
جسر التواصل
سيكون لقراء جسر التواصل موعد يومي طيلة شهر رمضان المبارك مع مراسل جسر التواصل شيخ العيطة الحسين المحبوب السطاتي لتقديم سيرته الذاتيةبعنوان “عيطة عريس الخيل ” كما سنتابع جميعا لقاءته الصحفيةمع فنانين تشكليين وكتاب ومسرحيين ومطربين في حوارات رمضانية.

شيخ العيطة الحسين المحبوب السطاتي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مولانا رسول الله.
الحبيب يا لحبيب الكية جديدة وبضاض صعيب…آهيا
الحبيب يا لحبيب لا تغيب فرج الله قريب…هيا واهيا
اجدب اجدب يا البركَي يا عريس الخيل…آهيا
اجدب اجدب شحال هذا مجدبتيشاي…هيا واهيا
اركَب اركَب يا حبيبي والليل طويل….آهيا
اركَب اركَب شحال هذا ماركبتيشاي….هيا واهيا
سيادي عريس الخيل ماليه مثيل يا بابا…آهيا
عريس الخيل ديال ركوب الليل يا سيدي…هيا واهيا
كَولو لحبيبي لا تعاديني عل اللي فات…آهيا
كَولو للمحبوب دابا ربي يعفو ويتوب…هياواهيا
حبيبي جيني بالليل وجيني فالصباح وجيني لعشية..آهيا
حبيبي طل عليا بضاض صعيب والربطة زغبية…هيا واهيا
هذه الأبيات ليست من إبداعي ولو أنه باستطاعتي كتابة وإبداع مثلها أو أحسن منها، بصفتي فنانا شعبيا “شيخ للعيطة” مغنيا وموسيقيا “كومنجي” لفرقة موسيقية غنائية “رباعة الشيخات”، وشاعرا زجالا..بل هي أبيات لمقطع من “عيطة عريس الخيل”، أبدعها جدي رحمه الله وهو أحد أسلافي الفنانين “أشياخ وشيخات” فن العيطة، وهذه الأغنية التراثية هي عيطة مرساوية عاطفية وجدانية، تتغنى بالجمال والحب..الجمال في كل نواحي الحياة، تتغنى بجمال المرأة، ذلك الجسد الأنثوي الفاتن، وجمال الرجل، وجمال الطبيعة؛ الليل، والخيل، والقمر، والنجوم.. وتتغنى بروعة الحب، حب الحبيب، حب الله والرسول الكريم، حب الغير.. والعيطة عموما هي فن مغربي تراثي أصيل، يجمع الموسيقى والزجل والغناء والرقص..وبصفتي أحد أشياخ هذا الفن أقول أن فن العيطة هو غناء متنوع الموضوع، شعر وموسيقى وغناء ورقص مبدوع، شقاء بعشق ممنوع لقلب عاشق موجوع، ملسوع أو مخدوع، غذاء يسمن ويغني من جوع، دواء لا مشروب ولا مبلوع، دعاء بلا خشوع بصوت مرفوع ومسموع، رثاء ونواح وبكاء بلا دموع..

لهذا ارتأيت أن أعنون كتابي هذا بعتبة هذه العيطة، “عيطة عريس الخيل”، فكلمة عيطة” تعني نداء، وصرخة، واستنجاد، وتمرد واحتجاج..وكلمة “عريس” توحي بالفرح وبالحب والخصوبة..وكلمة “الخيل” توحي بالقوة والحرب والجمال والنخوة، هكذا هي قصة حياتي، خليط بين هذا وذاك، فكتاب حياتي خطت صفحاته بالجمال والحب والشقاء والعناء والوفاء والعطاء، كما كتبت بالعيط، والتمرد، والاحتجاج، والصراخ والنواح والبكاء، والألم والوجع، وعشق الليل وحب الخيل..
يقال أن عمر الإنسان لا يقاس بعدد السنين التي مضت منه بقدر ما يقاس بما عاشه من تجارب، وما سطر في حياته من مراحل بعضها مضيء والآخر مظلم معتم، بين الأمل والرغبة والتحدي، وها أنا قد تعديت سن الخمسين من العمر يعني ما يزيد على نصف قرن من الزمن، دركي متقاعد برتبة “أجودان”، بسلك ضباط الصف العسكريين، و سبق لي وأن عملت ضابطا للشرطة القضائية والعسكرية، وضابطا للشرطة التقنية العلمية وتقني التشخيص الجنائي الإجرامي، وضابطا للشرطة الإدارية، وضابطا للشرطة القضائية المكلف بالأحداث، وضابطا مركزيا للأبحاث، ومدربا عسكريا للتلاميذ الدركيين ضباط الصف، ومدرسا للشرطة القضائية والشرطة التقنية العلمية، كما سبق وأن عملت قبل ولوجي سلك الوظيفة العمومية صانعا تقليديا “متعلم” خياطا تقليديا للرجال والنساء، وحلاقا، إضافة إلى الأعمال الفلاحية من رعي وزراعة بصفتي ريفي قروي ولدت وكبرت بالبادية، والآن بعد تقاعدي أعمل فنانا شعبيا “شيخ للعيطة..” موسيقي عازف كمنجة “كومنجي” ومغني لفرقة موسيقة غنائية “رباعة الشيخات”، وكاتب قاص، وروائي وزجال ومسرحي..وسيرتي الذاتية توجد متفرقة في كتاباتي؛ في مقالاتي المنشورة في مجموعة من الجرائد الوطنية والمجلات، وفي رواياتي وقصصي ونصوصي المسرحية.. وفي حواراتي الفنية بمحطات إذاعية وقنوات تلفزيونية، وفي لقاءاتي الصحفية عبر منابر إعلامية الكترونية..
والآن بعد أن عشت أزيد من خمسين سنة، أرى من واجبي أن أكتب وأسجل وأبوح بما صادفته في حياتي، التي قضيتها أجول بوطني، طفلا وشابا وأبا، أكتب ليعرف أبناؤنا وأحفادنا، وهذا الجيل والأجيال القادمة، الحياة التي عشناها، والمصاعب التي عانيناها إلى أن وصلت بلادنا إلى هذه المرحلة من التطور والتقدم في مختلف المجالات..أكتب مذكراتي لعل أحد الحالمين مثلي يستفيد يوما مما أكتب.
كتبت الجزء الأول من سيرتي الذاتية تحت عنوان “عيطة دموع الخيل”، والجزء الثاني أعطيته عنوان “عيطة الحب وحب العيطة”، وهذا الكتاب الذي بين يديك قارئي العزيز، جمعت فيه عدد من اللقاءات والحوارات الفنية والتي تتضمن بعض المراحل التي عشتها وعايشتها في حياتي، قد يجد فيها البعض ما يحفزه للمضي قدما يحدوه الأمل والرغبة في التحدي.
قد يقول البعض أن الحياة الجديرة بالتخليد والتأريخ والتدوين، هي الحياة الحافلة بالأحداث العظيمة للناس العظماء..حسنا..ولكن ماذا عن حياة الناس الآخرين، الناس العاديين البسطاء الذين تملأ قلوبهم القيم النبيلة والعادية بما فيها: الإيمان، والصبر، والنضال، والتحدي، والخُلق الكريم، والقناعة، والرضا..وهل من الضروري أن يؤرخ لحياة فئة من الناس متميزة دون غيرها، ونترك حياة الغالبية العظمى من الذين يعيشون حياتهم ببساطة وصفاء ونقاء ويخوضون معاركهم بصمت وصبر وكبرياء، وأنا شخصيا أعتز بتجربتي الحياتية، وأعتبر نفسي من العظماء، راض عن حياتي وما قسمه الله لي، حامدا شاكرا لله، وإن أي واحد منا له تجارب في هذه الحياة، يمكن له أن يرويها وأن يدونها إن استطاع ذلك ليستفيد منها غيره، وليترك أثرا يذكر به في هذه الحياة، إن هؤلاء هم الذين يصنعون التاريخ الحقيقي للبشر، هم الغالبية العظمى من الناس من شعبنا، إليهم أكتب هذه الكلمات وأجري هذه الحوارات، وأنشر هذه الصور ممثلة في حياتي نموذجا لحياتهم أو بعض فصول حياتهم.

إن تجاربي المتواضعة في هذه الحياة تعلمت منها الكثير، تعلمت من المجرمين؛ تعلمت من اللص، ومن النصاب، ومن تاجر المخدرات، ومن القتلة..ما لم أتعلمه في المدارس ومعاهد التكوين والثكنات العسكرية، تعلمت من زملائي الرعاة في البادية كيف أصنع أولى آلتي الموسيقية من ايناء قصديري “كمنجة الطاروا”، وتعلمت منهم أولى أبجديات الفن الشعبي وموسيقى “العيطة”، كما تعلمت ذلك من زملائي الفنانين “أشياخ وشيخات العيطة”، وتعلمت من الصيادين القناصين فن الصيد، وتعلمت من الخيالين “الرمى” فن ركوب الخيل، وتعلمت من المعلمين الخياطين أصول فن الخياطة التقليدية للرجال والنساء، وتعلمت من تلاميذي الدركيين ضباط وضباط صف، وتعلمت..وتعلمت..ومازلت أتعلم، والله أعلم كم سأتعلم.. وأكتب وأنا مدرك أن في حياة الناس العاديين البسطاء أشياء كثيرة مثيرة وجديرة بالتخليد، ليس أقلها إيقاعها الرتيب المطمئن المقتنع بالقضاء والقدر.
لقد اضطربت إلى الاعتماد على الذاكرة وبعض من المراجع المتعلقة ببعض الأحداث وتواريخها، فأيقظت الذاكرة من جديد، لأجيب على أسئلة الصديقات والأصدقاء الصحفيين والمستجوبين لي، وأنا أرد على أسئلتهم كانت تغمرني فرحة وبهجة واشعر بسعادة تعجز الكلمان عن وصفها كوني خرجت سالما من تجاربي السابقة بصحة عقلية وجسدية يمكن القول أنها عادية والحمد لله، على عكس تلك الأسئلة التي كنت أجيب عليها في ذعر وخوف وخجل..والتي كانت توجه إلي من طرف وكيل الملك، وقاضي التحقيق، ورئيس المركز القضائي للدرك، وقائد سرية الدرك، والكولونيل قائد جهوية الدرك، والجنرال قائد مصلحة من مصالح الدرك الملكي..حيث كان يتم استجوابي أحيانا وأنا واقف في وضعية الانتباه العسكرية “بالكوم”، وأحيانا واقفا أمام القاضي بمكتبه وهو يستنطقني، وأحيانا داخل قفص الاتهام في جلسة المحاكمات، وأنا أحاكم في شأن التهم الجنائية الكيدية التي كانت توجه إلي من طرف بعض الأشخاص المجرمين “الله يسامحهم”، والله يطلق سراح بعضهم من السجون..والحمد لله “خرج السربيس على خير والله يخرج العيطة على خير”..
لقد اختصرت الكثير في أجوبتي لمحاوري من الصحفيين؛ فحياتي الفنية الموسيقية في فن “العيطة”، حرفة “تشياخيت” تحتاج وحدها إلى مجلد خاص، وتجربتي في مهنة الخياطة تحتاج إلى مجلد، وكذلك الشأن بالنسبة لمهنة الحلاقة، وحياتي المهنية كمدربا عسكريا تحتاج إلى كتاب من مئات الصفحات، وحياتي في مستنقع الضابطة القضائية بما في ذلك محاربة الجريمة، بصفتي كنت ضابطا للشرطة القضائية والعسكرية، تحتاج إلى مجلدات.. وكنت خلال أجوبتي هذه مضطرا إلى الانتقاء والحذف، وأحيانا إلى المراوغة، مدركا مشكلة الفنان الأبدية، وهي كيف يوفق بين سيولة التجربة وتشكل الكلمة خلال الرد على الشخص المحاور، وكان لابد أن أنتقي أحداثا معينة بقيت تفرض نفسها على ذاكرتي، وتنضح في دمي برقة لا أستطيع تفسيرها، وجمال يتزايد مع الزمن، وشاعرية تزيدها الآلام توقدا، ولأكون مع جمهوري وقرائي صادقا فلا أدعي أنني قدمت في هذا الكتاب كل ما عندي بصدق ونزاهة وأفضيت لمحاوري بالحقيقة كاملة بأمانة، فهناك أمور خاصة بالناس وأمور عسكرية من أسرار الوطن لا يمكنني البوح بها، تعتبر من أسرار مهني السابقة، وأمتنع عن الجواب عليها، وكذلك هناك العديد من المواقف السلبية التي مررت بها، ولا أريد الخوض فيها حاليا، وكما بحثت في جرائم خطيرة وألقيت القبض على مجرمين خطيرين كذلك ارتكبت جرائم، بصفتي إنسان وخلق ضعيف من لحم ودم.. ولا أحد يدعي النزاهة والكمال، لهذا أريد أن أرى النصف المملوء من الكأس، وأنا لست الوحيد الذي عانى وصبر واحتمل..فمثلي كثيرون، ولكني كنت أشعر دوما بأنني أستمتع بكل لحظة مرت علي، وقد حاولت قدر الإمكان أن أكيف نفسي وأن أتأقلم مع الظروف التي واجهتني، ومازلت على العهد بالتحدي والكفاح، تشاركني في بعض مراحلها زوجتي “كريمة نرجس” وأبنائي، “بذرة وريحانة ومحمد”.
فأنا دركي متقاعد، عسكري جندي، حاربت ومازلت أحارب في معركة الحياة، عشتها وأعيشها بحلوها ومرها، وها أنا قد اتخذت قرارا بأن أواجه الأحزان وأتحدى العقبات، وأتحمل مسؤولياتي في هذا الزمان البهيم المبهم حتى آخر رمق في حياتي، وأعيش محاربا مكافحا بما أوتيت من حنكة وبما استطعت من جهد وقوة، وقد عرفت أن هذا قدري، وهذا دربي أسلكه، وهذه تحيتي تلوح في الأفق، وأنا أحس بنكهة الحياة، نكهة مختلفة بطعم آخر، تنم عن نظرة ملونة بألوان الطيف الرومانسية، ها أنا أسير في درب حياتي رحلة تلو رحلة.. رحلة تنهار فيها الأحلام، فأعيد الإمساك بخيوط الأمنيات، ورحلة تتجدد فيها الآمال فألملم فيها الجراحات وأخفيها صبرا بدون انكسار، دائما أعيش على الأمل، أعيش بالحب، وأقدر قيمة هذه الحياة.

قد يجد القارئ العزيز في هذه الحوارات، حياة فنان “شيخ للعيطة” حافلة بكل ما هو مثير ومدهش، ابتداء من ولادتي بالدوار “أولاد سيدي رحال” بريف قرية “أولاد عبو”” بمنطقة “أولاد سعيد” ضواحي مدينة “سطات” مهد طفولتي ومرتع صباي، أكتب وأحكي جزء من سيرتي الذاتية وأرصعها بباقة شكر، وأقول شكرا وحمدا لله سبحانه وتعالى الذي قواني وألهمني الصبر على تحمل مشاق هذه الحياة، ونجاني من محاولات القتل التي تعرضت لها خلال أبحاثي وأنا دركي ضابط شرطة قضائية؛ باحث ومحقق مع بعض المجرمين القتلة الذين رميتهم وراء القضبان، طبعا تحت تعليمات رؤسائي القضائيين وأوامر رؤسائي الدركيين العسكريين، وكم من مرة نجاني الله من موت محقق اثر أخطاء بعض التلاميذ العسكريين ضباط الصف الدركيين، خلال حصص الرماية بالأسلحة النارية، بميدان الرماية أثناء عملي مدربا عسكريا للمتدربين ضباط الصف العسكريين الدركيين بالقاعدة العسكرية بابن جرير.. وشكرا إلى روح أبي “المحبوب محمد” رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، الذي علمني بداية القوافي ورباني تريبة شبه عسكرية رغم قساوته علي، ولروح أمي “المرشود السعدية” رحمها الله وأسكنها فسيح جناته، التي علمتني موسيقى الإيقاع، وهي تقرشل الصوف بالقرشال وتغزلها بالمغزل ثم تعزف سيمفونية على أوتار خيوطها بالمشط داخل المنسج التقليدي، ودربتني على اللحن والإيقاع دون أن تدري وهي تدير بيديها الناعمتين الطاحونة الصغيرة التقليدية لطحن حبوب الزرع “الرحى”، وتغني لي بصوتها الرخيم “براويل عيطية” من فن “اللعابات”، شكرا لإخوتي وأخواني جميعا، كل واحد باسمه، والشكر الجزيل لأخي “المحبوب علي”، الذي يكبرني بسنتين، والذي تحمل كل العبء الكبير في تربيتي وتكويني ماديا ومعنويا..شكرا لزوجتي رفيقتي في الكفاح، شكرا لأبنائي، وشكرا للرعاة بمسقط رأسي ريف “أولاد عبو”، الذين ألهموني حب القوافي والأغاني الشعبية والعيطية، وتعلمت منهم العزف على آلة الكمنجة، وتعلمت منهم صناعة آلتي الموسيقية التقليدية بيدي، وزرعوا فيَ حب أولى أبجديات فن العيطة.. شكرا لأساتذة التعليم الذين تعلمت منهم الحرف والكلمة، شكرا للمعلمين الخياطين الذين تعلمت منهم حرفة الخياطة، شكرا للقضاة الذين علموني ودرسوني القانون الذي عملت به وأنا كدركي.. فرد باحث في حقل الضابطة القضائية، وأقسمت أمامهم بالمحكمة وأديت اليمين بأن أكون وفيا ومخلصا لديني ولوطني ولملكي، ولو أنني كنت مقصرا في واجبي المهني في بعض الحالات وخنت الأمانة..شكرا لرؤسائي ضباط الصف والضباط العسكريين الذين علموني الانضباط العسكري وفنون الحرب والرماية وحمل السلاح وتقنيات التفجير والتفخيخ، وحب التضحية والدفاع عن الوطن..شكرا لإدارة الدرك الملكي التي أعادت تربيتي وتكويني ماديا ومعنويا وثقافيا..شكرا لفناني العيطة “أشياخ وشيخات” الذين تعلمت منهم الفن الموسيقي العيطي وخباياه، شكرا للحلاقين الذين تعلمت منهم حرفة الحلاقة، شكرا للأخوات والإخوة الإعلاميين الصحفيين الذين يدعمونني ويشجعونني..شكرا لكل من علمني شيئا أكسب منه قوت يومي. فلن أندم عن شيء تعلمته وجربته بقدر ما أندم على شيء لم أجربه.
شكرا جزيلا لمن جعلني فنان أبدع، وجعلني شاعر أنضم، وعطر شعري بدمع يتدفق بالذكريات الجميلة، شكرا لمن أعاد قلبي إلى رشده وأخرجه من دهاليز الوهم، شكرا للجمهور الكريم الذي من أجله يحيى الفنان، شكرا لمن أيقظ ضميري، شكرا لكل شخص نصحني لأنه شجعني لأحقق الكثير، شكرا لكل شخص أهداني حبا فقد علمني أن الدنيا بخير، شكرا لكل شخص أمسك بيدي حين تعثرت فقد أعطى لي حياة متفائلة، شكرا لكل شخص اغتابني لأنه خفف ذنوبي، شكرا لكل شخص بكاني لأنه غسل قلبي من الألم، شكرا لكل شخص سخر مني لأنه علمني معنى الإرادة والتحدي، شكرا لكل شخص كذب علي لأنه علمني أنني أكثر صدقا، شكرا لمن أعاد ينابيع أيامي إلى ذاتها، ليتأملها كل من صار له نظر، شكرا لمن عطر ذكرياتي بطيب الوداد، شكرا لمن بنى لي ماضيا لن أنساه، حيث لازلت أشتم رائحته وأعيد طقوسه، سويعاته وذكرياته صباح مساء، شكرا لمن أيقظ عقلي من سباته العميق وفسح المجال للتعبير عن هذه الكلمات التي رفرفت فعبرت عن حلقات هذا المسلسل الإنساني الشخصي، فكلما تقدمت في العمر يتوغل رأسي في الضباب، ويصبح النسيان رفيقي وتصير الذاكرة مليئة بالثقوب والثغرات، والغريب يمكن أن أنسى ما أكلته في هذا الصباح وبالمقابل أتذكر فطورا شهيا متميزا أكلته في طفولتي، أو وجها أنثويا مشرقا صبوحا التقيته ذات لقاء وأنا فنان شعبي بحفلة عرس، أو سهرة أو شخص استمعت إليه وأنا ضابط للشرطة القضائية في قضية جنائية..أتخيله بأدق التفاصيل.

بصفتي فنان شعبي “شيخ للعيطة” ممارس ومهتم بفن “العيطة”، وكاتب قاص وروائي لديَّ جمهور كريم، يحترمني وأحترمه، ونزولا عند رغبة البعض من هذا الجمهور الكريم بما فيه من مستمع وقارئ، وطلبه المستمر للنبش في ذاكرتي لاستخراج ذكرياتي سواء خلال اللقاءات المباشرة أثناء الملتقيات الأدبية أو في السهرات والأعراس أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، “المواقع الالكترونية”.. وإلحاحه لمعرفة المزيد عن حياتي، كل هذا زادني شوقا وإصرارًا ولهفة للكتابة والبوح عن حياتي الحافلة بالمصاعب، المليئة بالإخفاقات والنجاحات، وهي تصور مرحلة من حياة جيلنا لعلها تفيد قارئا أو باحثاً عن فترة تاريخية معينة.. ورغم أنني أرى أنه من الصعب أن يبوح الانسان بكل شيء عن نفسه أو عن تجاربه في الحياة، وحتى لا يكون ما أكتبه ثقيلا على القارئ لأن حب الانسان لنفسه قد يجعله يبالغ في كيل المديح لنفسه مهما حاول التواضع بقلمه في وصف ذاته، والحديث يتشعب ويطول حول رحلة عمر طويلة تزيد على نصف قرن من الزمن، امتلأت واحتوت على محاولات وتجارب تخللتها نجاحات وإخفاقات، أبوح بها دون خجل أو فخر، فهي رحلتي الحياتية التي بدأت وستستمر بعون الله ورعايته لتثمر وتنبت كل يوم جديد، فسيرتي الحياتية متوافرة جدا، في كتاباتي وحواراتي، في ذاكرة من يحبونني وفي قلوبهم… في بهجة أبنائي وضيائهم، أيضا في ذاكرة من يضمرون لي غير ذلك…، أعرف أن تدوين السيرة الحياتية لا يمكن أن توجزه صفحات كتاب أيا كان عدد صفحاته، لأنها مهما تعددت لن تبلغ مدار السنين التي عشتها وسوف أعيشها كما يتمنى كل كائن حي، لن تعطي وصفا للألم الذي عشته وأنا أعاين الجثث في جرائم القتل البشعة.. والحالات السيئة الفظيعة للنساء المغتصبات من طرف المجرمين، وحوادث السير الكارتية المميتة بما فيها جمع الأشلاء الآدمية المتناثرة على الطرقات..وقتل الأصول، وقتل الأم لوليدها، بصفتي كنت ضابطا للشرطة القضائية، ولن تصف سيرتي الحياتية كل الأفراح والنشوة التي أشعر بها وتغمرني وأنا أغني وأشارك عروسين متحابين زفافهما بصفتي فنان شعبي “شيخ للعيطة”، مسيرة حياتي مدونة في قصائد دواويني…في قصائد الأغاني التي أكتبها و ألحنها وأغنيها، في قصص مجاميعي القصصية وفي رواياتي وحتى في سهراتي الموسيقية؛ وأنا أغني في خيمة بموسم، أو في قاعة بعرس، أو في قصر، أو في مهرجان فوق منصة، أو في مسرح على الخشبة.. وأتمنى من الذي يرغب في قراءة سيرتي بعد الغياب أن لا يوجزني في كتاب بل في حضوري الإنساني…
حينما يلبسنا الحنين نتذكر مجبرين مهما تدربنا على النسيان والتجاهل واللامبالاة، مهما هربنا وابتعدنا، وبمجرد أن نغفو ونغمض أعيننا، يبدأ شريط حياتنا في عرض ماضينا أمامنا، واضحا ومنسابا، فتختلط الطفولة بالمراهقة، والشباب بالرجولة، بالنضج، بالقوة، بالمجد، بالهزيمة وبالفرحة، وتمتزج المراحل فترتبك أمام سلطة العمر وجبروت الزمن وكأننا لم نكبر يوما.
أتمنى أن يستفيد القارئ من هذا الكتاب، أو بالأحرى من هذه الحوارات.. وأن يستمتع بهذه “العيطة”، التي سميتها “عيطة عريس الخيل”، وربما أجد يوما من ينقل قصة حياتي إلى عمل سينمائي، أو إلى مسلسل تلفزيوني.. لقد جعلت بعض سفن حياتي تبحر كما تشتهي، وكما أريد، بفضل الله سبحانه وتعالى، فتبا لهبوب وجريان الرياح، تذكروني بهذه المذكرات، وادعوا لي بالرحمة والمغفرة والتواب، طبعا سأموت يوما ما، لكن أشعاري وصوتي وألحاني وغنائي وكتبي وأفكاري لا..ولن تموت..ستظل حية يتذكرني بها الناس، أنا متأكد أنها ستبقى خالدة..وستعيش أكثر من عمري بعشرات بل مئات السنين.. لأنني عملت جاهدا ووثقت بعض أعمالي الموسيقية والأدبية لتخلد..وستخلد إن شاء الله..ومنها: روايتي الطويلة بعنوان “عيطة بيضاوية” والتي تتكون من أربعة أجزاء، وروايتي بعنوان “العين الزرقاء” اقتبستها من “عيطة العين”، كتبتها في ثلاثة أجزاء، والجزء الأول من سيرتي الذاتية تحت عنوان “عيطة دموع الخيل”، والجزء الثاني من سيرتي الذاتية اخترت له عنوان “عيطة الحب وحب العيطة”، وديوان زجل بعنوان “عيطة سروت الحصبة”، ونص مسرحي فردي بعنوان “عيطة الكرسي”، ونص مسرحي بعنوان “الرقص مع الذئاب في عيطة الغاب”، ومجموعة قصصية بعنوان “العيطة والغيطة”، وهذه الحوارات الصحفية التي أعطيتها عنوان “عيطة عريس الخيل”.وسأظل وفيا لهذا الفن ما حييت، فالعيطة في جيناتي ولا أنكر خيرها علي.
إن شاء الله وبحوله ستخلد كتاباتي كما خلدت “العيوط” الأخرى مئات السنين مثل : “عيطة خربوشة”، و”عيطة حاجتي في كَريني”، و”عيطة لغزال”، و”عيطة ركوب الخيل”، و”عيطة السطات بلادي”، و”عيطة جنان سطات”، و”عيطة الشاليني”، و”عيطة الشجعان” و”عيوط” أخرى..
إنني أريد أن أنهل من الحياة ما استطعت، وآخذ حقي منها بالقوة، أريد أن أعيش الهناء والشقاء..أريد أن أعطي بسخاء وأنسى الحقد والانتقام والضغينة والجفاء، أريد أن أُحِب وأُحب..أريد أن يفيض الحب من قلبي فيتسع ويتمر، أريد أن أعزف الموسيقى وأغني وأرقص، أريد أن يغني الناس معي ويرقصون أمامي على أنغام كمنجتي وعلى نبرات صوتي، أريد أن يسمع صوتي ويطرب الناس، ولا يخيفهم كما في السابق، أريد أن أصنع الفرجة وأتفرج، أريد أن أمرح وأفرح، أريد أن أذيع وأسرح، أريد أن أقرأ كثيرا وأكتب كثيرا..أريد أن أعيش..أريد أن يذكرني الناس بالخير بعد موتي ويدعون لي بالرحمة.
وأخيرا أختم كلمتي في هذا الكتاب بمقطع من هذه العيطة الرائعة “عيطة عريس الخيل”:
اسمع يا سيدي سمع…..لهلا يورينا فيكم باس
أنا وأنت والسامعين…..وجميع الناس الحاضرين
يوم الجمعة يوم لثنين……ما طحنو ما دارو عوين
يوم الجمعة ويوم لثلاث…..يخرجو لبنات الهيجات
يوم لثلاث يوم لاربع….. سيادي ما جيناكم بطمع
حنا معاهم بالله والشرع…..مسلمين وهلالنا طلع
يوم لاربع ويوم لخميس…..سيدي رايح الليلة عريس
سمعو كلامي يا الحاضرين…..وصليو على نبينا كاملين
وحق الله والنبي…..محبتكم عزيزة في قلبي
والسلطان الله ينصرو….ويدوم علينا محبتو
سيدي كلمتو مسموعة…..نفرحو وريوسنا مرفوعة
أنا بالله والشرع…..مسلم ومباغي طمع.
شكرا لكم على القراءة والتشجيع، أتمنى أن تجدوا في هذه الحوارات الصحفية ما يمتع وما يفيد، ودمتم في رعاية الله وحفظه. “وهذي ساعة مباركة فاش تلاقينا”
Views: 16







