
طارق المعروفي

من الظواهر الاجتماعية التي أثّرت بشكل كبير على المدن في المجتمعات، الهجرة القروية . فقد أدّت هذه الهجرة إلى تغيّر ملموس في طبيعة المدن، بحيث باتت بعض المدن أشبه بالبادية في عاداتها، وتقاليدها و لهجتها و حتى طريقة عيشها .
معلوم أن سكان القرى يهاجرون إلى المدن لأسباب عديدة، منها الأمل في تحسين أوضاعهم المعيشية، أو نظراً لتواجد الفرص الاقتصادية والتعليمية والصحية في المدينة، أو لأسباب اجتماعية و اقتصادية أخرى.
و مع انتقال أعداد كبيرة من القرويين إلى المدينة، يحمل هؤلاء معهم عاداتهم و تقاليدهم، مثل اللباس و اللهجات و الطقوس الاجتماعية… و يغيب بالتالي التأقلم مع الطابع الحضري في المدينة . و ربما يجد البعض صعوبة في الاندماج مع النمط” المديني”، مما يؤدي إلى تعزيز الطابع القروي و البدوي في الأحياء السكنية التي يقطنوها، فيغيب في بعض الأحيان الالتزام بالقوانين .
للمدينة شخصيتها و نمط العيش فيها، و للبادية طبيعتها الجذابة و حياتها الطبيعية الجميلة ، و بالتالي يتعين التأقلم مع المكان الذي نتواجد فيه، و التعايش مع الساكنة في جو من الاحترام المتبادل و الخضوع للقوانين و الأعراف السائدة حتى يتم الاندماج .
و سوف أحكي لكم ما جرى في إحدى المجمعات السكنية الراقية في المدينة،حيث تضم عمارات و مناطق خضراء.
ذات يوم ،قامت والدة أحد السكان بنشر الغسيل فوق خيوط ربطتها بين الأشجار، علما أن هناك أماكن مخصصة لذلك يمكن أن تستغلها لهذا الغرض، و مع ذلك لم يحرك السكان ساكنا لهذا الأمر . و بعد أيام قليلة، قامت بزراعة الفول و الذرة أمام العمارة في المنطقة المخصصة للورود و الشجيرات، و لم يحرك السكان ساكنا مرة اخرى ،ثم نشرت الزرع فوق ثوب على العشب بعد غسله …
و في الأخير قامت هذه السيدة ببناء فرن من الطين لطبخ الخبز في المنطقة الخضراء . و عندما احتج الجميع لهذا التصرف ، جاء الرد من ابنها الذي أخذ يلوم الساكنة على معارضتهم لتصرفات والدته ،قائلا إنكم لا تقدرون البادية و تجهلون الطبيعة ،و ما إلى ذالك من كلام لا محل له في الموضوع . و هناك عدة قصص مماثلة في هذا الشأن.
إذن لا يكفي أن تشتري سيارة فاخرة و أنت ترمي الأزبال من نافذتها و لا تحترم القواعد البسيطة للمرور. و لا يكفي أن تشتري شقة فاخرة و أنت لا تحترم الجيران، و لا تراعي المناطق المشتركة ، وبالتالي ترفض الاندماج مع المجتمع لأنك تتمسك فقط بأسلوبك و نمط عيشك .
و في الختام، نريد أن تظل البادية على شكلها الجميل و طابعها التقليدي الرائع، مع توفير المرافق اللازمة و المفيدة للعيش الكريم و التنمية المحلية . و نريد في المقابل ، أن تظل المدينة في شكلها و مضمونها الحضري، ترحب بكل واحد يفضل العيش فيها ، و لكن بدون “بداوة المدينة” .







