
عبد العزيز الخطابي

في عالم الجامعات، حيث تنبض الأفكار وتحتدم النقاشات، يتواجد فئة من الأساتذة الجامعيين الذين تجردوا من صفة “العالم” لتحل مكانها صفة “الراوي”. أولئك الذين يظنون أن مجرد حيازتهم على لقب “دكتور” يمنحهم الحق في اعتلاء المنابر الأكاديمية، فيسلطوا الأضواء على نظريات ومعلومات مضللة كما لو كانوا يحكون قصة أسطورية أمام نار المخيم. فما الفائدة من درس التاريخ إذا كان المحتوى لا يتعدى الأحاديث الجانبية التي تتوارى خلف النقاشات الذهنية الفارغة؟.
عندما تسأل أحدهم عن جوهر التاريخ، تأتيك الإجابة كأنها وصفة سحرية لفطيرة قديمة: “التاريخ هو ما نريد أن نصدّقه!” وكأنما يُعتبر التحريف والتزوير جزءًا من مهام الأكاديميين، الذين يتقنون فنون التحايل والاقتباس بلا خجل. ومن هنا يمكننا طرح سؤال جريء يُثير الضحك والسخرية في آن واحد: هل يُعتبر ذلك علمًا أم مجرد كذبة تحتاج إلى تعزيز وثائقي؟
إن التفتت للغة التي تُستخدم لنقل المعرفة التاريخية يُظهر عجيبًا من العجب. فعندما يأتي الحديث عن اللغة العربية في النصوص العلمية، يتحول الأمر إلى مُراوغة فكرية تتجاوز التعقل. إن قولهم إن “الحروف العربية ذات أصل آرامي” تكتسب معنى آخر عندما تنسب إلى أكاديميين يروجون للعربية وكأنها لغة مقدّسة تُصنع بها العلوم. ألا يُعتبر ذلك نسيانًا لعالم واسع يتحدث بالإنجليزية، الألمانية، والصينية، حيث تُبتكر الأفكار بدلاً من ترديد حكايات خيالية؟
عندما نأتي إلى الفضيحة المُرتبطة بشهادات الدكتوراه، يظهر طابع السخرية بشكلٍ أكبر. كيف يُمكن لشخص أن يُمثل بنفسه على أنه خبير وهو لم يقم بأي بحث حقيقي؟ الشهادات تُمنح كما تُوزع بطاقات العضوية في النوادي، وأصبحنا أمام حالة من الهزل العلمي. كان يجب على الأكاديميين أن يعودوا إلى مرتكزاتهم الأساسية، لكن يبدو أن الأمر قد أُهمل تمامًا.
وإذا فكرنا في مشهد الجامعات المغربية، سنكتشف أن هناك حاجة ماسة لإعادة النظر في النهج التعليمي. إن الكثير من الأساتذة لا يدركون حتى وجود مكتبات ضخمة مثل مكتبة الكونغرس، والتي تحتفظ بالعديد من الأبحاث التاريخية حول الأمازيغ، أو هكذا يبدو. إذ كيف يمكن لأساتذة يفتخرون بشهاداتهم أن يغضوا الطرف عن مثل هذه الكنوز الثقافية؟
ومع ذلك، هل يُعقل أن نسمح لهؤلاء الأكاديميين بتشكيل نظرتنا إلى التاريخ بينما نحن محاطون بأطياف من معلومات مضللة؟ هل حقًا نحن في 2025 لا زلنا نسمع روايات تتعلق بعروبة المغرب فقط لأنها تثير حماسة بعض الأساتذة؟ الحقائق التاريخية تُحفر في الذاكرة، وليس في كتب مكتوبة على عجل.
إذا كان التاريخ علمًا حقيقيًا، فهو بحاجة إلى عقول حقيقية تعمل بعزيمة ونزاهة. يجب على الجامعات أن تتحمل مسؤوليتها في تقديم المعرفة بدلاً من تشكيل روايات مبنية على مشاعر قومية أو دينية. لنكتفِ من الأكاديميين الذين يتقنون فن “الأحاديث الجانبية” ويتركون المعرفة الحقيقية على الرّفوف الغامضة.
لذا، في النهاية، يتوجب علينا أن نكون واعين لما يُقدم لنا في قاعات الدرس. يجب أن نُعلي من قيمة البحث الجاد والموضوعية في تدريس التاريخ، ونتجنب الوقوع فريسة لأسطورة “الدكتور” المُحاط بهالة من الجهل. إذا كنا نريد أن نتحدث عن العالم، فعلينا أن نتعلم كيف نغوص في أعماقه، لا أن نقتصر على روايات عابرة.
Views: 31







