شيئًا للحدث. بيت القصيد هو أن الإعلام أصبح مُجرد منصّة لتبادل الآراء السطحية وكسب المشاهدات.
أرقام المشاهدات التي تتهافت عليها القنوات ليس لها قيمة إن لم ترافقها محتوى بنّاء. قد تجد رقم المتابعين يتجاوز المليونية، لكن في مغزى الأشياء، كانوا يكتبون عن فصول صراعٍ تافه بدلاً من تقديم رسائل تعزز من روح البطولة. والمواطن المغربي، الذي يتأمل من زاوية ما، لم يعد يهتم بتفاصيل المباراة بقدر اهتمامه بما سيُكتب في الصحف.
على الرغم من الكرم المغربي اللامحدود، فقد انحسر هذا الكرم أمام تصرفات تفوق الاعتبارات الذاتية. الثقافة المغربية تستحق أن تُظهر بصورة متكاملة، دون تجميلات مصطنعة أو قنوات تروّج لضيافة مجاملات ومعارك فارغة. فقد أصبح من الضروري إعادة النظر في كيفية تقدير الضيافة، ليس كأداء سطحي أو مُبهر، بل كتجسيد للروح الوطنية.
المطلوب اليوم هو إعلام يعيد تشكيل ذاته، ويرسم بوصلة توجيهية حقيقية. فعندما تتجاوز الأمور صراعات رد الفعل، يمكننا أن نتوقع نتائج إيجابية. التفاعل المرضي بين الإعلام والجمهور يجب أن يتحول إلى شراكة مثمرة، وليست مجرد تكتيك يُستخدم لاستقطاب الجمهور بأي ثمن.
لن يتخلص الإعلام المغربي من قيود الرداءة ما لم يتم استثمار الوقت والجهد لترسيخ جودة المحتوى والاحترافية. فالسقوط في فخ “التفاهة” لن يحل أي مشكل أو يحقق أي إنجاز. وقد تكون التجربة المرة التي مرت بها كأس إفريقيا في المغرب درسًا يتجاوز قضية كرة القدم، ليغرس في عقولنا أهمية إعادة بناء المؤسسات الإعلامية على أسس الجودة والاحترافية.
فكم من مرة أقنعتنا الأرقام بأننا في الطريق الصحيح، بينما في الواقع كنا نعيش في فقاعة من التشتت والانجرار وراء خيالات البروباغندا. لذا، يبقى السؤال: هل نحن مستعدون حقًا لصناعة إعلامٍ متوازن، يُعبر عن صوت المغرب الحقيقي، أم سنبقى محاصرين في دوائر التفاهة والرداءة؟

Views: 49

الاخبار العاجلة