
بدر شاشا
في السنوات الأخيرة، أصبح المجتمع يعيش حالة غير مسبوقة من الهوس الرقمي، حيث صارت كل لحظة ضعف أو زلة في حياة الأفراد مادة جاهزة للعرض والنشر على منصات التواصل الاجتماعي. لم تعد الأخبار تُصنع فقط من الأحداث الكبرى أو السياسة أو الاقتصاد، بل أصبح “البوز” هو الهدف الأول، حتى لو كان على حساب كرامة الإنسان وخصوصيته.
مشهد مألوف اليوم: حادثة سير، صراع بسيط بين شخصين، أو حتى لحظة مرض أو ضعف عند شخص ما، تتحول مباشرة إلى مقاطع فيديو تنتشر بسرعة البرق، وتعلق عليها آلاف التعليقات الساخرة أو الساخطة أحيانًا. ولا يقتصر الأمر على مجرد نشر الفيديو، بل امتد إلى تحليله ونقده وتسخيره للضحك أو الشهرة، وكأن كرامة الإنسان أصبحت سلعة يمكن تداولها على الإنترنت.

هذه الظاهرة ليست وليدة الصدفة. فهي نتاج الانفتاح الرقمي السريع، وغياب الوعي الكافي بالآثار النفسية والاجتماعية لنشر مثل هذا المحتوى، إضافة إلى سيطرة منطق “الترند” والربح السريع على سلوك المستخدمين. أصبحنا نرى أن البعض يضعون تسجيلات فضائح الآخرين قبل حماية أنفسهم، في مجتمع يهرول خلف كل خبر سلبي أو مثير للجدل، وكأن الفضائح هي العملة الجديدة للشهرة.
النتيجة؟ مجتمع تتراجع فيه احترام الخصوصية، وتضعف فيه القيم الأخلاقية، وينمو فيه شعور دائم بالمراقبة والتجسس. الشباب أصبحوا يختبرون حدودهم في نشر كل ما يرونه، وأحيانًا يشجعون بعضهم البعض على تجاوز كل خطوط الاحترام، فقط للحصول على عدد أكبر من الإعجابات والمشاهدات.
إن استمرار هذا الاتجاه يهدد المجتمع
على المدى الطويل. لأنه يربط الشهرة بالفضائح والسلبية، بدل الإنجازات والإبداع، ويجعل من القيم الإنسانية مجرد خيار يمكن تجاهله إذا تعارض مع الرغبة في الظهور على شاشات الهواتف. ما يحتاجه المجتمع اليوم ليس فقط التوعية، بل بناء ثقافة رقمية تحمي كرامة الإنسان، وتعطي الأولوية للإبداع والمعلومة المفيدة على حساب الفضائح واللحظات السلبية.
Views: 33







