
شيخ العيطة: المحبوب الحسين السطاتي

كلمة الكاتب في سيرته الروائية “عيطة دموع الخيل “
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مولانا رسول الله.
يقال أن عمر الإنسان لا يقاس بعدد السنين التي مضت منه بقدر ما يقاس بما عاشه من تجارب، وما سطر في حياته من مراحل بعضها مضيء والآخر مظلم معتم، بين الأمل والرغبة والتحدي، وها أنا قد تعديت سن الخمسين من العمر يعني نصف قرن من الزمن، دركي متقاعد برتبة “أجودان”، بسلك ضباط الصف العسكريين، وعملت ضابطا للشرطة القضائية والعسكرية، وضابطا للشرطة التقنية العلمية والتشخيص الجنائي، وضابطا للشرطة الإدارية، وضابطا للشرطة مكلف بالأحداث، ومدربا عسكريا للتلاميذ الدركيين ضباط الصف، ومدرسا للشرطة القضائية والشرطة التقنية العلمية، والآن بعد تقاعدي أعمل فنانا شعبيا “شيخ للعيطة..” موسيقي عازف كمنجة “كومنجي” ومغني لفرقة موسيقة غنائية “رباعة الشيخات”، وكاتب قاص، وروائي وزجال..وسيرتي الذاتية توجد متفرقة في كتاباتي، في مقالاتي المنشورة في مجموعة من الجرائد الوطنية، وفي قصصي، وفي حواراتي الفنية بمحطات إذاعية وقنوات تلفزيونية، وفي لقاءاتي الصحفية عبر منابر إعلامية الكترونية..

الحمد لله، لقد أعطيت ومازلت أعطي، فقررت أن أترك أثرا عن رحلتي العمرية، حيث درجت منذ المرحلة الثانوية على البدء في كتابة يوميات لما مر بي من مشاهد في حياتي بصورة مبسطة، أقلد ما أقرأه في الكتب أو ما يفعله الكتاب والفنانين المشهورين، وأبطال الأفلام والمسلسلات، وأخذت أجمعها خلال دراستي بقسم البكلوريا وخلال أيامي في التدريب العسكري الدركي بالقاعدة العسكرية بابن جرير، وكذا في حياتي العملية المهنية الدركية السابقة، كنت أحيانا أسجل وأرصد ما يدور حولي، وكان يضيع مني أحيانا ما أكتبه، ولم يخطر في بالي يوما أنني سوف أنشرها في كتاب أو على صفحات جريدة، أو على مواقع التواصل الاجتماعي.. وهي ليست كلها صالحة للنشر، هي أحداث مثيرة عايشتها طفلا أخطو خطواتي الأولى، إلى أن تجاوز عمري نصف قرن من الزمن، حياة حافلة بكل ما هو حلو ومر.
والآن بعد أن عشت أزيد من خمسين سنة، أرى من واجبي أن أكتب وأسجل ما صادفته في حياتي، التي قضيتها أجول بوطني، طفلا وشابا وأبا، أكتب ليعرف أبناؤنا وأحفادنا، وهذا الجيل والأجيال القادمة، الحياة التي عشناها، والمصاعب التي عانيناها إلى أن وصلت بلادنا إلى هذه المرحلة من التطور والتقدم في مختلف المجالات..
قد يقول البعض أن الحياة الجديرة بالتخليد والتأريخ والتدوين، هي الحياة الحافلة بالأحداث العظيمة للناس العظماء..حسنا..ولكن ماذا عن حياة الناس الآخرين، الناس العاديين الذي تملأ قلوبهم القيم العادية بما فيها: الإيمان، والصبر، والنضال، والخُلق الكريم، والقناعة، والرضا..وهل من الضروري أن يؤرخ لحياة فئة من الناس متميزة، ونترك حياة الغالبية العظمى من الذين يعيشون حياتهم ببساطة وصفاء ونقاء ويخوضون معاركهم بصمت وصبر وكبرياء، وأنا شخصيا أعتز بتجربتي الحياتية، وأعتبر نفسي من العظماء، راض عن حياتي وما قسمه الله لي، حامدا شاكرا لله، وإن أي واحد منا له تجارب في هذه الحياة، يمكن له أن يرويها وأن يدونها إن استطاع ذلك ليستفيد منها غيره، وليترك أثرا يذكر به في هذه الحياة، إن هؤلاء الذين يصنعون التاريخ الحقيقي للبشر، الغالبية العظمى من الناس من شعبنا، إليهم أكتب هذه الكلمات وهذه الصور ممثلة في حياتي نموذجا لحياتهم أو بعض فصول حياتهم.

إن تجاربي المتواضعة في هذه الحياة تعلمت منها الكثير، تعلمت من المجرمين..تعلمت من اللص، ومن النصاب، ومن تاجر المخدرات، ومن القتلة..ما لم أتعلمه في المدارس ومعاهد التكوين والثكنات العسكرية، تعلمت من زملائي الرعاة في البادية، وتعلمت من زملائي”أشياخ وشيخات العيطة”، وتعلمت من تلاميذي الدركيين ضباط صف، وتعلمت..وتعلمت..ومازلت أتعلم. وأكتب وأنا مدرك أن في حياة الناس العاديين البسطاء أشياء كثيرة مثيرة وجديرة بالتخليد، ليس أقلها إيقاعها الرتيب المطمئن المقتنع بالقضاء والقدر.
لقد اضطربت إلى الاعتماد على الذاكرة وبعض من المراجع المتعلقة ببعض الأحداث وتواريخها، فأيقظت الذاكرة من جديد، وأخذت أرتب ذكرياتي ومذكراتي وألخصها حتى تمكنت بفضل الله من جمع البعض منها؛ فحياتي الفنية الموسيقية في فن “العيطة”، حرفة “تشياخيت” تحتاج وحدها إلى مجلد خاص، وحياتي المهنية كمدرب عسكري تحتاج إلى كتاب، وحياتي في الضابطة القضائية بما في ذلك محاربة الجريمة، بصفتي كنت ضابطا للشرطة القضائية والعسكرية، تحتاج إلى مجلدات، وحالما بدأت أكتب عن أولى ذكرياتي الطفولية، وجدت أن علي أن أختصر كثيرا، وأحذف كثيرا، وأهمل كثيرا، وإلا فإنني لن أنتهي إن أنا أردت الصدق مع نفسي والتعمق في تجربتي الحياتية، فقررت أن أبدأ في كتابة سيرتي الذاتية وأقسمها إلى أجزاء، بدأتها بهذا الجزء الذي بين يديك وأعطيته عنوان “عيطة دموع الخيل”، واسترسلت في محاولتي هذه قدر ما استطعت، ولكن مضطرا إلى الانتقاء والحذف، مدركا مشكلة الكاتب الأبدية، وهي كيف يوفق بين سيولة التجربة وتشكل الكلمة، وكان لابد أن أنتقي أحداثا معينة بقيت تفرض نفسها على ذاكرتي، وتنضح في دمي برقة لا أستطيع تفسيرها، وجمال يتزايد مع الزمن، وشاعرية تزيدها الآلام توقدا، ولا أدعي أنني قدمت في هذا الكتاب كل ما عندي، فهناك أمور خاصة بالناس وأمور عسكرية من أسرار الوطن لا يمكنني البوح بها، وكذلك هناك العديد من المواقف السلبية التي مررت بها، ولا أريد الخوض فيها حاليا، وكما بحثت في جرائم خطيرة وألقيت القبض على مجرمين خطيرين كذلك ارتكبت جرائم، ولا أحد يدعي النزاهة والكمال، لهذا أريد أن أرى النصف المملوء من الكأس، وأنا لست الوحيد الذي عانى وصبر واحتمل، فمثلي كثيرون، ولكني كنت أشعر دوما بأنني أستمتع بكل لحظة مرت علي، وقد حاولت قدر الإمكان أن أكيف نفسي وأن أتأقلم مع الظروف التي واجهتني، تشاركني في بعض مراحلها زوجتي “كريمة نرجس” وأبنائي، “بذرة وريحانة ومحمد”.

تمخض قلمي فكتب نبراسا وبلسما لآلامي ولأحزاني، ليأسي وجروحي..معاناتي التي كتبتها بقلم مهموم وأحيانا متفائل، بقلم جف بتكرار الكتابة، بقلم ينبض له قلب أنهكته الجراحات والمآسي والصدمات، بقلم تشابكت عليه خيوط الأمل والألم، فتارة يحاول الكتابة بشحنة تحمل في طياتها ابتسامة ملؤها الصفاء وبوصلات الحنين، وتارة أخرى يجد نفسه يعبر عن لهيب البؤس واليأس..ورقنتها على جهاز الحاسوب “الكومبيوتر”، وأنا أستحضر الأحداث ويطفو الألم وأعيش اللحظة من جديد، كما أستحضر الفرح وأشعر بلذة الحدث المفرح ونشوته ويمر شريط صوره أمام عيني.
وها أنا قد اتخذت قرارا بأن أواجه الأحزان وأتحدى العقبات، وأتحمل مسؤولياتي في هذا الزمان البهيم المبهم، وقد عرفت أن هذا قدري، وهذا دربي أسلكه، وهذه تحيتي تلوح في الأفق، وأنا أحس بنكهة الحياة، نكهة مختلفة بطعم آخر، تنم عن نظرة ملونة بألوان الطيف الرومانسية، ها أنا أسير في درب حياتي رحلة تلو رحلة.. رحلة تنهار فيها الأحلام، فأعيد الإمساك بخيوط الأمنيات، ورحلة تتجدد فيها الآمال فألملم فيها الجراحات وأخفيها صبرا بدون انكسار، دائما أعيش على الأمل، أعيش بالحب، وأقدر قيمة هذه الحياة.
أكتب اليوم مذكراتي أو بالأحرى جزء من قصة حياتي، هذه الحياة الحافلة بكل ما هو مثير ومدهش، ابتداء من ولادتي بالدوار مهد طفولتي ومرتع صباي، أكتب جزء من سيرتي الذاتية وأرصعها بباقة شكر، وأقول شكرا وحمدا لله سبحانه وتعالى الذي قواني وألهمني الصبر على تحمل مشاق هذه الحياة، ونجاني من محاولات القتل التي تعرضت لها خلال أبحاثي وأنا دركي ضابط شرطة قضائية؛ باحث ومحقق مع بعض المجرمين القتلة الذين رميتهم وراء القضبان، وكذا أخطاء بعض التلاميذ العسكريين ضباط الصف الدركيين، خلال حصص الرماية بالسلاح الناري، بميدان الرماية أثناء عملي مدربا عسكريا للمتدربين ضباط الصف العسكريين الدركيين، بالقاعدة العسكرية بابن جرير.. وشكرا لروح أبي رحمه الله الذي علمني بداية القوافي ورباني تريبة شبه عسكرية رغم قساوته علي، ولروح أمي رحمها الله وأسكنها فسيح جناته، التي علمتني موسيقى الإيقاع، وهي تقرشل الصوف بالقرشال وتغزلها بالمغزل ثم تعزف سيمفونية على أوتار خيوطها بالمشط داخل المنسج، ودربتني على اللحن والإيقاع دون أن تدري وهي تدير بيديها الناعمتين الطاحونة الصغيرة التقليدية لطحن حبوب الزرع “الرحى”، وتغني لي بصوتها الرخيم “براويل عيطية” من فن “اللعابات”، شكرا للرعاة بمسقط رأسي ريف “أولاد عبو”، الذين ألهموني حب القوافي والأغاني الشعبية والعيطية، وتعلمت منهم العزف على آلة الكمنجة، وتعلمت منهم صناعة آلتي الموسيقية التقليدية بيدي، وزرعوا فيَ حب أولى أبجديات فن العيطة.. شكرا لأساتذة التعليم الذين تعلمت منهم الحرف والكلمة، شكرا للقضاة الذين علموني ودرسوني القانون الذي عملت به وأنا كدركي.. فرد باحث في حقل الضابطة القضائية، وأقسمت أمامهم بالمحكمة وأديت اليمين بأن أكون وفيا ومخلصا لديني ولوطني ولملكي، شكرا لرؤسائي ضباط الصف والضباط العسكريين الذين علموني الانضباط العسكري وفنون الحرب والرماية وحمل السلاح وتقنيات التفجير والتفخيخ، وحب التضحية والدفاع عن الوطن..شكرا لفناني العيطة “أشياخ وشيخات” الذين تعلمت منهم الفن الموسيقي وخباياه، شكرا للصناع التقليديين الخياطين الذين تعلمت منهم حرفة “الخياطة”، شكرا للحلاقين الذين تعلمت منهم حرفة الحلاقة..شكرا لكل من علمني شيئا أكسب منه قوت يومي. فلن أندم عن شيء تعلمته وجربته بقدر ما أندم على شيء لم أجربه.

شكرا جزيلا لمن جعلني فنان أبدع، وجعلني شاعر أنضم، وعطر شعري بدمع يتدفق بالذكريات الجميلة، شكرا لمن أعاد قلبي إلى رشده وأخرجه من دهاليز الوهم، شكرا للجمهور الكريم الذي من أجله يحيى الفنان، شكرا لمن أيقظ ضميري، شكرا لكل شخص نصحني لأنه شجعني لأحقق الكثير، شكرا لكل شخص أهداني حبا فقد علمني أن الدنيا بخير، شكرا لكل شخص أمسك بيدي حين تعثرت فقد أعطى لي حياة متفائلة، شكرا لكل شخص اغتابني لأنه خفف ذنوبي، شكرا لكل شخص بكاني لأنه غسل قلبي من الألم، شكرا لكل شخص سخر مني لأنه علمني معنى الإرادة والتحدي، شكرا لكل شخص كذب علي لأنه علمني أنني أكثر صدقا، شكرا لمن أعاد ينابيع أيامي إلى ذاتها، ليتأملها كل من صار له نظر، شكرا لمن عطر ذكرياتي بطيب الوداد، شكرا لمن بنى لي ماضيا لن أنساه، حيث لازلت أشتم رائحته وأعيد طقوسه، سويعاته وذكرياته صباح مساء، شكرا لمن أيقظ عقلي من سباته العميق وفسح المجال للتعبير عن هذه الكلمات التي رفرفت فعبرت عن حلقات هذا المسلسل الانساني الشخصي، فكلما تقدمت في العمر يتوغل رأسي في الضباب، ويصبح النسيان رفيقي وتصير الذاكرة مليئة بالثقوب والثغرات، والغريب يمكن أن أنسى ما أكلته في هذا الصباح وبالمقابل أتذكر فطورا شهيا أكلته في طفولتي، أو وجها أنثويا مشرقا صبوحا التقيته ذات لقاء وأنا فنان شعبي بحفلة عرس، أو سهرة أو شخص استمعت إليه وأنا ضابط للشرطة القضائية في قضية جنائية..أتخيله بأدق التفاصيل.
بصفتي فنان شعبي ممارس ومهتم بفن العيطة، وكاتب قاص وروائي لديَّ جمهور كريم، يحترمني وأحترمه، ونزولا عند رغبة البعض من هذا الجمهور الكريم بما فيه من مستمع وقارئ، وطلبه المستمر للنبش في ذاكرتي لاستخراج ذكرياتي سواء خلال اللقاءات المباشرة أثناء الملتقيات الأدبية أو في السهرات والأعراس أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، “المواقع الالكترونية”.. وإلحاحه لمعرفة المزيد عن حياتي، كل هذا زادني شوقا وإصرارًا للكتابة عن حياتي الحافلة بالمصاعب، مليئة بالإخفاقات والنجاحات، وهي تصور مرحلة من حياة جيلنا لعلها تفيد قارئا أو باحثاً عن فترة تاريخية معينة، ورغم أنني أرى أنه من الصعب أن يكتب الانسان كل شيء عن نفسه أو عن تجربته، وحتى لا يكون ما أكتبه ثقيلا على القارئ لأن حب الانسان لنفسه قد يجعله يبالغ في كيل المديح لنفسه مهما حاول التواضع بقلمه في وصف ذاته، والحديث يتشعب ويطول حول رحلة عمر طويلة تقارب نصف قرن من الزمن، امتلأت واحتوت على محاولات ونجاحات وإخفاقات أبدأها منذ بدايتها دون خجل أو فخر، فهي رحلتي التي بدأت وستستمر بعون الله ورعايته لتثمر وتنبت كل يوم جديد، فسيرتي الحياتية متوافرة جدا، في كتاباتي وتأملاتي، في ذاكرة من يحبوني وقلوبهم… في بهجة أبنائي وضيائهم، أيضا في ذاكرة من يضمرون لي غير ذلك…، أعرف أن تدوين السيرة الحياتية لا يمكن أن توجزه صفحات كتاب أيا كان عدد صفحاته، لأنها مهما تعددت لن تبلغ مدار السنين التي عشتها وسوف أعيشها كما يتمنى كل كائن حي، لن تعطي وصفا للألم الذي عشته وأنا أعاين الجثث في جرائم القتل البشعة.. والحالات السيئة الفظيعة للنساء المغتصبات من طرف المجرمين، وحوادث السير الكارثية المميتة بما فيها جمع الأشلاء الآدمية المتناثرة على الطرقات.. وقتل الأصول، وقتل الأم لوليدها، بصفتي كنت ضابطا للشرطة القضائية، ولن تصف سيرتي الحياتية كل الأفراح والنشوة التي أشعر بها وتغمرني وأنا أغني وأشارك عروسين متحابين زفافهما بصفتي فنان شعبي “شيخ للعيطة”، مسيرة حياتي مدونة في قصائد دواويني…في قصائد الأغاني التي أكتبها و ألحنها وأغنيها، في قصص مجاميعي القصصية وفي رواياتي وحتى في سهراتي وأنا أغني في عرس أو فوق الخشبة، وأتمنى من الذي يرغب في قراءة سيرتي بعد الغياب أن لا يوجزني في كتاب بل في حضوري الإنساني…
أبصرت النور في بلدة صغيرة تقع غرب مدينة “سطات” زرقاء الشاوية المغربية، عشت بين الحقول والبساتين وتنقلت في الشعاب والغدران، ترعرعت في أحضان الطبيعة الجميلة والحياة البسيطة، وسط مجتمع قروي رعوي محافظ يتعايش، يتصارع ويتسامح وفق عادات وتقاليد متوارثة أبا عن جد، يختلط فيها الحزن والفرح ورغم ذلك تستمر دورة حياته عبر الزمن.
عشت في بادية مهمشة كانت تفتقر إلى أبسط وسائل العيش، كانت عيشة تقليدية لا كهرباء ولا تحلية ولا تصفية للمياه، لا ثلاجة ولا جهاز تلفاز بالألوان، فقط الشمع والفانوس والبئر والبهائم وجهاز التلفاز بالأبيض والأسود عند البعض وجهاز المذياع “الراديو” لمن تسنى لهم ذلك بالدوار، وقد تأثرت بما يدور حولي، وبما يجري من أحداث اجتماعية واقتصادية كاسترجاع أقاليمنا الصحراوية، وأيام الجفاف، والحرب العراقية الإيرانية، وغزو العراق للكويت، واجتياح أمريكا للعراق ومحاكمة الرئيس العراقي صدام احسين وإعدامه…
كانت حياتي رحلة فيها مئات المشاهد الإنسانية اختلط فيها الفرح بالحزن والسعادة بالألم، رحلة ليست سهلة كلها سكينة وهدوء ونعيم بل فيها من المشاق والصعوبات، من الفقر والحرمان إلى الرشوة والزبونية والمحسوبية..وقد صادفت أعداداً كثيرة من البشر وتصفحت وجوه العديد من الناس منهم من سبب لي ألما ومرارة ومنهم من سجل مواقف متخاذلة، ومنهم من ترك بصماته وأعماله بكل نبل وشهامة على صفحات أيامي وترك لمسات إنسانية في لحظات عصيبة ومريرة، التقيت خلال مسيرتي بالعديد من الرجال الشرفاء والنساء الشريفات، كانوا أهل مروءة وشهامة، كما وجدت آخرين استغلاليين جبناء ونساء غادرات خائنات، عشت وأنا ضابط للشرطة القضائية إلى جانب شخصيات مدنية وعسكرية سامية رجالا ونساء، فاسدين ومفسدين إداريا وأخلاقيا، أيديهم ملوثة بالجريمة والفساد “برلمانين، قضاة، عسكريين، دركيين، محامين، موثقين، عدول، شرطيين..”، خانوا الذمة وخانوا الوطن، وعشت مع الناس الأفراح والمسرات وأنا “شيخ” فنان شعبي عازف كمان ضمن مجموعة للشيخات لفنِّ العيطة، كما قاسمت الناس ويلاتهم في جرائم قتل واغتصاب وحوادث سير وأنا دركي ضابط للشرطة القضائية والعسكرية وهذه سنة الحياة، منذ سن الرابعة عشر عشت مع “الأشياخ والشيخات” وتشبعت بثقافتهم، أغلبهم متهمون وهم أبرياء، يسعون إلى خلف الفرجة والمرح وإسعاد الآخرين ويجنون النبذ والازدراء والاحتقار، وبحكم تجربتي في حقل الضابطة القضائية كضابط للشرطة القضائية والعسكرية، عشت قريبا جدا من بعض النساء، وأسطر هنا على كلمة “بعض”، وبمختلف طبقاتهن الاجتماعية ومراكزهن وثقافاتهن، لقد بحثت في قضايا إجرامية جنائية مع نساء جانيات، منهن: طبيبات، ومحاميات، وموثقات، وبنكيات، ومعلمات، وصحافيات، ومرشدات دينيات، ومهندسات، ورئيسات جماعات، ورئيسات جمعيات، ومديرات مؤسسات تجارية وفلاحات..وتبت في حقهن أنهن مجرمات فاسقات فاسدات مهنيا وأخلاقيا، تبتت في حقهن جرائم مختلفة منها: القتل، والخيانة الزوجية، والفساد الأخلاقي، والاتجار في البشر، والاتجار في الأطفال الرضع، وإعداد منزل للدعارة، والقوادة، والتزوير في محررات رسمية، والتقصير في الواجب المهني، وخيانة الأمانة، واستغلال المنصب، والنصب والاحتيال، والرشوة..فوجدت أن “الشيخات” أشرف وأنبل منهن بكثير، لهذا زاد حبي وعشقي للفن العيطي، تضاعف حبي للشيخة، هذه الأنثى المغربية القوية، التي كانت ومازالت وستظل صالحة لنفسها وللأسرة وللمجتمع.
حينما يلبسنا الحنين نتذكر مجبرين مهما تدربنا على النسيان والتجاهل واللامبالاة، مهما هربنا وابتعدنا، وبمجرد أن نغفو ونغمض أعيننا، يبدأ شريط حياتنا في عرض ماضينا أمامنا، واضحا ومنسابا، فتختلط الطفولة بالمراهقة، بالنضج، بالقوة، بالمجد، بالهزيمة وبالفرحة، وتمتزج المراحل فترتبك أمام سلطة العمر وجبروت الزمن وكأننا لم نكبر يوما.

أتمنى أن يستفيد القارئ من هذا الكتاب “عيطة دموع الخيل”، وربما أجد يوما من ينقل قصة حياتي إلى عمل سينمائي، وقد بدأت في كتابة الجزء الثاني، وأعطيته مؤقتا عنوان “عيطة الحب وحب العيطة”، تذكروني بهذه المذكرات، وادعو لي بالرحمة والمغفرة والتواب، طبعا سأموت يوما ما، لكن أشعاري وصوتي وألحاني وغنائي وكتبي وأفكاري لا تموت..أنا متأكد أنها ستبقى خالدة، لأنني عملت جاهدا ووثقت أعمالي لتخلد، كما خلدت “العيوط” مئات السنين مثل ما خلدت: “عيطة خربوشة”، و”عيطة حاجتي في كَريني”، و”عيطة لغزال”، و”عيطة ركوب الخيل”، و”عيطة الشجعان” و”عيوط” أخرى..
أني أعتذر من كل من ورد اسمه في ثنايا وفصول هذه المذكرات، وهذا العمل ليس موجها إلى أحد بعينه، أو ضد أي كان، ولا يستهدف الإساءة أو التشهير، وإنما يستهدف بالأساس إظهار حقيقة ما اكتنف حياتي من عواصف ومنحنيات ذات أبعاد مختلفة، كان لها الأثر البالغ في بناء شخصيتي وتكوين نفسيتي وتحديد مسار حياتي.
Views: 37







