جريدة “الأخبار” وجهلها بتاريخ رواية الذكاء الاصطناعي

جسر التواصلمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
جريدة “الأخبار” وجهلها بتاريخ رواية الذكاء الاصطناعي

 عبده حقي

قرأت باهتمام بالغ الصفحة الثقافية المعنونة ب «هي روايات الذكاء الاصطناعي»، في الملحق الثقافي لجريدة “الأخبار” المغربية الذي يصدر كل خميس بتنسيق الشاعر سعيد الباز وانجذبت حقا منذ الوهلة الأولى إلى محور الموضوع، لأنه يمس واحداً من التحولات العميقة التي أعيشها منذ سنوات داخل مختبر الكتابة: ماذا يحدث للرواية عندما تدخل الخوارزمية إلى ورشة الكاتب؟ وما الذي يتبقى من مفهوم المؤلف التقليدي عندما يصبح الذكاء الاصطناعي طرفاً في اقتراح الشخصيات وبناء المشاهد وتوليد اللغة وإعادة ترتيب الاحتمالات السردية؟ لذلك لم أتعامل مع الصفحة باعتبارها مجرد مادة صحفية عابرة، بل قرأتها بعين الكاتب الذي خبر هذا المجال من الداخل، وراكم فيه تجربة عملية ونظرية. غير أنني كلما تقدمت في القراءة ازداد استغرابي، لأنني وجدت نفسي أمام خريطة تتحدث عن الأرض التي أشتغل فوقها منذ سنوات، لكنها ترسم طرقها ومعالمها وكأن تجربتي غير موجودة.

لا أنكر أن الملف طرح أسئلة مهمة. فهو ينتبه إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية محايدة تقف خارج الأدب، بل أصبح عنصراً قادراً على إرباك مفاهيم التأليف والملكية والمسؤولية والإبداع. كما وجدت في عرض تجربة محمد أحمد فؤاد في رواية «حيوات الكائن الأخير» ما يستحق التوقف، خصوصاً حين يتعلق الأمر بعلاقة الكاتب بـChatGPT وبكيفية الانتقال من الفكرة البشرية إلى النص المقترح آلياً ثم إلى المراجعة وإعادة الكتابة. وهذه بالتحديد من القضايا التي أعتبرها أساسية لفهم ما يحدث اليوم في مختبر السرد الجديد.

لكنني، في المقابل، وجدت أن الملف يخلط أحياناً بين حقول متجاورة وليست متطابقة: الأدب الرقمي، والرواية التفاعلية، والواقعية الرقمية، والرواية التي تتخذ التكنولوجيا موضوعاً، ثم الرواية التي يشارك الذكاء الاصطناعي فعلياً في إنتاجها. وهذه ليست فروقاً لغوية هامشية. فأن أكتب رواية عن الإنترنت أو الروبوت أو العالم الافتراضي شيء، وأن أستخدم نظاماً توليدياً في بناء الرواية شيء آخر تماماً. كما أن نشر رواية عبر وسيط رقمي أو تضمينها الروابط والصور والصوت لا يجعلها بالضرورة رواية ذكاء اصطناعي.

لهذا استوقفتني العودة إلى بعض التجارب السابقة زمنياً على الانفجار الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي التوليدي، في الوقت الذي غابت فيه تجربة أراها، بحكم طبيعتها، في صميم الموضوع. لا أقول هذا طلباً لمجاملة أو بحثاً عن حضور اسمي بين الأسماء، بل لأنني أعتقد أن الكتابة النقدية حول ظاهرة جديدة تفقد الكثير من قيمتها عندما لا تضبط مفاهيمها ولا تستقصي نماذجها الأساسية.

لقد خضت شخصياً تجربة روائية كاملة مع الذكاء الاصطناعي في رواية «إيريكا في غرفة الأخبار». لم يكن الذكاء الاصطناعي فيها مجرد موضوع أتخيله من الخارج، ولم تكن التكنولوجيا مجرد ديكور سردي أضعه خلف الشخصيات. كنت أشتغل مع ChatGPT داخل الورشة نفسها: أقترح وأحاور وأرفض وأعيد التوجيه وأطور الحبكة وأختبر احتمالات الشخصيات وأراجع اللغة والبناء. لقد امتدت التجربة أشهراً، وتحولت الرواية بالنسبة إليّ إلى مختبر حي للسؤال الذي يشغل النقد العالمي اليوم: أين ينتهي دور الآلة وأين تبدأ مسؤولية الكاتب؟

والأهم أنني لم أكتف بأن أجعل الذكاء الاصطناعي أداة في إنتاج الرواية، بل جعلته أيضاً جزءاً من عالمها التخييلي. دخلت «إيريكا» إلى غرفة الأخبار بوصفها كائناً اصطناعياً يضع الصحافة والوعي والمشاعر والعلاقة بين الإنسان والخوارزمية أمام امتحان جديد. وهكذا كنت أعيش ازدواجية مقصودة: أكتب بالذكاء الاصطناعي عن الذكاء الاصطناعي، وأراقب في الوقت نفسه الحدود التي تفصلني عنه وتربطني به.

ولهذا كان غيابي عن ملف يحمل عنوان «هي روايات الذكاء الاصطناعي» مثيراً لديّ للسؤال أكثر مما كان باعثاً على الغضب الشخصي. سألت نفسي ببساطة: بأي معيار جرى اختيار هذه الأعمال؟ ما المقصود تحديداً برواية الذكاء الاصطناعي؟ هل يكفي أن تتحدث الرواية عن التكنولوجيا؟ هل ينبغي أن تكون رقمية أو تفاعلية؟ أم أن الشرط الأهم هو تدخل النظام التوليدي في عملية الكتابة نفسها؟

لو كانت هذه المعايير واضحة، لاستطعت أن أفهم أسباب الاختيار والاستبعاد، حتى إن اختلفت معها. أما أن يظل المفهوم فضفاضاً، وأن تستدعى تجارب من تاريخ الأدب الرقمي، ثم تغيب تجربة روائية مغربية دخل فيها ChatGPT فعلياً إلى مختبر السرد، فهنا تصبح المسألة بالنسبة إليّ إشكالاً توثيقياً ونقدياً لا مجرد مسألة أسماء.

وقد تجاوز اهتمامي بهذا الموضوع منذ مدة حدود الرواية المفردة. فالسؤال الذي انطلق بالنسبة إليّ من تجربة الكتابة قادني إلى التفكير في مفهوم «الكاتب الهجين»، الكاتب الذي لا يتخلى عن سلطته للآلة ولا يتظاهر بأن الآلة غير موجودة، بل يدخل معها في علاقة تفاوض دائم. فالخوارزمية تقترح، لكنني أختار. تولد الاحتمالات، لكنني أحدد الطريق. تقدم اللغة، لكنني أقرر ما الذي يستحق أن يبقى وما الذي ينبغي أن يمحى. ومن هنا انتقلت لاحقاً إلى مساءلة «القارئ الهجين» و«الناقد الهجين»، لأنني أدركت أن دخول الذكاء الاصطناعي إلى الأدب لا يغير الكاتب وحده، بل يغير منظومة الإنتاج والتلقي والنقد بأكملها.

لا أطالب بأن يقال إنني الأول والسباق، لأن السبق في مثل هذه التحولات يحتاج إلى بحث ببليوغرافي واسع ودقيق، ولا أحب تحويل التجربة الإبداعية إلى سباق على الميداليات. قد توجد تجارب لم أطلع عليها، وقد تختلف التعريفات من باحث إلى آخر. لكنني أطالب بشيء أبسط: أن يُكتب تاريخ الظاهرة بأكبر قدر ممكن من الإنصاف والدقة.

حين يكون لدينا عمل روائي مغربي من أكثر من مئتي صفحة جرى إنجازه عبر حوار طويل مع نظام توليدي، ثم تحول صاحبه بعد ذلك إلى الاشتغال النظري على مفهوم المؤلف الهجين، يصبح تجاهل هذه التجربة في ملف مغربي عن روايات الذكاء الاصطناعي أمراً يصعب عليّ اعتباره مجرد تفصيل صغير.

لست هنا بصدد التشكيك في قيمة التجارب التي قدمتها الصفحة، بل أرى أن بعضها ضروري لفهم المسار التاريخي الذي أوصل الأدب إلى لحظته الحالية. غير أن وضع الرواية الرقمية والرواية التفاعلية والرواية المولدة بمساعدة الذكاء الاصطناعي في السلة نفسها يطمس التحولات بدل أن يفسرها. كان من الأجدى، في تقديري، رسم خط تاريخي واضح يبدأ من الأدب الرقمي، ويمر بالتفاعلية والوسائط المتعددة، ثم يصل إلى اللحظة التوليدية التي أصبح فيها النموذج اللغوي يدخل إلى قلب عملية الإنشاء.

عندها فقط كان يمكن أن نضع التجارب إلى جانب بعضها ونقارن بينها فعلاً: تجربة تجعل الشاشة جزءاً من الرواية، وأخرى تجعل الرابط والصوت والصورة أدوات سرد، وثالثة تستدعي الذكاء الاصطناعي موضوعاً، ورابعة تجعله شريكاً في فعل الكتابة. عندها كنا سننتقل من التجميع الصحفي إلى بناء خريطة نقدية حقيقية.

إن أكثر ما يقلقني في مثل هذه الملفات ليس غياب اسم بعينه، حتى لو كان اسمي المتواضع، بل أن نصنع ذاكرة أدبية ناقصة منذ اللحظة الأولى. فالمرحلة التي نعيشها لا تزال قيد التشكل، وما يكتب عنها اليوم قد يتحول غداً إلى وثيقة يعتمد عليها الباحثون. وإذا دخل النقص إلى التوثيق مبكراً، فسوف يعاد إنتاجه لاحقاً حتى يصبح النسيان نفسه حقيقة تاريخية مزعومة.

لقد تعلمت من تجربتي مع الذكاء الاصطناعي أن الآلة تستطيع اقتراح آلاف الجمل، لكنها لا تستطيع أن تتحمل مسؤولية الذاكرة الثقافية نيابة عنا. هذه مسؤوليتنا نحن: الكتاب والنقاد والصحافيين والباحثين.

ولهذا، وأنا أنظر إلى هذه الصفحة الثقافية الأسبوعية الوازنة ، لا أقول إنني غبت عنها شخصياً فقط، بل أرى أن حلقة من حلقات التجربة المغربية في الكتابة بالذكاء الاصطناعي قد غابت معها. وقد يكون من حق أي ملف صحفي أن يختار نماذجه، لكنه حين يقدم نفسه بوصفه قراءة في «روايات الذكاء الاصطناعي»، يصبح من حق القارئ أيضاً أن يسأله عن الروايات التي لم يرها، وعن المعايير التي جعلت بعضها مرئياً وبعضها الآخر خارج الصورة.

فالحديث عن المستقبل الأدبي لا يستقيم، في تقديري، إذا بدأنا بكتابة تاريخ ناقص لهذا المستقبل وهو لا يزال يتشكل أمام أعيننا.

 

—

الاخبار العاجلة